الخطاب الثقافي والنظام الرمزي في معرض القاهرة للكتاب
قراءة سوسيولوجية وخطابية لبنية برنامج الأنشطة المعلن للعام 2026
يمثل معرض القاهرة الدولي للكتاب أحد أبرز الأحداث الثقافية وأكثرها تأثيرا في المنطقة العربية. فإلى جانب كونه سوقا للكتب والنشر، يُعد المعرض فضاء رمزيا تصاغ فيه المعاني الثقافية السائدة وتضفى عليها الشرعية وتتداول. ومن منظور سوسيولوجي، يشكل البرنامج الرسمي للمعرض موضوعا قيما للتحليل، إذ يتيح فهما أعمق للأولويات الموضوعية، والحدود الخطابية، والتسلسلات الهرمية الرمزية التي تشكل المشهد الثقافي المعاصر.
تتناول هذه المقالة برنامج الأنشطة للعام 2026 لا كمجموعة من الفعاليات الفردية، بل كنص ثقافي مُبنين. ومن خلال قراءة إحصائية وصفية مقترنة بتحليل الخطاب، نبحث في كيفية توزيع المواضيع، وكيفية توظيف اللغة، وكيفية إبراز بعض أشكال المعرفة بينما تبقى أخرى هامشية. والهدف ليس تقييميا أو معياريا، بل تحليليا يتمثل في فهم كيفية إنتاج النظام الثقافي من خلال خيارات البرمجة والتأطير اللغوي.
عند قراءة البرنامج ككل، يتضح وجود تنظيم داخلي متين وتناسق موضوعي واضح. فمن بين ما يقارب 300 إلى 330 نشاطا مدرجا، تشكل الفعاليات الثقافية والفكرية الموجهة للبالغين ما يقدر بنحو 55-60% من إجمالي البرنامج. أما الأنشطة الموجهة للأطفال بما في ذلك ورش العمل وجلسات سرد القصص والعروض الأدائية فتشكل ما يقارب 30-35%، بينما تقتصر العروض الفنية، كالعروض الموسيقية أو الفلكلورية، على ما يقارب 10-12%.
يشير هذا التوزيع إلى أن المعرض يعطي الأولوية للتكوين الثقافي والاستمرارية الرمزية على التجريب أو المواجهة. ويعكس العدد الكبير للأنشطة الثقافية الرسمية مفهوما للثقافة كمجال للتعليم والتراث والارتقاء، لا كموقع للصراع أو النقد البنيوي. وبذلك، يعكس البرنامج خصائص حقل ثقافي مستقر نسبيا، تحكمه مؤسسات معترف بها وجهات فاعلة راسخة.
يكشف التدقيق في البرنامج عن أنماط واضحة للتكرار الموضوعي. إذ يخصص ما يقارب 20-25% من الأنشطة الثقافية للاحتفاء بشخصيات ثقافية بارزة، أو رموز أدبية، أو مفكرين مرموقين. وتظهر شخصيات معينة، أبرزها نجيب محفوظ، بشكل مباشر أو غير مباشر في أكثر من خمسة عشر فعالية، ما يمثل نحو 6-7% من البرنامج برمته.
يبرز هذا التركيز المركزية الرمزية لرأس المال الثقافي الراسخ. فبدلا من تشتيت الانتباه بين الأصوات الناشئة أو النقاشات العالقة، يعود البرنامج مرارا وتكرارا إلى شخصيات رسخت مكانتها. ومن الناحية السوسيولوجية، يعكس هذا عملية تعزيز رمزي، حيث يعيد الحقل الثقافي إنتاج مرجعياته الخاصة ويرسخ تسلسله الهرمي من خلال الاعتراف المتكرر. من منظور موضوعي، يحتل الأدب مكانة مهيمنة. تشكل الأنشطة الأدبية، بما فيها الروايات والشعر والنقد والمذكرات، ما يقارب 45-50% من مجمل الفعاليات الثقافية. في المقابل، تشكل الفلسفة والنقاشات الفكرية العامة حوالي 10-12%، بينما نادرا ما تتجاوز نسبة علم الاجتماع والاقتصاد والتحليل السياسي مجتمعة 8-10%. ولا يعني هذا التفاوت غياب الاهتمامات الاجتماعية، بل يعني تناولها من خلال الأطر الثقافية والأدبية. غالبا ما تعالج القضايا الاجتماعية عبر السرد والرمزية والتأمل الأخلاقي أكثر من معالجتها عبر التحليل البنيوي أو التجريبي. والنتيجة هي خطاب ثقافي يعطي الأولوية للمعنى والهوية والذاكرة على حساب التفسيرات المنهجية المتعمقة.
يتيح التركيب اللغوي لعناوين الفعاليات فهما أعمق لطبيعة الخطاب المستخدم. يعتمد جزء كبير من العناوين على مصطلحات مجردة للغاية، حيث تتكرر كلمات مثل "قضايا" و"أسئلة" و"تحولات" و"رؤى" و"آفاق" بكثرة. توحي هذه المصطلحات بالانفتاح والسعة الفكرية، إلا أنها تسهم أيضا في تجريد النقاش من طابعه الشخصي من خلال تجنب الإشارة المباشرة إلى جهات فاعلة محددة أو آليات اجتماعية معينة. إحصائيا، تشكل العناوين التي تستخدم لغة مجردة أو عامة ما يقارب 25-30% من جميع الفعاليات الثقافية. في المقابل، تبقى العناوين التي تشير إلى نقد مباشر أو صراع أو استجواب بنيوي نادرة للغاية، إذ لا تتجاوز نسبتها 5% من البرنامج.
يُعد اختيار الأفعال في عناوين الفعاليات أمرا بالغ الأهمية. فالأفعال الأكثر شيوعا مثل "قراءة" و"استكشاف" و"اقتراب" و"تأمل" و"عرض" تتسم بطابع سلبي معرفيا أو تأمليا. فهي تركز على الفهم بدلا من الفعل، وعلى التفسير بدلا من التدخل. تكاد الأفعال التي تدل على المواجهة أو الكشف أو المساءلة مثل التفكيك أو التحدي أو التساؤل أن تكون غائبة تماما. يسهم هذا النمط اللغوي في خلق مناخ حواري يميل إلى التأمل والتوافق بدلا من الخلاف أو القطيعة.
على الرغم من أن الإشارات الصريحة إلى الدولة محدودة نسبيا، إلا أنها تبقى حاضرة ضمنيا كإطار رمزي. تظهر مفاهيم مثل الهوية الوطنية والذاكرة الثقافية والتراث الجماعي في ما يقارب 18-22% من عناوين الفعاليات أو أوصافها. من خلال هذه المصطلحات، يعاد صياغة الدولة لا كفاعل سياسي، بل كأفق ثقافي وخلفية مفترضة وغير إشكالية للنشاط الفكري. يتيح هذا التموضع الخطابي تقديم الثقافة كقوة موحدة، تعزز التماسك بدلا من إبراز التباين. من وجهة نظر سوسيولوجية، يعكس هذا نمطا من التكامل الرمزي بدلا من الفرض الأيديولوجي.
لا تقل أهمية عن ذلك المواضيع التي تبقى هامشية أو غائبة إحصائيا. فمواضيع مثل عدم المساواة الاجتماعية، والتفاوت الطبقي، وعلاقات العمل، والاقتصاد السياسي، لا تشكل مجتمعة سوى أقل من 3% من محتوى البرنامج. أما الإشارات إلى السلطة، أو الهيمنة، أو الصراع البنيوي، فتظهر في أقل من 2% من العناوين.لا ينبغي تفسير هذا الغياب على أنه استبعاد متعمد، بل كمؤشرات على المنطق الداخلي للحقل الثقافي. فبعض الأسئلة تقع خارج أنماط التعبير الثقافي السائدة، ليس لأنها ممنوعة، بل لأنها لا تتوافق مع قواعد الشرعية السائدة.
تشير هذه الأنماط مجتمعة إلى أن معرض القاهرة الدولي للكتاب يؤدي وظيفة ثقافية استقرارية. فمن خلال خياراته الموضوعية، واستراتيجياته اللغوية، وأولوياته الرمزية، يرسخ المعرض الثقافة كمجال للاستمرارية، والاعتراف، والطمأنينة الجماعية. يوجد تعدد فكري، لكن ضمن نطاق خطابي ضيق نسبيا يعطي الأولوية للوئام على حساب التنازع. في فترات تتسم بعدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، تسهم هذه الوظيفة الثقافية في إعادة تأكيد المعاني المشتركة وتوفير تماسك رمزي. وهكذا، لا يقتصر دور المعرض على كونه حدثا ثقافيا فحسب، بل يتعداه إلى كونه آلية مؤسسية لإعادة إنتاج النظام الرمزي.
تبين هذه القراءة السوسيولوجية والخطابية لبرنامج معرض القاهرة الدولي للكتاب أن المعنى الثقافي لا ينتج فقط من خلال ما يقال، بل من خلال كيفية بنينته وتكراره وتأطيره. إن هيمنة الاحتفاء الأدبي، وتجريد اللغة، وغياب النقد البنيوي، والتركيز على الاستمرارية، كلها تشير مجتمعة إلى حقل ثقافي موجه نحو الاستقرار بدلا من الاضطراب. لا يعد هذا التوجه سلبيا أو استثنائيا في جوهره؛ بل يعكس المنطق الداخلي للإنتاج الثقافي المؤسسي. ومن خلال قراءة البرنامج كنص مبنين، يسهم هذا التحليل في فهم أوسع لكيفية عمل الثقافة كمساحة للتنظيم الرمزي في المجتمعات المعاصرة.
