الجمعة ٢٤ نيسان (أبريل) ٢٠٠٩

الثعلب الحنون

بقلم: فتحي العابد

تحلق الأحفاد حول جدهم.. وتدافعوا أيهم يلتصق بركبتيه.. وهم يتضاحكون.. الذي ابتسم لهم وهو يطلب منهم الهدوء..

حسنًا ياأكبادي.. سأحكي لكم قصة الثعلب الحنون
وهذه القصة وقعت لنا منذ خمسين سنة، أيام كنا مجموعة واحدة، وقبل أن تتغير الدنيا كما هو عليه الحال اليوم.

في تلك الفترة..

وأمام مسجد الدوار الطيني الصغير..

اجتمع الرجال بعد أن أدوا صلاة الفجر، وقد برز من بينهم والدي شيخ الدوار وقاضيه، وأمامه انطلق أحد الرجال يقول:

ـ أنت مسؤولنا ياشيخ.. ولابد أن تجد حلا لهذه المشكلة! هذه هي المرة العشرين في هذا الشهر التي تقتل فيها عدد من الديكة الرومية أو الدجاج! وهذه المرة عندي، لقد بتنا ياشيخ تقتل مجموعة من الديكة مرة كل ليلة تقريبا، وأنت تعرف مايمثله الدجاج بالنسبة لنا، دون أن نعرف ماذا نفعل!!
نظر شيخ القرية إلى الرجال من حوله، وهو يواصل تخليل لحيته، قبل أن يسأل أحدهم:"ألم تر له أثرا في زريبتك ومرقد دجاجك يامختار؟ وهل هو الثعلب فعلا صاحب الفعلة؟"

رد مختار:"لايا شيخ.. لا يوجد له أي أثر! وأنا أعتقد أنها أفعال الثعالب، ولا أعرف حتى وجهته.. كل ما حدث أنني سمعت الدجاج يوكوك ويتخبط بأجنحته في منتصف الليل تقريبا.."

أطرق الشيخ مفكرًا، قبل أن يرفع رأسه ليقول بلهجةٍ حازمة:"يجب أن نضع حراسةً في الدوار كل ليلة، حتى نستطيع أن نقبض على الثعلب.."
ارتفعت الأصوات من حول الشيخ، فالكل يرغب في القبض على الثعلب لكن لايعرفون كيف وأين..؟

تقدم مختار ومعه رجل آخر وقال:"هذا يا شيخ رجل من دوار المَعَاطة، وقد وقعت لهم قصة مشابهة، وهو يقول أنه قصاص أثر، ويريد أن يساعدنا في القبض على الثعلب.."

فقال ذلك الرجل وقال:"أنا إسمي ماجد وهوايتي الصيد وكثير من الناس تعرفني بدقتي في اقتفاء الأثر، وأنا قادر بحول الله على القبض على الثعلب أو قتله مقابل أجرة."

قبل الدوار منح ذاك الرجل أجرة مقابل قبضه على الثعلب.. وبدأ من توه في العمل.

جلس ماجد مع منتصف الليل فوق ربوة تطل على الدوار، مستندا إلى جذع الزيتونة وبين جذورها الناتئة، وعيناه على الدوار محدثا نفسه بصوتٍ منخفض: يبدو أن الثعلب لن يأتي هذه الليلة !ثم أغمض عينيه وهو يعيد تثبيت ظهره على الجذع طلبا لمزيد من الإسترخاء.. ودخل في نوم عميق..!

فتح ماجد عينيه على أصوات الديكة وهو يتحسس كتفيه متألما من وضعية نومه محولقا لأنه لم يقم لصلاة الصبح، حتى قاطعه صوت رجلٍ أقبل داهشا من الجهة المقابلة للدوار وهو يقول:"ياماجد هل أتيت لكي يبقى الثعلب طليقا؟! ها قد سرقت دجاجة وقتلت ثلاثة أخريات من دجاجاتي!!"
انتفض ماجد واعتذر للرجل وقال:"اللي يسرق يغلب اللي حاحي، سأتدارك أمري بحول الله كنت متعب هذه الليلة".

وبعد يومين: تسلق ماجد تلك الزيتونة المطلة على الدوار، وأحكم الجلوس وسطها مختبئا بين الأغصان، متحسسًا بندقيته على ظهره، وهو يرقب بحذر وصمت، كل حركة في ساحة الدوار..

وقبيل الفجر.. حينما بدأ النوم يحكم سيطرته على جفنيه وعقله.. سمع ذلك الصوت.. صوت الدجاج المفزوع!

نزل ماجد من الزيتونة مسرعا، وانطلق بخفة متجها نحو تلك الجهة التي سمع الجلبة منها، ويتوقف ليختبئ خلف شجرة قريبة من الزريبة، خاصةً وقد تزايدت أصوات الحركة ووكوكة الدجاج.. وفعلا، خرج الثعلب وقد قبض بأسنانه على أكبر ديك رومي..

حاول ماجد قتله على عين المكان لكن خشي أن يفجع الناس النائمين، فقرر أن يتبعه ليرى إلى أين يأخذ تلك الكمية الهائلة من اللحم..!

تحرك الثعلب بخفة، وقد قبض بفكيه على الديك، ليبدأ في القفز من صخرة إلى أرض صلبة لا تظهر فيها آثار مخالبه.. وحتى وإن لم يجد أرضا صلبة أخفى آثاره بأن يمسحها بأطراف ذيله، ليتوقف ماجد مذهولا، فلم ير أبدا ثعلبا يفعل مافعله ذاك الثعلب وبتلك الطريقة، ولم يتخيل أن يمتلك الثعلب مثل هذا الذكاء رغم أن القصص الشعبي تضعه من أذكى آكلات اللحوم. ومازاد استغرابه كيف ينتقي المواضع التي يطأ عليها، بشكل يعجز أي قصاص أثر من العثور عليه!

أسرع ماجد الجري، وهو يتحسس بندقيته، وقد اتخذ قراره بأن يقتل الثعلب، وأسرع الدوران حول الجبل.. ليتفاجأ بدخوله في تلك المغارة!
ثبت ماجد بحذر وهدوء بجوار مدخل المغارة رافعا بندقيته، قبل أن يسمع زئيراً ضعيفا لحيوان آخر، ليحرك رأسه محاولا أن يلقي بنظرة إلى الداخل.. وهناك.. رأى الثعلب وقد انهال على الديك الملقى أمامه بمخالبه، وهو يمزق لحمه إلى قطع صغيرة، ثم يقبض بمخلبه على إحدى تلك القطع، قبل أن يمدها إلى طرف خفي لم يره من موقعه ذاك أمام مدخل المغارة..
تحرك ماجد محاولا أن يرى إلى من يمد الثعلب قطعة اللحم تلك.. وما أن رآه.. حتى اتسعت عيناه! وهو يرى تلك اللّبوة العمياء، التي تحرك يدها في الفراغ، قبل أن تقبض على مخالب الثعلب، لتنقل منه قطع اللحم إلى ما بين أنيابها..

فكر ماجد فيما يرى، وهو يرقب نفس الحركة تتكرر عدة مراتٍ أمام عينيه، قبل أن يقول:"سبحان الله! الثعلب والأسد أصبحا أليفين.. من أجل هذا كانت الثعلب تختار الديكة الرومية دون سواها من الدجاج! يا إلهي! عجبا لهذا الثعلب! كيف يقوم بخدمة تلك اللبوة وتقديم الطعام لها بهذا الحرص!!"
بدأ صوته يكتسي بتنهدات وهو يردف:"يا إلهي!! كيف بات هذا الثعلب أبر من الإنسان بأخيه الإنسان!!"

وقد زاده ألما أنه لا بد من أن يقتله حتى يأخذ أجره لإطعام عياله..
بدأ الوقت يمر سريعا وماجد يفكر أيقتل الثعلب أم يدعه؟ حتى وصل إلى قرار فقال:"والله أني صاحب عيال وأبنائي ينتظرونني حتى أعود لهم بأجر قتلك، لكني لن أقتلك والله هو الرزّاق.. إكراما لك أيها الثعلب الحنون!"
تأثر الأطفال بالقصة وخاطبوا جدهم:"يا جدي.. إنه صاحب عيال، كيف فعل مع أبنائه، وماذا فعلتم أنتم معه، ومع الثعلب الحنون من بعد..؟ هيا أتمم لنا القصة!"

نظر الجد إلى وجوه أطفاله الحزينة، وقد انعقدت حواجبهم، وامتدت شفاههم.. ليقول وهو يتصنع الإبتسامة بعدما سمع صوت الآذان يناديه للصلاة: للقصة بقية نتممها في المرة القادمة إن شاء الله، لكن أترككم في حفظ الله مع هذا السؤال لتشغلوا به أفكاركم: من منكم يرى أنه كمثل هذا الثعلب في حنه على الآخر؟ ويساعد غيره..؟

صاح الأحفاد وتشبثوا بتلابيب جدهم، وهم يكادون يجهشون بالبكاء، يريدون منه أن ينهي لهم القصة حالا وحسب ميولهم العاطفي، لكنه اعتذر ولايمكنه فعل شيء خاصة بعدما سمع النداء..

بقلم: فتحي العابد

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى