الاثنين ٢٣ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٦
بقلم رابعة حمو

العشـــــــــــاق : رواية البشــــــارة والثــــــــورة

تطل علينا رواية "العشــاق" للأديب الفلسطيني رشاد أبو شاور في طبعتها السادسة (2004)، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت، في زيها الفلكلوري الفلسطيني. ويحمل هؤلاء العشاق وردة حمراء تعتلي سطح الرواية كعربون محبة وإخلاص لمعشوقتهم. صورة مفتاح تشكل خلفية بصرية للعنوان لتُرسخ من فكرة الحب والتفاني الذي ينصهر في معمار الرواية مكوناً ملمحها العام وعنوانها الرئيسي. لكن أي عشـاق هؤلاء؟ وأي معشـوقة تلك؟ سرعان ما نكتشف من أولى اسطر الرواية أنهم عشاق الأرض الفلسطينية الذين تماهوا وتشبثوا بهذه الحبيبة الغالية. وتكبدوا لهيب هذا العشق في أقدم مدن التاريخ "أريحـا".

تنفرش الرواية على ثلاثة أقسام منفصلة شكليا ومتداخلة فنياً لتشكل في مجموعها 281 صفحة، هي مجموع صفحاتها من الحجم المتوسط الكبير. ويحتل عنوان "مدينـة القمـر"، اسم القسم الأول منها الذي يتفرع عنه سبعة عشر جزءا مرقما من 1 إلى 17. يبدأ في الصفحة 33، وينتهي عند الصفحة 142، مكونا بذلك أكبر أقسامها. ويتقدم هذا القسم سبع عشرة صفحة تعد بمثابة مقدمة وتمهيد لديناميكية السرد في للرواية.

" في الألـف الأول بنـيت أريحـا". عبارة استهلالية تفتح بها الرواية أبوابها على أقدم مدينة في التاريخ. ويأخذنا أبو شاور من يدنا لنجول معه وكأنه دليل سياحي ليطلعنا على هذه المدينة العريقة. بل نكاد نسمع صوته وهو يقص على مسامعنا معلومات تاريخية وطريفة.

"أعاد الكنعانيون العرب تشييد أسوارها وأبراجها، لحمايتها من الغزاة". "ارتفعت أسوار أريحا وحدا وعشرين قدما، وعند زوايا السور جثمت الأبراج حيث يطل الحراس من الشقوق المائلة لمراقبة السهول الفسيحة، وسفوح جبال مؤاب شرقي الأردن" ص5.

"أريحا مدينة القمر، تنبت أشجارا استوائية وجبلية وساحلية، مدينة جهنمية، غريبة، خصبة، أريحا ليست مدينة، إنها تاريخ، في تربتها تمتزج الأساطير بالواقع التاريخي. إنها مدهشة، البحيرة الوحيدة الميتة في العالم". ص 8

" لقد وجد علماء الآثار بقايا عظام أطفال في جرار فخارية تحت جدران البيوت في أريحا، فظنوا أن أهالي أريحا كانوا يذبحون أطفالهم أضحيات للآلهة كي تحفظ بيوتهم من الانهيار... أما موتاهم الكبار فكانوا يوارونهم في مقابر جماعية كي يدرأوا عنهم الوحشة". ص9.

ويتدرج أبو شاور في تعريفه بأريحا منذ عهد أجدادنا الكنعانيين الذين عمروا الأرض، وغرسوا الأشجار، وحصّنوا المدينة بالأسوار والأبراج. فرحلوا وخلّفوا وراءهم هذه المدينة، وحكمتهم الخالدة: الحجــارة لا تحصـن المدن، الأســوار لا تـرد الغـزاة". ثم ينتقل إلى العصر الحديث، فيروي لنا عن سجن أريحا الذي شيده الانتداب البريطاني. وخلَّفه لقائد المقاطعة الأردني الذي تركه بأوراقه وأضابيره وملفاته ليصبح مقراً للحاكم العسكري الإسرائيلي بعد حرب 1967. ولا ينسى أبو شاور أن يعرج بنا على مخيمات اللاجئين الذين تدفقوا على أريحا بعد نكبة عام 48 وهي: عين السلطان، مخيم النويعمة، ومخيم عقبة جبر أكبرها وأكثرها كثافة سكانية.

أما القسم الثاني من الرواية فيحمل اسم "الحـرب: القسـم الأول". وقد قُسَّم هذا القسم إلى ثمانية أجزاء. يبدأ من الصفحة 144 وينتهي عند الصفحة 182. وفيه نتعرف على استعدادات حرب 1967. فتطل علينا أم كلثوم بأغنيتها الوطنية:

" جيش العروبة يا بطل الله معك
يا ويل ... يا ويل من يمنعك
ودي فلسطين الحزينة بتنتظر
جايين نحرر البلاد ...
جايين نطهر الحمى
طالعين كما طلع الصباح
من بعد ليلة ظلمة" ص144

وفي هذا القسم نستجلي ضعف الجيوش العربية المشاركة في هذه الحرب. فالجيش المصري لا يعرف جغرافية البلاد. والجيش الأردني انقطع عن جنوده الطعام في أولى أيام الحرب. فينتهي هذا القسم بالهزيمة، واحتلال الضفة، ومرتفعات الجولان، وقطاع غزة. ويصبح أهل فلسطين في زنزانة واحدة تضمهم بعد أن تقطّعت أوصالهم تسعة عشر عاما من الاحتلال الأول لأراضيهم عام 1948. وتستمر وقع أحداث النكسة إلى القسم الثاني من الرواية الذي يبدأ من الصفحة 148 إلى الصفحة 281. وفيه تتبلور حركة الشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال برفض الذل والاستكانة. فيبدأ العمل الفدائي والسعي من أجل خلاص فلسطين وإعادة أبناءها إليها.

وعند تتبعنا للحدث السردي في الرواية، نلاحظ أنه يبدأ من نقطة مغلقة، يتسع شيئاً فشيئاً، حتى يصل إلا ما لا نهاية. فالرواية تبدأ من أريحا، تتسع مروراً بحرب الأيام الستة، وتنتهي إلى ما لا نهاية ممثلة بالأمل، وفعل المقاومة الذي وُلد بعد هذه الهزيمة.

أريحا
حرب 67
ميلاد المقاومة ( الأمل)

تحمل اللوحة النهائية في الرواية دلالات عدة. فارتباط محمود وندى بالزواج ورغبة الأب بإنجابهما الكثير من الأطفال، تشبه الارتباط والزواج الروحي الذي تم بين شطري فلسطين المحتل احتلت عام 48، والتي احتلت بعد حرب 67. وما خلَّف هذا الارتباط المقدس من ولادة الطفل الذي يمثل حركة المقاومة الفلسطينية التي أخذت زمام المبادرة وقادت آمال وطموحات الشعب الفلسطيني بالتحرر من رقبة الدول العربية أولا وإسرائيل ثانياً. فصوت الطفل الذي يملأ الآفاق، هو البشرى بميلاد المقاومة الفلسطينية عام 67، التي كانت ضرباتها الموجعة في العمق الإسرائيلي، ولعللعة رصاصها الحل الوحيد للتحرر.

محمود و ندى = أهل فلسطين 48 وأهل 67

الارتباط/ الزواج ( بعد خروج محمود من السجن) = الارتباط / الزواج الروحي (بعد انشطار دام 19 سنة)

صوت الطفل/ ميلاد الطفل = صوت الرصاص هو حركة المقاومة

البشارة / أمل المستقل = البشارة / الأمل في التحرير

الأبعاد السياسية في رواية العشـاق:

تشغل الأبعاد السياسية في رواية "العشــاق" جانباً مهماً. بل نجزم القول أنها تؤرخ لهزيمة 1967. وتبين الظروف السياسية التي فُرضت على الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع قبل هذه الهزيمة. إذ تفضح الشخصيات الروائية من خلال أحداث الرواية أسباب النكسة. ولا تقف عند هذا فحسب، بل وتفندها إلى 3 أقسام رئيسة. وهنا يترك أبو شاور لشخصياته العنان لتكشف عن هذه الأسباب. فنسمع صوت الأستاذ محمود وهو يميط اللثام عن تواطؤ الدول العربية مع إسرائيل، وتسهيل مهمتها في التهام ما تبقى من الأراضي الفلسطينية. وذلك بزرعها بالعملاء والجواسيس والمارقين واللصوص الذين تسلَّطوا على رقبة الشعب الفلسطيني، وساهموا في طحنه، وتعطيل قواه الوطنية، وملاحقة الفدائيين والمثقفين أينما كانوا. كشخصية أبـي صــالح/ رئيس بلدية أريحا. وأحـمد خطّـاب / الضابط في السجن الأصفر. والمختار / خال الأستاذ محمود. وإدريس/ ضابط الشرطة في المقاطعة. فكل واحد من هذه الشخصيات كانت معولاً في ظهر الشعب الفلسطيني وأذاقه الأمرين. فأبو صالح لا يهتم بالسياسة. لكنه يجب أن يمثل الشعب في البرلمان. فالسياسة عنده مجرد وجاهة وليست مسؤولية وطنية، ومشروع مقاومة لطرد العدو. بل هي وسيلة:

"لاستدراج كبار المسئولين في النظام من أمراء وضباط مخابرات ووزراء، وبعد الاحتلال استقبل في المحفل كبار اليهود إخوته في الماسونية"ص17.

أما شخصية احمد خطّاب، الضابط الفلسطيني في سجن عقبة جبر كان سوطاً يُجلد به أبناء المخيم. ويفضح محمود أفكاره المتواطئة مع السلطة بالمونولوج الذي دار بينه وبين أحمد خطاب وقت خروجه من السجن.

"نحن جميعا نحب فلسطين. ولكن لكل أمر أوانه. ثم نحن لا نعرف من هم هؤلاء الذين يتسللون عبر الحدود. يدعون أنهم يقاتلون إسرائيل، حسناً، ولكن فليسفروا هؤلاء عن وجوههم. لماذا يتحركون في الظلام. يريدون جرنا إلى حرب لم نقرر خوضها بعد" ص37.

ولم يقف موقف العملاء على الوشاية والجاسوسية. لكن تعداه إلى اللصوصية والسرقة من قوت الشعب الفلسطيني، الذي يقبع في المخيمات ويلحقونه على "لحسة الحليب". فها هو الشيخ أبو نعمان ناطور المخيم، ومؤذن الجامع يتلقى الضرب المبِّرح على رأسه من الجواسيس واللصوص. لأنه كان يراقب تحركات كبار المسئولين والموظفين في مخازن الاونروا، ويعرف سرقاتهم ودسائسهم.

"هذا شقيقي، الشيخ أبو نعمان، لقد هاجمه مجهولون ليلة أول أمس وانهالوا بالعصي على رأسه، وظهره، كادوا يقتلونه... ولكنه لم يخبر الشرطة... الشرطة ورئيس المخفر ومدير المخيم، ومساعد مدير المخيم يشكلون عصابة، أما المخاتير فواحد منهم شريك في العصابة، لأنه قوي ويعرف قائد المقاطعة" ص 61.

ومن مهام هؤلاء الجواسيس أيضاً خنق الشعب الفلسطيني، وبعثرة آماله في الحياة، وقتل كل شيء جميل في حياته. فمحمد الفنان الذي يتأبط عوده وكأنهما عاشقان، يتلقى الضرب والاهانه لأنه يغني في الحفلات الأغاني والأهازيج الفلسطينية ولا يغني لملك البلاد.

"هي أنت، يا ولد تعال. ارتجف قلب محمد، توجساً وغضباً، فهذا الشرطي إدريس، اشتهر بالاعتداء على شباب المخيم، وإهانتهم أمام الفتيات.

ها ماذا تريد يا سيد إدريس. قال إدريس: نريدك أن تنظف لنا المرحاض... أدار محمد ظهره، خطا خطوة واحدة، وإذا إدريس يمسك به من ظهره ويثبته... يا ابن الكلب، ستنظف المرحاض... قال إدريس: هاتوا المقص... احضر احد الشرطة المقص وناوله إدريس، الذي اخذ يجذب شعر محمد وهو يضحك... تغني في الأعراس، ها سيدنا لا يعجبك" ص 98.

أما السبب الثاني الذي تُفصح عنه الشخصيات في الرواية، فهو قلة الاستعدادات العربية لخوض معركة كبيرة وحاسمة كهذه. فالإذاعات العربية خاضت حربا إعلامية هزّت الوطن العربي بطوله وعرضه، ووعدت الشعوب العربية بنصر مظفر على إسرائيل، والادهى من هذا النصر استعادة فلسطين من قبضة إسرائيل. بينما الواقع على أرض المعركة شيئاً آخر. فقد هُزمت الجيوش العربية الثلاث في ستة أيام، واحتلت إسرائيل ما تبقى من فلسطين وسيناء والجولان.

" إذا كانت الاستعدادات العسكرية بقوة الأغاني، وجودة الألحان، فالنصر حليفنا، أما إذا كانت الأغاني أفضل من الاستعدادات فالويل لنا" ص 146.

" ارتفعت أصوات في الخارج: سلاح، سلاح، نريد سلاح" ص 153.

"والله العصا أفضل من بنادقكم التي خاضت الحرب العالمية الثانية.
هذه بنادق أكلها الصدأ. إنها لا تنفع لصيد العصافير ص 161

ولم تقف قلة الاستعدادات على قلة الأسلحة وعدمها في مناطق أخرى. كذلك قلة التموين. فأنـّى لجيش يتقدم في المعركة وينتصر ولم يصل له الطعام منذ أول يوم في الحرب؟! وبدل أن يدافع عن الشعب، أصبح عبئاً عليهم ينتظر امدادات الطعام منهم. صورة مقلوبة، تؤدي إلى نهاية معكوسة!

" يا شاويش المغفر هل ستعيدون فلسطين بجيش انقطع عنه التموين في اليوم الأول للحرب؟ يا شاويش المخفر، أمس سألني احد ضباط الأمن عن الطريق المؤدي إلى "عين الديوك"، أنه ضابط استطلاع ولكنه لا يعرف أين تقع عين الديوك، وهل توجد طريق ترابية عريضة توصل إليها أم لا. ومع ذلك تقول أنها حرب" ص158.

أما ثالث هذه الأسباب فهو عدم وجود قيادة فلسطينية سياسية وعسكرية تقود الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. فمنذ الثورات الأولى في فلسطين، وقيام الاضرابات الكبرى فيها. افتقدت الحركة الثورية الفلسطينية لقيادة تقود الشعب الفلسطيني نحو التحرير. فاحتلت الدول العربية القضية الفلسطينية. وأصبح حال الفلسطينيين "كالأيتام على مائدة اللئـام". وبقيت أمورهم كذلك حتى بزغت شمس المقاومة بعد نكسة 67. وأثمر صبرهم عن ميلاد حركة المقاومة التي ولدت من رحم المخيمات، وعزائم شبابه ونسائه. وولَّدت تحركات الفدائيين المتسللين أملا في الخلاص من الاحتلال. وتشير آخر فقرة في الرواية على ميلاد هذه الحركة الثورية التي مثلت الأمل في التحرير وعودة الحقوق المغتصبة.

"أخذ المساء يهبط ناعماً، رطباً بالنسمات المنعشة، تمتم أبو خليل وهو يسير بمحاذاة الجدول، مصغياَ للخرير: ( تزوجا يا محمود أنت وندى، وأنجبا كثيرا من الأطفال)، أنا اعرف انه موافقة. سمع ضحكة طفل، ضحكة طفل جذلى، مرحة، ولكن الرصاص كان يقطع تلك الضحكة، التي كانت تعود لتنطلق من جديد، حلوة ومرحة" ص281.

الأستاذ محمود وفعل المقاومة:

تعج رواية "العشــاق" بالشخصيات، وتتحرك بين دفتي الرواية بطقوس كرنفالية مهرجانية تضبط إيقاعها شخصية الأستاذ محمود، الذي يمثل مركز الرواية وثقلها، وترتبط به وكأنها فتات الحديد في حقل جاذبيته. لكن من هو الأستاذ محمود الذي يقود دفة الشخصيات في الرواية؟

يشي اسم الأستاذ محمود بمهنته. فهو أستاذ للغة العربية في مدرسة الوكالة في المخيم. سجن لأنه كان يحرض الطلاب ضد الحكومة.

"ما كنا نستطيع فعل شيء العين بصيرة واليد قصيرة، لنفرض أنك حرضت الطلبة على الاضطراب. لماذا حرضتهم؟ لأن وطنهم امتهن. والمواطن أذل على يد الغاصبين، ماذا في ذلك؟ ص80

اغتيل والده عباس عام1955 على أيدي حرس الحدود الأردني عندما كان طفلاً صغيراً. " والدنا الذي اغتاله حرس الحدود الأردني، وهو يعود من الأرض بعد أن قاتل مع رفاق له ضد الاحتلال" ص82.

ويعتبر عضواً فعّالاً في الجبهة الشعبية ـ نستدل على ذلك من أحداث الروايةـ المحظورة من السلطات الأردنية في الضفة آنذاك. أحب ندى المعلمة أيضا في مدرسة الوكالة. فخططا للزواج، وبعد حلول النكسة عام 67 قررا البقاء في أريحا والصمود فيها.

ونلاحظ أن الأستاذ محمود هو بؤرة العمل الوطني/ الايجابي في الرواية الذي تلتقي عنده جميع الشخصيات الايجابية والوطنية. فهو يؤسس مع أخيه مقهى ليتخذه غطاءاً لتحركاتهم الفدائية. ويشكل مع صديقيه (حسن و زياد) خلية للعمل الفدائي في أريحا. كما يرتبط بعلاقة صداقة قوية مع الأب الياس الذي يساعد الفدائيين ويعمل على تغطية تحركاتهم ويبارك عملهم. كذلك يحب أبو خليل والد ندى (حبيبته) المتشبث بأرضه وزيتونته، الرافض التعاون والتجسس لصالح داوود الإسرائيلي. فالأستاذ محمود هو عصب الرواية وعمودها الفقري الذي ترتبط به بقية الشخصيات الأخرى.

كذلك نلاحظ أن الرواية تنفتح به وتنغلق به. إذ تنفتح اللوحة الأولى في القسم الأول على خروجه من السجن بتهمة التحريض ضد الحكومة، ومساعدة الفدائيين في التسلل من أغوار الأردن إلى الضفة الغربية. فخروجه من السجن يمثل تحرره من رقبة العساكر الذين كسروا أضلاعه وضربوه في السجن. أما اللوحة الأخيرة فتغلق المشهد السردي برغبة والد ندى أن يتزوج محمود من ابنته، وان ينجب الكثير من الأطفال. وبهذا يصبح الأستاذ محمود حاملاً لدلالات عدة

الشخصيات الدينية في الرواية:

تتوزع الشخصيات الدينية في الرواية على أربعة شخصيات محورية هي : الشخصيات الإسلامية. ممثلةً بالشيخ أبو نعمان. والشخصيات المسيحية ممثلةً بالأب حنا والأب الياس. والشخصيات اليهودية ممثلةً بداوود. وتضفي هذه الشخصيات المِسحة الدينية على الرواية. ونلاحظ أن دخول هذه الشخصيات ليس من قبيل المصادفة، بل هي تأكيد على دورها الذي لعبته أثناء نكبة الفلسطينيين. فالشيخ أبو نعمان فقد زوجته وأولاده في حرب 48، يعمل مؤذناً لجامع مخيم النويعمة وناطورا لمخازن أغذية الاونروا التي كانت تصرف المؤن للاجئين الفلسطينيين. فكان لحسِّه الوطني وخوفه على لقمة الطعام للأطفال الفلسطينيين، انه اكتشف العملاء والجواسيس الذين طالت أيديهم مؤن الاونروا. فكان نصيبه تهشيم رأسه وضربه وفي النهاية قتله.

"الشيخ أبو نعمان، لقد هاجمه مجهولون ليلة أول أمس وانهالو العصي على رأسه... ضربوه لأنه يحرس مخازن توزيع مؤن الوكالة، إنه يراقبهم بحزم، لقد رفض أكثر من مرة أن يسمح لهم بإخراج المسروقات" ص 60

" اليوم الجمعة، قلت أروح واصلي مع خالك ابو نعمان... رحنا إلى المسجد. كنت أنا داخل المسجد أصغي لآذانه حين دوى الرصاص، تمددت على الأرض، وبعد قليل انقطع الرصاص، فنهضت وركضت بلا وعي ... فرأيت خالك وقد سقط عن المئذنة والدم يبلله، وجسده ساكن بلا حراك" ص 264.

أما الأب حنا فقد ساعد الفلسطينيين اللاجئين عام 48. ودلّك أقدام أطفالهم عندما هجم الثلج في تلك السنة، وبحث عن الحطب في بيوت أهالي بيت لحم.

" جسده الصغير ووجهه الطيب السمح، وعينيه الحزينتين، أتذكر كيف عمل بدأب وشجاعة لمواساة اللاجئين عام 1948" ص123.
" مسكين الأب حنا، ظل يعمل ليل نهار، يدَّلك أقدام أطفال بالماء الساخن، يحضر الطعام، يتفقد الأسر المكدسة لصق بعضها... والله انه مات شهيدا لقد أحب المسيح فيكم وأحبكم في المسيح" ص 88.

أما الأب الياس " فهو حزين جداً وشارد الذهن لا يأكل ولا ينام، يدور في شوارع المخيم وأزقته، كأنما يبحث عن الناس" ص 199. لكنه يستعيد قوته وهمته بعد أن بدأت هجمات الفدائيين، كأنما أحييت الأمل في صدره من جديد بعودة الوطن." أنا مع حمل السلاح في سبيل تحرير الوطن" ص127.

أما رابع هذه الشخصيات فهو شخصية داوود اليهودي. القادم من عصير الأساطير والخرافات ليثبت حقه في ارض فلسطين. فهو ينقب عن الآثار، ويبحث في الأرض، ويروي الخرافات ليثبت وجوده في فلسطين. وتمثل هذه الشخصية دور الشخصيات الدينية التي تستند على التوراة والأساطير لتثبت حقها في فلسطين. لكنه يتلقى ضربة على رأسه بعظمة كبيرة أخرجها والد ندى" أبو خليل" من جوف الأرض، وكأن أبو شاور أراد لهذه الشخصية أن تموت بعظمة مستخرجة من باطن الأرض كرد منها أن هذه الأرض ليست له، وأنها "تتكلم عربي".

المفارقــــــــة في روايــــــــــة العشـــــــــــــــاق:

يحمل مصطلح المفارقة في طياته معانٍ عدة. كالسخرية، الغمز، الهزء، اللذع، والقبض على التناقض، الهجوم على المستقر الراكد، خرق السنن، قلب الدلالات، وأخيرا تجريد الخصم من المميزات بطريقة هزلية. وحين نعيد النظر في "العشـاق" نجد أن مظاهر المفارقة بادية في كل شيء. في الشخصيات، في الموقف، وفي وصف الأحداث. وهذا ما يشيع روح السخرية في عروقها، وما يفتح من فكاهة سوداء ترفع من نبض النص الروائي، فتترك وراءها أسئلة وأسئلة قائمة في النفس بحثاً عن المعنى المقصود. ويقلب السرد عند أبو شاور ذلك النفس الفكاهي في الجمع بين النقائض حيناً، والانتقال المفاجئ بين حالتين لا تنتميان إلى حالة مزاجية واحدة أو وضع روحي واحد، أو من خلال الجمع بين الجدِّ والهزل، أو غير ذلك مما يصعب حصره إلا بمواجهة الرواية. وسأبدأ بأولى لوحات السخرية عند أبو شاور وهي:

1. السخرية في الشخصيات:

نلاحظ أن أبو شاور سلَّط السخرية على الشخصيات العميلة والجاسوسة في الرواية. وهذا ما يطمح إليه المبدع. الانتقام من شخصية الطاغية والمستبد بالضحكة السوداء التي توجه كالسهام إليه وتنتقص من قوته، بل وتذله أحياناً. وتثير الهزل والسخرية منه أمام الضعيف صاحب الحق. حتى يحقق التوازن السردي في الرواية. إنها مفارقة خفية تجعل الابتسامة تتسلل بخفةٍ إلى الأعماق لتخرج من بين الشفتين في لحظة، وتتركنا تنفجر بالضحك في لحظة أخرى. أمام موقف مبني على الحقد والكره لهذه الشخصية المنهزمة أمام نفسها وأمام محتلها، الذي جعل منها ألعوبة بين يديه. فتتبدد الضحكة السوداء وتنطلق كالسهم آخذة بثأر الضعيف الذي لا حول له ولا قوة.

نتوقف عند أولى هذه الشخصيات. وهي شخصية "أبـو صـالح". فأبو صالح الذي فتح كراج بيته مرتعاً للماسونية، وكبار الموظفين، ووكالة الغوث ودوائر الدولة في أريحا. وقدم نفسه رخيصة للمحتل ضد أبناء شعبه. لا يفهم بالسياسة، لكنه يجب أن يمثل الناس في البرلمان. علاوة على ذلك أنه ألثغ اللسان ينطق الكلام بطريقة مضحكة. وهنا نلاحظ أن أبو شاور جمع بين النقائض. فأبو صالح لا يفهم بالسياسة لكنه ماسوني( وهو حزب سياسي يرتكز على أسس دينية). ويجب أن يمثل الناس في البرلمان (وما يمثل البرلمان من عرض لمطالب الناس والدفاع عن حقوقهم) إلا أنه ألثغ اللسان ينطق الكلام بطريقة مضحكة. إذا، كيف سيمثل شعباً تحت قبة البرلمان وهو يحتاج إلى من يفسر له كلامه؟!

لكن وفر لنا أبو شاور هذا الجهد فهو الذي يقوم بهذه المهمة ففسر لنا كلامه بين قوسين بدل أن نقع في "حيص بيص"!

ـ يا ثمير ( سمير)، اذهب واثرخ ( اصرخ)، قل لهم : غداً إضراب، بأمر رئيث (رئيس) البلدية. ص14

ـ أطرق أبو صالح ثم رفع رأسه ببطء وقال ... آ، ثحيح (صحيح)، لا تذهب. ص15

ـ لقد أحرقتم الاقثى( الاقصى) ... انتثرتم (انتصرتم) في الحرب معلش، استوليتم على البلاد، ماشي الحال. لكن أن تحرقوا مثاجدنا(مساجدنا)

ـ قال أبو صالح: أنا اثكر (أسكر) وأيضاً أحب النثوان (النسوان) واقترف كل الموبقات، لكن لا اقبل الاعتداء على الدين.

قال أبو صالح: غدا إضراب يا حالكم عسكري... ستحبس إذا حدث إضراب يا رئيس البلدية.

ـ الحبث (الحبس) للرجال يا حاكم عسكري.

ولا تقف السخرية من شخصيته المضحكة. كانت حملته الانتخابية كذلك:

"ففي كل يوم ومنذ الصباح، يدور سمير منادي البلدية والطلبة على جنبه والأولاد خلفه وهو يتأوه ويتحشرج ويلهث، والعرق يتصبب من كل جسده:

يا بو صالح عزك دام

يلبق لك البرلمان

أما النسوة الريحاويات المستأجرات، فكنَّ يغنين داخل ساحة البلدية تتوسطهن ( فتحية) ذات السمعة السيئة، وهات يا خلع وغناء، ونقر درابك وتفقيش ولوي قدود. لكن أكثر أطراف الحملة انبساطاً هم شلة السواقين والزعران والحشاشـين، لقد كانوا يدورون بالباصات وفي سـيارات تزينها، أو تغطيها صور المرشح المـسقل أبو صالح...
كانت الباصات تمخر شوارع المخيم الترابية بسرعة جنونية مخلفة الغبار والضجيج، بينما الأبواق تمرق في الفضاء، فيتقافز الناس مبتعدين ويطلقون اللعنات على المرشح المستقل وشلته. بعدئذٍ كانت قافلة الباصات وسيارات الشحن والتاكسي تتجه نحو البحر الميت، وهناك تأخذ الشلة في السكر والتحشيش، والعربدة، ويعودون بعد هبوط المساء مترنيحين فيسألهم أبو صالح أين كنتم يا أولاد؟

فيجيبون وقد تعتعهم السكر:

كنا نعمل دعاية في مخيمات اللاجئين.

فينبسط الرجل، ويهتز جسده الضخم، وترتعش شراشيب طربوشه" ص13.

فهذه الحملة الانتخابية التي تتقدمها الدرابك، والراقصة فتحية، ويروج لها السكيّرين والحشاشين أجدى بحملة دعائية لافتتاح مرقص أو ملهى ليلي وليس حملة انتخابية للترشيح في البرلمان. هنا تنطلق الضحكة من هذه الحملة المشبوهة.

أما الشخصية الثانية التي سأتناولها فهي شخصية بكر بيك الشركسي المثيرة للضحك، القريبة من الرسم الكاريكاتيري. فهو "متوسط القامة، له رأس كبيرة، تستقر على منكبين ضيقتين، متحفز النظرات، بذيء، كرشه كبيرة، قبضتاه كبيرتان، في الخمسين، خداه مكتنزان، شعرأسه قصير أشيب، يضع (قلبقاً) على رأسه في الشتاء. ويتدثر بفروة دائما" ص20.

ورغم غلظة شكله وجلافته التي توحي بالجِدْ والصلابة والقسوة، إلا أنه " أكل قتلة من زوجته أمام العسكر، في الدور الثاني من سجن أريحا، حيث كان يسكن، فتحطمت هيبته. لقد وشى أحدهم. للمرأة، بأن بكر بيك كان يخونها مع امرأة ريحاوية، وأعطاها العنوان، فداهمت زوجها في بيت الريحاوية ولكنه لاذ منها بالفرار، وفي الليل عاد مؤملاً العفو، لكنها تناولته حذائها، فسال دمه" ص 21.

نلاحظ الانتقال المفاجىء بين حالتين لا تنتميان إلى مزاج واحد. فبعد أن عرفنا غلاظة بكر بك وجلافته وشكله القاسي، ننتقل مباشرة إلى وضع مضحك. لقد أكل قتله من زوجته. فنحس أن أبو شاور أراد الانتقام من هذه الشخصية بالسخرية منها أمام الجميع فهو قد أكل هذه القتلة أمام عسكره، لذا انكسرت هيبته ورحل من المنطقة كلها.

وقد استطرق أبو شاور في هذه اللوحة. ففي إحدى المرات جلس بكر على مقهى الدحمس الملاصق للمخفر مباشرة. فسأله احد الوجهاء عن سبب كرهه للشيوعين! فاحمر وجهه وقال: " اكرههم فقط ... لقد كانوا يلاحقوننا من مكان لآخر، كنت طفلا ولكني أتذكر ... لقد كان أبي يدافع مع ألوف الرجال عن القيصر والدين الإسلامي.

فسأله الوجيه مرة أخرى: وما علاقة القيصر بالدين الحنيف. فقال: " القيصر ما كان يريد الاستيلاء على الأرض التي تخص والدي، ولكن الحمر كانوا يريدون الاستيلاء على كل شيء من أجل الرعاع.

وضحك الوجيه، فما كان من بكر إلا أن نادى حرسه، والشرطة من المخفر، وهو ملاصق للمقهى، وطلب إليهم اعتقال الوجيه لأنه احمر.لكن المخاتير ترجوا بكر بيك، وباسوا لحيته، بل إن أحدهم عمد إلى تقبيل (قلبقه) بأسلوب تبجيلي، ثم انتهت بتغريم الوجيه بدعوة بكر بيك والمخاتير على خاروف" ص 21.

وبهذه النهاية تنفجر الضحكة فمن ملاحقة على مدار ايام، وخوف، وغضب، واحمرار وجهه، وحرب ضد قيصر روسيا، ينتهي الموقف إلى دعوة على خاروف. فالانتقال من الجاد إلى الهزل هو ما يبعث على الضحك المتشفي من بكر بيك "عدو الحمر".

2. السخريــــــــة في المــــــوقف :

تظهر مفارقة الموقف الهادفة حين يكون هناك قلب في المواقف. فالكوميدي يصبح تراجيدي، والجد يتحول إلى الهزل. وأمثلة ذلك في الرواية كثيرة، ولكن سأكتفي بذكر حادثة واحدة. إذ يذكرنا أبو شاور بالمظاهرات التي قامت ضد حلف بغداد عم 1955، ويصف لنا حال الشعب الفلسطيني في تلك الفترة:

" في تلك المظاهرات حمل الناس الشهداء، والجرحى واندفعوا يهتفون والدم الساخن ينزف أمامهم، ويحني ملابسهم وأجسادهم لكن الجنود أطلّوا برؤوسهم الصغيرة من وراء الصخور البركانية السوداء، وقد طلّوا وجوههم بالهباب الأسود وسددوا فوهات بنادقهم، ثم حيث تقدم الناس أطلقوا عشرات العيارات النارية فسقط المزيد من الجرحى ولاذ الناس بالفرار... وفي اليوم التالي تدفقت الجموع الغاضبة من المخيمات الثلاث، وهدرت ألوف الحناجر، وتمكن الناس من بلوغ الساحة الرئيسة في المدينة ... وفيما كان احد الحزبين يلقى خطاباً يدعو فيه إلى الوحدة العربية، ويمتدح جمال عبد الناصر، ويكيل اللعنات للجنرال (تمبلر) ونوري السعيد، وحلف بغداد ارتفع صوت مجهول:

ـ إلى مشروع العلمي يا شباب. لندمر العملاء يا شباب ... بلغ الناس البوابة الخارجية، تدفقوا إلى الداخل، واقتلعوا الأشجار، حطموا سيارات الأمريكية الأنيقة، لكنهم لم يسيئوا للعمال المقيمين.

فتحوا أبوب المداجن، وتدفقوا ليمسكوا كل واحد منهم دجاجة سمينة بيضاء أو اثنتين" ص19.

وتنطلق الضحكة من المفاجئة والمباغتة في انقلاب الموقف. فمن أجواء متوترة ومشحونة بالغضب، ورائحة البارود التي تزكم الأنوف، وصورة الجنود طليي الوجوه بالهباب الأسود، وأصوات الهتافات، وسقوط الجرحى والشهداء ننتقل من هذا التوتر والوضع المتأزم. فتنقلب الصورة رأساً على عقب. حين نرى هذا "الانقلاب الأبيض" في خبر جريدة اليوم التالي للمظاهرة: ذهبوا يهتفون، وعادوا يكاكون" ص 19.

3. السخريــــــــة بالحـــــدث

تستعرض رواية العشاق أوضاع الشعب الفلسطيني في المخيمات قبل حرب 67، وتعود قبل هذا التاريخ الذي ينبني على أسلوب التداعي واسترسال الذكريات ثم العودة إلى زمن القص عند سرد الأحداث لنكسة 67. التي يغوص بها إلى أدق أسبابها. ومن هنا تتجلى السخرية في حدث الرواية. إذ تجسد الأغاني الوطنية، والمهرجانات الغنائية، وابتهالات الدروايش، والاجتماعات السياسية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. استعدادات الدول العربية للحرب. فصوت أم كلثوم يقابله صوت أزيز الطائرات الإسرائيلية بطل النكستين. وابتهالات الدراويش يقابله قصف المعسكرات والطيارات العربية الرابضة في المطارات. والاجتماعات الكوميدية للزعماء العرب يقابله انتصار إسرائيل في حربها واحتلالها الشطر الثاني من فلسطين. وبدل استرجاع ما اغتصب من فلسطين، تحتل إسرائيل أراضٍ عربية أخرى.

وبعد هذه الوقفة القصيرة مع رواية "العشـاق"، حريٌ بنا أن نسلط الضوء على ما رسخت له هذه الرواية التي تعدُّ احد علامات الطريق في الرواية الفلسطينية، وهو: أن الشعب الفلسطيني ليس عابر سبيل، ولم يولد من الحائط، بل هو وريث حضارة قديمة تركت آثارها في باطن الأرض كما على وجهها، وما السبيل لاستعادة الحقوق المغتصبة إلا بالمقاومة والسلاح، وبذل النفس، وليس بالخطب الحماسية، والأغاني الوطنية، كما رأينا في ثنايا الرواية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى