الغربةُ والعودةُ
في غربتي،
أضعُ قلبي على وسادةٍ باردةٍ،
أخبئُ انهياري عن كلِّ من يمرُّ،
عن كلِّ شارعٍ لا يعرفُ اسمي،
عن كلِّ نافذةٍ بلا وجهٍ مألوفٍ.
كم مرّةٍ جلستُ وحدي،
أعدُّ أصابعَ الليلِ،
أحسبُ خطواتِ الغيابِ،
أحاولُ أن أجدَ شيئًا
يعيدَ لي توازني…
لكنْ لا شيءٌ يصلُ.
أسمعُ صوتَ المطرِ،
أشمُّ رائحةَ المطرِ،
أحاولُ أن أخبئَ نفسي في كلِّ الأشياءِ،
حتى أنسى…
حتى أنسى الحاجةَ لشيءٍ لم يتركني يومًا.
كلُّ المدنِ بعيدةٌ،
كلُّ الطرقاتِ طويلةٌ،
والوجوهُ تمرُّ كظلالٍ بلا معنى،
لكنَّ قلبي يعرفُ
أنَّ هناك شيئًا واحدًا،
ينتظرُني منذُ الأبدِ،
شيءٌ يجعلُني أركضُ،
كي أعودَ…
كم مرّةٍ بكيتُ في المقاهي،
كم مرّةٍ همستُ: لن يضيءَ النهارُ…
والليلُ يلتهمُ كلَّ شيءٍ،
والبردُ يعضُّ على وجهي،
والصمتُ يصرخُ داخلي…
ثم فجأةً،
تختفي المسافاتُ،
تصغرُ المدنُ،
ويتسابقُ الصوتُ مع خطواتي،
كأنَّ شيئًا واحدًا
يعرفُ الطريقَ أفضلَ مني.
أركضُ، أركضُ،
أرتطمُ بدفءٍ كاملٍ،
أجدُ كلَّ شيءٍ قد انتظرني،
كلَّ التعبِ، كلَّ الغربةِ، كلَّ الانتظارِ…
يتلاشى في هذا الضوءِ.
أضعُ وجهي على يدينِ،
تعرفُ كلَّ انكساراتي،
تحتضنُ كلَّ ضعفي،
تمسحُ كلَّ الغربةِ،
وتخبرُني أنَّ العالمَ ليس بعيدًا،
وأنَّ الطريقَ كلَّهُ لم يكنْ إلا للوصولِ إليها…
إنها أمي.
