الأربعاء ١١ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

تراتيل الرماد والنور

في الصباح الذي يتأخر قليلاً
كأن الليل ما زال يكتب وصيته على الجدران،
خرجت أحمل قلبي مثل مصباح قديم
تآكلت أطرافه
لكن النور فيه
ما زال يتذكر الطريق.

المدينة كانت ترتدي رمادها
كما ترتدي الأرملة شال الحداد،
الشوارع صامتة
إلا من وقع أقدام
تبحث عن بيوت
لم تعد هناك.

كل شيء بدا واضحاً:
النوافذ المكسورة،
الحدائق التي نسيت أسماء زهورها،
والطيور التي تحلق فوق السطوح
كأنها تسأل:
أي سماء هذه
التي امتلأت بالدخان؟

في الزوايا
كان الرماد يتكلم همساً،
يحكي عن نار مرت من هنا
وتركت أصابعها
على وجوه الأطفال
وعلى دفاتر المدرسة
وعلى فنجان قهوة
لم يكمله صاحبه.

لكن النور
ذلك الكائن العنيد
كان يطل من بين الشقوق،
من بين حجرين
أو من نافذة
لم تتعلم بعد
كيف تنطفئ.

رأيته
ينحني فوق كتف امرأة
تكنس أمام بيتها الخراب،
يضع يده على كتفها
كأنه يقول:
ما زال الصباح ممكناً.

الرماد يعرف كل شيء،
يعرف أسماء الحرائق
وأسماء الذين مروا عبرها،
يعرف صوت الصرخة الأولى
حين يتشقق الليل
وتخرج منه الحرب
كحيوان جائع.

أما النور
فيعرف شيئاً آخر:
أن الأرض
مهما ثقلت عليها الخطى
تظل تخبئ في صدرها
بذرة صغيرة
لا تخاف الظلام.

ولهذا
كنت أمشي بينهما
مثل ناسك قديم
يرتل صلاة بلا كلمات.

أقول للرماد:
اهدأ قليلاً
فالحكايات التي أحرقتها
ما زالت تمشي في الهواء.

وأقول للنور:
اقترب أكثر
فالقلوب التي بردت
تحتاج دفئك.

في المساء
حين تمدد التعب فوق الأرصفة
رأيت طفلاً
يرسم على الجدار المحترق
شمساً كبيرة.

ضحكته
كانت ترن
كجرس كنيسة بعيدة.

هناك
فهمت أخيراً
أن العالم
ليس سوى كتاب
صفحته الأولى نار
وصفحته الأخيرة نور.

وأننا
نعيش بينهما
نكتب أيامنا
بأصابع مغطاة بالرماد
لكننا
نرفع رؤوسنا دائماً
نحو النور.

هذه هي تراتيلنا:
أن نقف في منتصف الخراب
ونقول للحياة
بصوت متعب
لكن واضح:
ما زال في القلب
متسع
لشعلة أخرى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى