الأربعاء ٦ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

حين يصبح المكتب أوسع من صاحبه

"تأملات من وحي مقابلة فعلية"

ثمة مقابلات يخرج منها المرء أخف من ظله، لا لأنه تخلص من عبء كان يحمله، بل لأن شيئا من كرامته تُرك هناك، على مقعد وثير، أمام مكتب واسع، بارد، مصقول إلى حد القسوة.

ليست أسوأ المقابلات تلك التي نواجه فيها خصما صريحا، أو مسؤولا فظا يعلن سلطته بلا مواربة؛ فالصراحة، حتى في قبحها، تمنحنا على الأقل حق الدفاع عن النفس. الأسوأ حقا هو أن تجد نفسك أمام مسؤول متنفذ يتقن فنون التخفي: يتحدث بلغة الفكر، ويستعير مفردات الثقافة، ويرش حديثه بعبارات عن الإنسان، والحرية، والوعي، والضمير، بينما كل شيء في المكان يقول نقيض ذلك.

المكتب واسع إلى درجة تشعرك بأنك أصغر مما ينبغي. الجدران صامتة، المقاعد محسوبة المسافة، الهواء بارد كأنه وُضع خصيصا لمنع العاطفة من الاقتراب. لا شيء هناك يشي بالحميمية أو الدفء؛ لا أثر لارتباك بشري، لا كتاب مفتوح بعفوية، لا فنجان قهوة يحمل بقايا حديث صادق، لا نافذة تفتح على حياة خارجية. كل شيء مرتب أكثر مما يجب، كأن المكان لا يدار لاستقبال الناس، بل لترويضهم.

في مثل هذه المقابلات لا يكون التعالي مباشرا؛ المباشر سهل القراءة، ويمكن مقاومته. بل يأتي التعالي مغلفا بابتسامة مدروسة، وبنبرة هادئة، وبمحاولة تمثيلية لإظهار التواضع. يحدثك المسؤول كما لو كان ينزل من عليائه قليلا كي يمنحك شرف الإصغاء إليه. يسألك، لا ليعرف، بل ليمنح نفسه فرصة الحكم عليك. يصمت، لا لأنه يتأمل، بل لأنه يدعك تسمع صدى سلطته في الفراغ.

والغريب أن هذا النوع من المسؤولين لا يكتفي بامتلاك النفوذ؛ يريد أيضا أن يبدو مثقفا، متفهما، قريبا من الناس، مشغولا بقضاياهم. إنه لا يمارس السلطة وحدها، بل يطلب لها زينة أخلاقية. يريد أن يكون الآمر والمستنير، المتحكم والمتواضع، البعيد والقريب، صاحب القرار وصاحب الحس الإنساني في آن واحد. غير أن الإنسان، حين يفرط في تمثيل التواضع، يفضح تعاليه أكثر مما يخفيه.

هناك، في تلك المكاتب الباردة، يدرك المرء أن الفكرة قد تتحول أحيانا إلى ديكور، وأن الثقافة قد تُستخدم ستارا لا نافذة. فليست كل لغة رفيعة دليلا على روح رفيعة، ولا كل حديث عن الإنسان صادرا عن قلب يراه حقا. كم من خطاب يبدو إنسانيا في ظاهره، لكنه في جوهره لا يعترف بالآخر إلا باعتباره تفصيلا صغيرا في مشهد السلطة.

إن قسوة هذه المقابلات لا تكمن في قرار يُرفض، أو طلب لا يستجاب، أو وعد لا يتحقق. قسوتها الأعمق أنها تضعك أمام مسرح مكتمل: مسؤول يؤدي دور الحكيم، ومكتب يؤدي دور الهيبة، وصمت يؤدي دور العمق، وتواضع يؤدي دور القناع. أما أنت، فمطلوب منك أن تصدق العرض، أو على الأقل ألا تعلن أنك رأيت الخيوط.

ومع ذلك، يبقى للإنسان حدسه الأخير. ذلك الصوت الداخلي الذي يقول له إن الدفء لا يُمثَّل، وإن التواضع الحقيقي لا يحتاج إلى إخراج، وإن الفكر الذي لا يرقّق صاحبه ليس فكرا، بل زينة ذهنية معلقة على جدار السلطة.

لذلك يخرج المرء من هذه المقابلات وهو أكثر معرفة بالعالم، لا أكثر قربا منه. يعرف أن بعض الأمكنة تتسع بالأمتار وتضيق بالروح، وأن بعض الناس يملكون مكاتب فسيحة لكنهم يسكنون في ذوات ضيقة، وأن أخطر أنواع التعالي هو ذلك الذي يرتدي ثوب التواضع، ويبتسم لك بينما يذكرك، بصمت كامل، أن المسافة بينكما محفوظة بعناية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى