الخميس ٢٦ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

ماذا وراء الأسوار العالية الكومباوندز في مصر

يأتي كتاب "ماذا وراء الأسوار العالية؟ الكومباوندز في مصر" بوصفه محاولة جادة لقراءة واحدة من الظواهر الأكثر حضورا في المشهد العمراني والاجتماعي المصري المعاصر، وهي ظاهرة المجمعات السكنية المغلقة أو ما يعرف بالكومباوندز. ولا تنبع أهمية الكتاب من تناوله لهذا النمط السكني في حد ذاته، بل من الطريقة التي يحول بها هذا النمط من مجرد صورة عمرانية مألوفة إلى سؤال اجتماعي وثقافي عميق. فالكاتبة لا تنشغل فقط بما تبدو عليه هذه المجمعات من الخارج، ولا بما توفره من خدمات أو امتيازات، وإنما تتجه إلى ما هو أبعد من ذلك: إلى دلالتها، وإلى ما تعكسه من تحولات في القيم والعلاقات والطبقات الاجتماعية وأنماط الحياة.

منذ فاتحة الكتاب الأولى؛ العنوان، يفرض الكتاب على القارئ حالة من التأمل والفضول؛ فالسؤال: " ماذا وراء الأسوار العالية؟" لا يكتفي بالإشارة إلى الجدران بوصفها بناء ماديا، بل يحمّلها معنى رمزيا كثيفا. فهذه الأسوار لا تحيط بالمنازل فقط، بل تحيط أيضا بأنماط معينة من العيش، وبأشكال مخصوصة من العلاقات الاجتماعية، وبمفاهيم جديدة عن الأمان والخصوصية والتميّز. إن العنوان يفتح الباب منذ البداية أمام قراءة ترى أن هذه المجتمعات المسيّجة ليست مجرد امتداد طبيعي للتوسع العمراني، بل هي تعبير عن تحولات أعمق أصابت بنية المجتمع نفسه، وأعادت تعريف العلاقة بين الأفراد والمدينة، وبين الإنسان ومجاله الاجتماعي.

يقوم الكتاب على فكرة رئيسية واضحة، وهي أن الكومباوندات لا تمثل مجرد مساكن حديثة داخل أحياء منظمة، بل تعكس عملية إعادة تشكيل للفضاء الاجتماعي المصري. فالسكن هنا لا يعود شأنا فرديا بسيطا يتعلق بالمأوى والراحة فقط، بل يصبح جزءا من شبكة أوسع من المعاني المرتبطة بالطبقة والانتماء والذوق والمكانة الاجتماعية. ومن ثم، فإن اختيار السكن داخل مجتمع مغلق لا يقرأ بوصفه قرارا عمرانيا أو اقتصاديا فحسب، بل بوصفه أيضا موقفا اجتماعيا يكشف عن طريقة معينة في فهم العالم وفي ترتيب العلاقة معه. وهكذا يتحول المكان من وعاء محايد للحياة إلى عنصر مؤثر في تشكيلها وتوجيهها.

ومن أكثر ما يمنح هذا الموضوع ثراءه أن الكتاب لا يتعامل مع الكومباوندات على أنها مجرد استجابة لحاجات معيشية معاصرة، بل يربط بينها وبين تحولات أوسع طالت المجتمع خلال العقود الأخيرة. فانتشار هذه المجتمعات يرتبط بتبدل صورة المدينة، وبتغير موقع الطبقات الاجتماعية داخلها، وبتراجع بعض أشكال الاختلاط الاجتماعي التي كانت تميز المجال الحضري المفتوح. وبذلك تصبح الكومباوندات جزءا من خريطة جديدة للمدينة المصرية، خريطة لا تقوم فقط على التقسيم الجغرافي، بل على الفصل الاجتماعي أيضا؛ فصل بين الداخل والخارج، وبين من يملكون حق العبور إلى هذا العالم المسيج ومن يقفون خارجه.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم قوة المكان بوصفه واحدا من أكثر مفاتيح القراءة أهمية. فالمكان، كما يقدمه النص، ليس مجرد خلفية تتحرك فيها الحياة، بل هو كيان فاعل يصوغ الإحساس ويؤثر في الوعي ويعيد تشكيل العلاقات. فعندما يعيش الإنسان داخل مجمع سكني مغلق، محاطا بالحراسة والبوابات والخدمات الخاصة والمساحات المنفصلة، فإن تجربته اليومية تتغير بالضرورة. إنه لا يسكن فقط في مكان مختلف، بل يعيش داخل منطق مختلف للحياة؛ منطق يقوم على الانضباط، والتنظيم، والهدوء، والخصوصية، لكنه في الوقت نفسه يعمق الشعور بالتمايز ويصنع مسافة نفسية واجتماعية عن العالم الخارجي. ومن هنا، لا تظل الأسوار مجرد وسائل للحماية، بل تصبح أدوات لإنتاج الإحساس بالاختلاف، ولتثبيت حدود رمزية بين فئات اجتماعية متعددة.

ولا يقف أثر هذه المجتمعات عند حدود الإحساس بالأمان أو الراحة، بل يمتد إلى تشكيل الهوية ذاتها. فالسكن في الكومباوند لا يعبر فقط عن مكان الإقامة، وإنما يتحول إلى جزء من تعريف الإنسان لنفسه، وإلى عنصر من عناصر صورته الاجتماعية. فالعنوان السكني هنا لا يحمل دلالة مكانية فحسب، بل يحمل أيضا دلالة رمزية وثقافية؛ فهو يشير إلى نمط معين من الذوق، وإلى تصور محدد للحياة الجيدة، وإلى موقع اجتماعي يرغب الفرد في تثبيته أو إبرازه. وهكذا يصبح السكن خطابا صامتا عن الذات، ويغدو المكان وسيلة من وسائل التعبير عن الانتماء والاختيار والمكانة.

ومن هذه الزاوية، يلفت الكتاب الانتباه إلى أن الكومباوندات لا تعيد توزيع الناس في الفضاء فقط، بل تعيد أيضا ترتيب العلاقات بينهم. فهي تقلل من فرص الاحتكاك اليومي بين الفئات المختلفة، وتضعف المساحات المشتركة التي كانت تتيح أشكالا من التفاعل الاجتماعي داخل المدينة الواحدة. وبهذا لا يتعلق الأمر بمجرد تطوير في شكل العمران، بل بتحول في طبيعة الحياة الحضرية ذاتها. فالمدينة، في صورتها التقليدية، كانت تقوم على قدر من التعدد والاختلاط والتجاور، أما حين تتكاثر المساحات المغلقة والمراقبة والمنفصلة، فإن المجال العام يفقد شيئا من حيويته، وتصبح العلاقات الاجتماعية أكثر انتقائية، وأكثر خضوعا لمنطق الفرز والاستبعاد.

ومن أبرز ما يمنح الكتاب قيمته الفكرية أنه لا ينظر إلى هذه الظاهرة بعين الإعجاب السطحي، ولا يكتفي بوصف مزاياها العملية، بل يقترب منها بمنظور نقدي يثير أسئلة مقلقة وضرورية في آن واحد. فهو لا يسأل فقط: لماذا يختار الناس هذا النوع من السكن؟ بل يسأل أيضا: ماذا يفعل هذا السكن بالمجتمع؟ ما الذي يحدث حين تتحول الراحة إلى انفصال، والخصوصية إلى عزلة، والأمان إلى تباعد اجتماعي؟ وكيف يمكن لأسلوب سكني واحد أن يغير نظرة الناس إلى بعضهم بعضا، وإلى المدينة، وإلى المجال العام، بل وإلى معنى العيش المشترك نفسه؟

وهنا تتجلى إحدى أهم أفكار الكتاب، وهي أن الأسوار قد تنتج مع الوقت شكلا من أشكال الانقسام الرمزي داخل المجتمع. فهي لا تفصل فقط بين أماكن السكن، بل تفصل بين تجارب الحياة أيضا. داخل الأسوار تتشكل عادات يومية، وأنماط استهلاك، وصور للرفاهية، ومفاهيم للراحة تختلف عن تلك التي تسود خارجها. ومع الزمن، قد يتحول هذا الاختلاف إلى مسافة في الوعي، لا في المكان فقط؛ مسافة تجعل كل طرف يرى الآخر من موقع مختلف، ويفهم المدينة من زاوية مختلفة، ويقيّم معنى الحياة الجيدة بطريقة مغايرة. ومن ثم، فإن الجدار لا يصبح مجرد حد مادي، بل يتحول إلى علامة على حدود اجتماعية وثقافية ونفسية أكثر عمقا.

كما يفتح الكتاب بابا مهما للتفكير في علاقة الكومباوندات بالثقافة اليومية. فهذه المجتمعات المغلقة لا تنتج نمطا عمرانا فقط، بل تنتج أيضا أسلوبا معينا في الحياة: في الاستهلاك، وفي استخدام الوقت، وفي التعامل اللغوي، ونوع اللغة المستخدمة، وفي فهم الخصوصية، وفي طريقة بناء العلاقات الاجتماعية. وهذا يعني أن السكن هنا لا يؤثر فقط في الجغرافيا، بل في الثقافة أيضا. فالحياة داخل هذه المجتمعات قد تعيد تشكيل توقعات الناس من المكان، ومن الجوار، ومن الخدمات، ومن شكل الحياة المرغوب فيه. وبذلك تصبح الكومباوندات جزءا من تحولات أوسع تمس القيم والتصورات والخيال الاجتماعي، لا مجرد وحدات سكنية ذات تصميم مختلف.

واللافت في هذه القراءة أنها تجعل من الكومباوندات مرآة لتحولات المجتمع المصري نفسه. فالأسوار العالية لا تكشف فقط عن رغبة في الأمان، بل قد تكشف أيضا عن قلق من الخارج، وعن اهتزاز الثقة في المجال العام، وعن ميل متزايد إلى البحث عن عالم خاص ومنفصل. كما أن ازدهار هذا النمط السكني يكشف عن تصاعد أهمية التميز الاجتماعي، وعن حضور متزايد لفكرة الفرز الطبقي داخل المجال الحضري. ومن هنا تكتسب الظاهرة معناها الأوسع: فهي ليست مجرد استجابة لحاجات معيشية، بل تعبير عن رؤية جديدة للمدينة، وعن ترتيب جديد للعلاقات بين الناس، وعن شكل مختلف من أشكال التعايش الاجتماعي.

إن ما يميز هذا الكتاب حقا هو أنه لا يكتفي بتقديم الكومباوندات كموضوع للدراسة، بل يجعل منها مدخلا لقراءة المجتمع المعاصر كله. فمن خلال تتبع هذا النمط السكني، يطرح أسئلة تتعلق بالمدينة، والطبقة، والانتماء، والهوية، والفضاء العام، والثقافة اليومية. وبذلك يتجاوز حدود الوصف إلى مستوى التحليل، ويتجاوز حدود العمران إلى مستوى الاجتماع والثقافة.

فالكتاب لا يتحدث عن البيوت بقدر ما يتحدث عن البشر، ولا عن الجدران بقدر ما يتحدث عن المعاني التي تصنعها هذه الجدران في الحياة اليومية وفي المخيال الاجتماعي.

وفي النهاية، يمكن القول إن "ماذا وراء الأسوار العالية؟" ليس مجرد عرض لظاهرة سكنية جديدة، بل هو قراءة عميقة في معنى التحولات التي يعيشها المجتمع المصري اليوم. إنه كتاب عن المدينة، لكنه أيضا كتاب عن الإنسان داخل المدينة؛ عن خوفه وطموحه ورغبته في الأمان والتميز والانفصال. وهو كتاب عن السكن، لكنه في الوقت نفسه كتاب عن الطبقة والهوية والرمز والثقافة. لذلك فإن قيمته لا تكمن فقط في موضوعه، بل في زاوية النظر التي يتبناها، وفي قدرته على تحويل مشهد يومي مألوف إلى سؤال فكري كبير: ماذا تقول لنا الأسوار عن المجتمع الذي يبنيها، وعن الناس الذين يختارون العيش خلفها، وعن العالم الذي يتشكل بين الداخل والخارج؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى