الاثنين ٤ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

مراجعة كتاب تحت راية الطوفان: خندق خباب

يأتي كتاب "تحت راية الطوفان: خندق خباب" بوصفه نصا استثنائيا في جنسه ومادته وسياقه؛ فهو ليس كتاب مذكرات خالصة، ولا بحثا شرعيا محضا، ولا يوميات حرب بالمعنى الصحفي المباشر، بل هو مزيج مركب من التأمل الإيماني، والتوثيق الميداني، والخطاب التربوي، والقراءة القرآنية للحدث، والسيرة الذاتية غير المباشرة لكاتبه محمد زكي حمد، كما يقدمه الكتاب في صفحاته الأولى. يظهر من صفحة العنوان أن العمل صدر في طبعته الأولى سنة 1447هـ/2025م، وأنه كُتب بقلم شهيد غزة محمد زكي حمد (12 يوليو 2025)، مع مراجعة وتحقيق د. عبد الرحمن زكي حمد، وتقديم د. نواف تكروري، ومحمد إلهامي، ود. محمد الجوراني.

أول ما يلفت القارئ هو أن الكتاب لا يبدأ من "الموضوع" بل من "الشخص". فالعتبات الأولى - الإهداء، والتعريف بالكاتب، والمقدمات - تصنع إطارا شعوريا قبل الدخول إلى المتن. الإهداء مكتوب بلغة وجدانية عالية، موجه إلى الشهداء، والوالدين، والمجاهدين، والزوجة، والدعاة، وكل عامل لعزّ الدين والأمة. هذه البداية تكشف طبيعة الكتاب: إنه نص صادر عن تجربة يرى صاحبها أن الكلمة امتداد للموقف، وأن الكتابة ليست ترفا، بل شهادة ومعنى ورسالة.

في قسم "التعريف بالشهيد"، يرسم د. عبد الرحمن زكي حمد صورة واسعة لمحمد زكي حمد: حافظ للقرآن منذ الصغر، طالب علم شرعي، دارس لأصول الدين، حاصل على الماجستير في التفسير وعلوم القرآن، خطيب، مربٍّ، ومشارك في مشاريع قرآنية وتعليمية. هذا التعريف ليس مجرد سيرة شخصية، بل يؤدي وظيفة نقدية مهمة؛ فهو يوجه القارئ إلى أن يقرأ الكتاب بوصفه ثمرة حياة علمية وتربوية وجهادية متشابكة، لا مجرد خواطر عابرة كتبتها لحظة انفعال.

من حيث البناء، يتكون الكتاب من عتبات تمهيدية طويلة نسبيا، ثم يدخل في متن واسع متشعب يبدأ من "بين يدي الكتاب" و "مدرسة الثلاثين يوما"، ويمر بعناوين ذات طابع ميداني مثل: "انتشال جثامين الشهداء"، "كسر العدو"، "ميدان المعركة"، ثم ينتقل إلى موضوعات تربوية وفقهية وقرآنية واجتماعية مثل: "القرآن يدير المعركة"، "قيام الليل"، "بركة حفظ العلم في الصدور"، "فقه وتفقه"، "الدعوة رأس مال الداعية"، قبل أن يبلغ فصولا ذات طابع سياسي واجتماعي، ثم يختم بمقاطع عن المعارك، والتوفيق، واليقين، والأمل، والإيمان، فالخاتمة والوصية والرثاء. فهرس المحتويات يكشف عن كتاب واسع النفس، متعدد المحاور، أقرب إلى "دفتر تجربة" منه إلى مصنف ذي باب واحد.

العنوان الفرعي "خندق خباب" شديد الدلالة. فالكاتب يفتتح المتن باستحضار خباب بن الأرت، الصحابي الذي ارتبط اسمه بالصبر على البلاء. ومن خلال هذا الاستحضار، يربط المؤلف بين تجربة المسلمين الأوائل وتجربة غزة الحديثة في الحرب والحصار. هذا الربط ليس تاريخيا فقط، بل تربوي وتفسيري؛ فالكاتب يريد أن يجعل من خباب نموذجا لفهم البلاء، لا مجرد شخصية من الماضي. ومن هنا يتضح أن الكتاب كله مبني على فكرة مركزية: أن الابتلاء ليس حادثا عارضا، بل مدرسة تصوغ الإنسان وتكشف صدقه وصلابته.

أهم ما يميز الكتاب هو أنه يقرأ الحرب قراءة دينية ووجدانية من داخلها. فالكاتب لا يكتفي بوصف القصف، أو الخندق أو الجوع أو الخوف، بل يحول كل مشهد إلى درس: في الصبر، أو الإخلاص، أو الأخلاق، أو الفقه، أو معنى القرآن في لحظة الخطر. لذلك تبدو الحرب في الكتاب ليست خلفية للأحداث، بل مختبرا روحيا وأخلاقيا؛ فيها تظهر هشاشة الإنسان، وفيها تظهر قوته، وفيها تُختبر الجماعة، وتتكشف المعادن، وتتغير الأولويات.

ومن المحاور الكبرى في الكتاب حضور القرآن. فالفصول المتعلقة بالقرآن لا تأتي بوصفها استطرادا، بل بوصفها قلب التجربة. في مواضع مثل "القرآن يدير المعركة" و "تدبر القرآن المكي" و "أصول الأذكار"، يصبح النص القرآني أداة لفهم الواقع، لا مجرد نص يُستشهد به بعد اكتمال الفكرة. الكاتب يربط بين الآية والحدث، وبين السورة والحالة النفسية، وبين الذكر والثبات. ومن أجمل ما في هذا المسار أن الكتاب لا يقدم القرآن بوصفه وعظا عاما فقط، بل بوصفه طاقة تفسيرية وتربوية في زمن الخوف.

كذلك يحضر الفقه حضورا عمليا واضحا. ففي عناوين مثل "مشّاعة فقه الضرورات" و "فقه وتفقه" وموضوعات تتصل بالبيع والسرقة والحاجات والأزمات، ينتقل الكتاب من المعنى الكبير إلى التفاصيل اليومية. هذه ميزة مهمة؛ لأن كثيرا من كتب الحرب أو الوعظ تبقى في مستوى الشعارات، أما هذا الكتاب فيحاول أن يسأل: كيف يتصرف الإنسان في السوق؟ كيف يضبط حاجته؟ كيف يميز الضرورة من التسيّب؟ كيف يحافظ على أخلاقه في ظرف استثنائي؟ ومن ثم فإن الكتاب لا يريد صناعة شعور فقط، بل يريد أيضا ضبط السلوك.

أسلوبيا، لغة الكتاب حارة ومشحونة ومباشرة. الكاتب يخاطب القارئ كثيرا، يستعمل النداء، والسؤال، والتعجب، والتكرار، والتقابل بين الحق والباطل، والثبات والانهيار، والوفاء والخذلان. هذه اللغة تمنح النص طاقة عالية وتأثيرا وجدانيا قويا، لكنها في الوقت نفسه تجعله بعيدا عن البرودة الأكاديمية أو الحياد التحليلي. من يقرأ الكتاب بوصفه دراسة محايدة في الحرب قد يصطدم بنبرته التعبوية، أما من يقرأه بوصفه وثيقة وجدانية من داخل تجربة قاسية فسيدرك أن حرارة اللغة جزء من طبيعة النص.

ومن ناحية النوع، الكتاب متعدد الأشكال: فيه المذكرات، والخاطرة، والتفسير، والدرس التربوي، والمقال السياسي، والفتوى العملية، والرثاء، والوصية، وشبه السيرة الذاتية. هذا التعدد يمنحه ثراء واضحا، لكنه يخلق أيضا شيئا من التشتت. فالقارئ ينتقل أحيانا من مشهد ميداني إلى حكم فقهي، ومنه إلى نقد حضاري، ثم إلى خاطرة تربوية أو تأمل قرآني. هذا الانتقال السريع يناسب طبيعة الدفتر الحي المكتوب تحت الضغط، لكنه قد يربك القارئ الباحث عن بناء منطقي صارم.

من نقاط القوة البارزة في الكتاب صدقه الداخلي. ليس المقصود هنا الحكم على كل تفصيل تاريخي، بل الشعور بأن النص مكتوب من داخل تجربة معيشة لا من خارجها. كثير من المقاطع تحمل أثر المكان واللحظة: الخندق، المستشفى، الماء، السوق، المسجد، رمضان، الدعاء، الخوف، الجوع، الرفاق، والغياب. وهذه التفاصيل تجعل الكتاب وثيقة نفسية واجتماعية، لا مجرد خطاب عام. في هذا الجانب ينجح الكاتب في تحويل التفاصيل الصغيرة إلى علامات كبرى: الماء يصبح نعمة، واللقمة تصبح اختبارا، والجماعة تصبح سندا، والقرآن يصبح مأوى.

ومن نقاط القوة أيضا أن الكتاب لا يحصر التدين في الشعائر الفردية. صحيح أن قيام الليل، والذكر، والقرآن، والدعاء تحضر بقوة، لكن الكاتب يوسّع مفهوم التدين ليشمل خدمة الناس، والعمل الخيري، إصلاح المجتمع، رعاية الأهل، بر الوالدين، التعليم، حفظ الوقت، ومقاومة الانهيار النفسي. لذلك فإن صورة "المتدين" في الكتاب ليست صورة المنعزل، بل صورة الإنسان العامل داخل جماعة وداخل أزمة.

في المقابل، يمكن تسجيل عدة ملاحظات نقدية. أولها أن الكتاب شديد الانحياز لرؤيته العقدية والسياسية، وهذا مفهوم من سياقه، لكنه يعني أن القارئ المختلف فكريا سيجد صعوبة في التعامل معه كنص مفتوح على احتمالات متعددة. ثانيها أن بعض المقاطع ذات النبرة السياسية المباشرة قد تبدو آنية مرتبطة بلحظة الحرب، وقد لا تحتفظ بالقوة نفسها مع مرور الزمن إلا بوصفها وثيقة لوعي تلك اللحظة. ثالثها أن كثرة الموضوعات تجعل الكتاب محتاجا إلى تحرير تصنيفي أقوى: فلو قُسم إلى أبواب كبرى - اليوميات الميدانية، التأملات القرآنية، الفقه العملي، النقد الاجتماعي، الخاتمة والوصايا - لكان تلقيه أسهل.

كما أن الكتاب، بسبب طبيعته الوجدانية، يميل أحيانا إلى الحسم الخطابي أكثر من التحليل المركب. فهو لا يترك مساحة واسعة للأسئلة الرمادية، بل يضع القارئ أمام ثنائية واضحة: ثبات أو خذلان، وفاء أو نكوص، وعي أو تيه. هذه الثنائية فعالة في الخطاب التعبوي والتربوي، لكنها أقل ملاءمة للقارئ الباحث عن تفكيك اجتماعي أو سياسي متعدد الزوايا.

مع ذلك، لا ينبغي الحكم على الكتاب بمعيار لا يدّعيه. فهو ليس كتاب تاريخ عسكري محايد، ولا دراسة سياسية أكاديمية، ولا بحثا فقهيا تقليديا. قيمته الأساسية أنه شهادة مكتوبة من قلب تجربة. ومن هنا تأتي أهميته: إنه يكشف كيف يفكر إنسان محاصر في الدين، والوقت، والموت، والناس، والقرآن، والواجب، والعدو، والأسرة، والمستقبل. هذه الزاوية تمنح الكتاب قيمة تتجاوز الاتفاق أو الاختلاف مع مضمونه.

القارئ المناسب لهذا الكتاب هو القارئ المهتم بأدب الشهادة، والكتابة الدينية في زمن الحرب، وتجربة غزة المعاصرة كما يراها أصحابها من الداخل، وكذلك القارئ المهتم بعلاقة القرآن بالواقع، وبالخطاب التربوي الحركي. أما القارئ الباحث عن سرد روائي هادئ أو دراسة سياسية محايدة فقد لا يجد فيه ما ينتظره.

في الخلاصة، "تحت راية الطوفان: خندق خباب" كتاب كثيف، حار، مؤثر، وغير محايد بطبيعته. قوته في صدقه، وفي امتزاج التجربة بالمعنى، وفي قدرته على تحويل لحظات الحرب إلى أسئلة إيمانية وأخلاقية. وضعفه النسبي في تشتته، وكثافة خطابه، وقلة المسافة النقدية بين الكاتب وموضوعه. لكنه مع ذلك يبقى عملا لافتا، لا يُقرأ فقط لمعرفة ما حدث، بل لفهم كيف عاش الكاتب الحدث، وكيف فسّره، وكيف حاول أن يحوّل الألم إلى وعي، والخندق إلى مدرسة، والذاكرة إلى وصية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى