الخميس ٤ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
من الشعر الكوردي الحديث
بقلم مكرم رشيد الطالباني

تلك الليلة التي لا تكفُّ فيها نجومُ الهموم عن الوميض!

تلك الليلة التي لا تكفُّ فيها نجومُ الهموم عن الوميض!
شعر وترجمة: مكرم رشيد الطالباني

رأسي أحَجاَرُ معبرُ طريقِكِ، وجسدي ألواحُ سريرِكِ،
وقلبي يبتغي تُرابَ قدمكِ، وروحي مُلكُكِ فخُذيها!!
)نالي (
لِمَ لا تُخبرينني؟
لِمَ لا تتذكرينَِ ذكرياتِ تِلكَ الأيام الخوالي؟
حينَ كُنّا فراشتي روضةٍ واحدة،
نحطُّ على غُصنِ بلُّوطةِ جبلِ الأمل،
ونبسطُ أجنحةَ أحلامِنا!
لِمَاذا تخطينَ خُطواتِكِ الثقيلةَ فوقَ حُريّةِ قلبي المكبوتِ المحزون،
ولا تلتفتينَ صوبَ ملامحِ لوعتي الطويلةِ الممتدّة؟
)تَعالَيْ الليلةَ..
فقلبي الوحيدُ هائمٌ غريق،
وغيومُ الشَّوقِ المُمطرةُ
تتزاحمُ في سماءِ عينيهِ،
وتتراكمُ طَبقةً فوقَ أخرى لتنفجرَ بالبُكاء(
لِمَ لا تلتفتينَ إليّ؟
أصغي إليَّ،
ووجِّهي بضعَ كلماتٍ
إلى قلبي الطِّفْلِ الحزين!
تَعالَيْ الليلةَ،
لِتنهارَ سَريعاً الأسوارُ الفاصلةُ بينَ قلبينا،
ويلثم فم الشَّوقُ المجنونُ فمِ ثديَِ الفِراقِ الممتدِّ لألفِ عام!
تَعالَيْ الليلةَ،
فَوحْدتي وحشٌ،
يغرسُ أنيابَهُ الحادّةَ
في جُرحِ فُخذِ ذكرياتي!
تَعالَيْ لتفتحي لي طريقاً قصيراً
أعبرُ من خِلالِهِ في عُمْقِ لوعاتِ طُفولتكِ،
فأشتعلَ سريعاً من جديد
على شاطئِ إدراكِ الذّاتِ والسكينة.
ألم أقُلْ لكِ:
إنَّ الفِراقَ رسالةٌ لا تصلُ إلى وجهتِها؟
فَلِمَاذا إذنْ،
ركبتِ جوادَ الغُرور،
ووجهتِ أشواكَ حقدِكِ وكراهيتِكِ
نحوَ يدي وعينيَّ
عَبْرَ كُرومِ مشاعري اليوميَّة؟
ألم أقُلْ لكِ:
إنني ذلكَ الحُلمُ الـمُفزَعُ الـمُتطيّر،
الذي لن أراكِ ولن تريني فيهِ
حتى في ليالي (البرات)؟
ألم أقُلْ لكِ:
إنَّ الجِسْرَ الممتدَّ بينَ محطتي قلبينا
قُدَّتْ فيهِ مساميرُ صلبةٌ عاتية؟
فلا هو يمتدُّ
ولا يصلُ إلى ذلكَ الـمَنزِلِ الذي كُنّا نحلمُ بهِ،
حين كُنّا نندفعُ كالأطفالِ بخُطواتٍ خفيفةٍ
نحوَ تباشيرِ الابتساماتِ الـمُضيئةِ الـمُشتعلة..
لقد حَمَلنا شوقَ قلبٍ واحدٍ بشكلٍ جميل،
لكنَّ رِماحَ اللقاءِ القاسيةَ
شطَّرتْهُ مِزَقاً مِزَقاً،
ولم تُسلِّمْهُ ليدِ أجسادِنا!
لِمَاذا لا تدركينَ
أنَّ ذلكَ النَّبعَ المتدفّقَ من سفوحِ جِبالِ العِشْق،
يرنو الهُوَيْنَا
لِيَروي ظمأَ قُلوبِ
الـمَحزونينَ الـمُصفرَّةِ وجوهُهُم،
ولِيُطوِّقَ عَبْرَ الدُّروبِ والمسالكِ الضيّقةِ
مِعصما أمنياتِهم
عُنُقَ الفتيات ذات النهود الـمُستديرةِ القَلِقَة؟
إنَّ مَنْ طُعِنَ بسهمِ تلكَ العيونِ النَّجْلاء،
أرتشف مرَّةً واحدةً فحسْبُ من ذلكَ الماءِ طَلَباً للأُمنية،
فَمَزَّقَ رسالةَ الدَّلالِ والجَمالِ
أمامَ عينِ شَمْسِ القَلْب،
وهَزَّ كِيانَ القلبِ الـمُشرقِ لتلكَ الفتاةِ الرقيقةِ الـمَلهوفة،
وقَذَفَ بِهِ داخلَ جزيرةِ الهمِّ والأحزان.
(إنْ كُنْتِ تُريدينَ أنْ تُصغي إليَّ،
فَهَلَّا أتيْتِ الآنَ ووضَعْتِ أُذُنَ قلبِكِ
فوقَ الصَدْرِ الثَّائِرِ والصَّاخِب لهذا القَلْبِ،
لِتَعلمي إلى أينَ يَصِلُ صَوْتُ النِّداءِ والصَّراخِ والـمُناداة!)
ـ أَرأيتِ يوماً
نَهراً يتمرَّدُ على ضِفَّتِهِ القَديمةِ ...
ويلوذَ بظلماءِ المنحدراتِ المليئةِ بالأشواكِ،
والمرارةِ، ونباتِ الحَسَكِ!
(ألم تَرَيْ كيفَ أنَّ الأنهارَ..
حينَ تثورُ وتَفيضُ،
تَغمرُ هذهِ وتلك الفِجاج،
وتُمشِّطُ الشَّعرَ الأشقرَ للضِّفاف؟
وتزرعُ القُبل الخضراءَ
على وجناتِ الشواطئ،
وتُمسِّدُ شَعرِها المحزون
بأنامل الحنانِ.. ؟
وحينَ يهدأُ طوفانُ ثورتِها،
تَسلكُ دَربَها القديمَ مجدداً،
فلا تَرْسو في أي مدينةٍ أو بلدةٍ..
بل تَمضي وتَمضي،
دون أن تَفكَّ أصابعَها..
عن عجيدِ الضِّفافِ العذراء)
ـ قولي لي إذنْ،
لِمَاذا تغطينَ جَسدَ شمسِ آمالِكِ..
بعباءةِ التَّجاهلِ والنسيانِ؟
ولَا تُفكِّرينَ في ذلكَ اليومِ..
حينَ كانَ قلبانِ غَضَّانِ
يَفْرِشانِ مَهْدَ أحلامِهِما النَّاعِمَ،
في ظِلالِ أوراقِ الهَوى الـمُشرقةِ ،
ويُمزِّقانِ السِّتارَ الأسودَ لكلِّ ضغينة؟
ـ ألمْ أقُلْ لكِ..
إنَّ الخِنجرَ الذي يَثْلِمُ نَصْلَهُ الحادَّ..
فيَ غِمْدِ الخَوْفِ، واللَّومِ، وارتجافِ القلبِ،
ليسَ خِنجراً..
يَنبغي أن يمَحْوَ أثرِهِ وصُورتِهِ سَريعاً؟
(تَعالَيْ الليلةَ..
فقلبي الضَّيِّقُ انطَوى على ذاتِهِ كَقوسٍ،
والعالمُ كَدُمَّلٍ انفجرَ لِتَوِّهِ،
فمَلأَ قَيْحُهُ وصَدِيدُهُ..
أجواءَ هذهِ الحَياة!
(تَعالَيْ.. قدّمي ليَّ ثَلاثَ كَلِمَاتٍ زَاهِيةٍ،
تُفطِرُ القَلْبَ وتُحْيِينِي فِي آن،
لِكَيْ أَمْضِيَ رَاكِباً طَائِرَةَ الخَيَالِ،
فَأَهْجُرَ هَذَا العَالَمَ..
وأَبدأ فَجْرَ ليَوْمٍ جَدِيدٍ)
ـ حِينَ كُنْتُ أَقُولُ لَكِ:
اعْرِفِي نَفْسَكِ،
ولَا تتوهي فِي مَنَاحِيرِ أَوْهَامِ وظِّلَالِ
عَيونِ الحَيَاة!
كُنْتِ تَنْفُضِينَ جَدَائِلَ غَدْرِكِ السَّوْدَاءَ جَانِباً،
وتَقْذِفِينَ بِقَلْبِ لَوْعَتِكِ..
فِي أحِضانِ لَيْلٍ خَرَاب!
(أَلَمْ أَقُلْ لَكِ..
إِنَّ أَحْلَامَكِ سَوْفَ تَذْوِي؟
وإِنَّ قُبُلَاتِكِ وأَسْرَارَكِ
فِي ظِلِّ طُغْيَانِ الخُضُوعِ..
سَتَذْهَبُ أَدْرَاجَ الرِّيَاح سَرِيعاً؟
أَلَمْ أَقُلْ لَكِ..
إِنَّ اللِّقَاءَ هُوَ قِمَّةُ جَبَلِ المستحیل
لَنْ تَصِلِي إِلَيْهِ أَبَداً
حَتَّى وإن انْتَعَلْتِ أَحْذِيَةِ حَدِيدِيَّةِ؟
أَوَلَمْ أَقُلْ
إِنَّ القُرْبَ هُوَ حُلْمٌ أَصْفَرٌ مُتَشَابِكٌ أيْضاً،
مُحَاطٌ بِسِيَاجٍ الحَيْرَةِ والتَّشَتُّت؟
أَلَمْ أَخبُرُكِ إِيَّاكِ أَنْ تَقْتَرِبِي مِنْهُ؟
كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكِ لَنْ تَعْبُرِيه،
ولَيْسَ هُنَاكَ طَائِرٌ..
يَحْلِقُ فِي سَمَاءِ ذَلِكَ المَكَانِ
لِتَتشبّثي بِقَدَمَيْه!)
ـ اللَّيْلَةَ أَنَا وَحِيدٌ،
ورَأْسِي المَثْقلُ بِالدُّوَارِ يَئِنُّ طَوِيلاً،
ودَوَّامَةُ الفِكْرِ..
تَخْلِطُ كَلِمَاتِي بَعْضَهَا بِبَعْض!
والحُلْمُ هُوَ ذَلِكَ السِّرُّ
الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِتَلَابِيبِ ثَوْبِي،
إِنَّهُ عُصْفُورٌ..
يَنْقُرُ بِمِنْقَارِهِ الحَادِّ بَوَّابَةَ أحِاسيسي!
ولَيْسَ ثَمَّةَ أَحَدٌ..
يَتَقَلَّبُ فِي جَحِيمِ هَمِّ قَلْبِهِ
كَمَا يَتَقَلَّبُ قَلْبِي!
لِيَحْتَرِقَ فِي لَهِيبِ
شَمْسِ عِشْقٍ مُقَدَّسٍ كَهَذَا، ثُمَّ يَظهرَ مِنْ جَدِيد،
حَتَّى يَحتضِنَ كِلَا القَلْبَيْنِ أحدهما الآخَرَ بِفَرْحَةِ العِنَاقِ،
وَيَذُوبَا إِلَى الأَبَدِ..
فِي رِحَابِ هَذَا العِشْقِ الجَلِيل!!
ــــــــــــــــــــــــــــــ

من ديوان (الهطول), طبعة (2012).

صالة العرض


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى