الأربعاء ٢٨ حزيران (يونيو) ٢٠٠٦
بقلم محمد دلة

الظهيرة تتكور في مرايا الجحيم

ولأنك من هذي المدينة، من حاراتها التي تتقي البرد بالحلم والحنطة،عليك أن تصعد كل معا رجها حتى انتحار النهار، أجاصة من صبر مشنوقة فوق حواف الظلام، كم هو قميء راسك الذي يوسوس لك أنك مختلف عن ناسك الذين يغسلون الفجر بالتعب ويجلدون ظهر الوقت بالصبر والانتظار،حوامض المدينة وضرعها الذي ما جف رغم المسغبة يصفع قامتك التي تتطاول لتبلغ البذخ،وأصابع المدينة ما زالت تنزف زيتا ودمعا،وأنت فقط تختلس الأغاني ومخدات الأحلام من بواكير النعاس.

الم اقل لك أن تطيع وتعصي طرقا تتوجس في عزفها المنفرد،العصيان خمرة من حبق والخارجون من أنفاقهم يعتمرون كوفيات وملح الفجر،ستأوي إلى دور السرفيس ذليلا صاغرا كجرادة مهملة تحاور الرمل ، أن حجمك الصغير يحرمك من كل منافسة،فعليك فقط أن تطيع وان تترك الجميع ينفذون بسلطان بلطجتهم وابدأنهم المكتنزة العالية،أزح ابتسامة وجهك عن درب العابرين،أتضاءلت أحجامهم ليساووك إلا قليلا؟لكن الطرقات تعرفهم ،تطرب لوقع أقدامهم ،والشمس تتسلق سمرتهم بخرزات العرق رقيقة رفيقة ،إما أنت فتسلقك بأنياب حداد،حاذر إن رفيقك الصاعد قبلك والنازل بعدك تتكور يديه بتشبث احدب حول كاس من القهوة ،وما أدراك ما القهوة،كم مسلسل مكسيكي طويل اندلق قبل انسكابها ريانة في فم الكأس،كم صبية تاهت في الأحراش وطرزت سمرتها في ذاكرة البن لتصفع انفك بواخز النشوة اللذيذة،كم شجرة فقدت أبناءها لتكتمل النار في فاتحة القهوة،وأي عقاب سيهشم روحك الصدئة لو انزلقت يدك ولامست كفه فتبعثر الدم الأسود مفترسا فرش السيارة،وناشبا أظافره في ملابسك وملابس الكهل المنتصب كجدار الصبر،وماذا لو انسكب السائل اللزج الساخن فوق مكامن رجولته؟كيف تغفر لنفسك هذه الخطيئة؟لا تفكر بعقاب نفسك، فهو لا شك سيريحك من هذا الترف،ستتولى زنوده السمراء محق عظامك بطواحينها ولكماتها،والسائق هذا الكائن المجبول من عضلات وعبوس سيساهم بتدليك ما تبقى من جسدك بالكسر،اضمم رجليك حتى يلتحما وادخل يديك عميقا في صدرك لتصل من غير سوء.

الكأس ما زالت تتلوى بين يديه وكأنها آلت على نفسها آن تنفلت ،أن تنتفض،لا تخبره!سأخبره!سأسر في أذنيه،سأسر إليه بإشارة من راسي!الصمت خير!لا لا لا ...........

الشاب يتشبث بكأسه كأنها حبيبته الوحيدة،كأنها من تبقى من عائلته التي لاكتها المجزرة،كأنها أخر كاس من نزيف الكرم سيغمره بالمجد والنسيان،لكنها ملعونة تلك الكأس تصوب نحوي جمرتها وتتدلى لزوجتها ويمتد لهيبها قاب قوسين أو أدنى من جثتي المنكمشة كتينة مجففة؟أيتها الكأس أنا لم اكسر كأسا في حياتي ولم امسك فنجانا أبدا من أذنيه،كنت اقبل الكؤؤس وأترعها حتى انكساري وانشطاري ،وكنت برفق الم الكؤوس وأعيدها إلى مخادعها واحكي لها قصة الأميرة حتى تنام،فامنحيني حالة من الهدوء استراحة قصيرة،أريح أرجلي من لهاث المسافات واوي إلى منتهاي،وكيف تصدقك الكؤوس اتظنها الجماهير الفقيرة،التي خدعتها بقلبك وحزبك وخطبتك الحقيرة
ها هي الكأس تعد طوفانها الأسود،وما هي إلا دقائق حتى تطفو جثتك النيئة فوق نجيع القهوة الأسود وقد اكتست بزيوت زيفها وأشلاء أحلامها المعتمة

آه نعم وصلنا ،على المثلث يا أمير ،وتتثاءب السيارة على رسلها حتى وقفت أخيرا. وينزل من السيارة متثاقلا كذوبان الثلج المتفحم فرحا، كالخارج للتو من غيابة الجب ويقطع الشارع إلى الزقاق الأعزل نحو بيته ويحاول أن يبلع ريقه الصدئ ليواصل دربه دون انحناء وليستجمع قواه باتجاه هزيمة أخرى ،ينظر وجلا للوراء كفأر أدمته خيالات القطط الشاهرة حقدها وأنيابها فيرى حشودا من الكؤوس تنفث بخارها الرمادي وتتبعه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى