حين كبرتُ… تذكّرتُ النبوءة
إذن…
لنُعد إشعال القهوة،
ولنترك للفنجان
أن يفتح فمه الداكن
ويعترف بكلّ ما خبّأه العمر
في جيوبه السرّية.
جلستُ وحدي هذه المرّة،
لا نسوةَ يطرّزن الغيب بالضحك،
ولا شرفاتٍ تتدلّى منها الحكايات،
فقط أنا…
ودعاءُ أمي
يمشي في صدري
كأنّه نفسي الثاني،
وأكثرُ من ثلاثين عاماً
تجلس قبالتي
كقاضيةٍ صامتة.
سكبتُ القهوة،
فارتجفت يدي،
كأن الطفلة التي كنتُها
تشدُّ معصمي من الداخل
وتهمس:
كُفّي…
كان الليلُ أثقل من العادة،
وكان الفنجانُ
يشبه بئراً صغيرة
سقط فيها وجهي.
وفجأة…
خرجتِ من البخار،
أيتها العرّافة،
كأنكِ ماردٌ قديم
قرّر أن يصحو.
قلتِ لي:
كبرتِ إذن؟
وكان السؤال
سكيناً من حرير.
نظرتُ إليكِ
بعينين تعلّمتا السهر
حتى آخر الدموع،
عينين أرهقتهما الكتب
وأرهقتهما النظّارة،
لكنّهما
ما زالتا تخبّئان فراشةً
ترفض أن تحترق.
قلتِ:
أرى دميةً
لم تغادركِ كما ادّعيتِ،
أراها تجلس في صدركِ
وتخيط جراحكِ
بإبرةٍ من قطن.
أرى طفلةً
تنام في قلبكِ
كموقد حطبٍ منسي،
كلّما قسا العالم
اشتعلت
ومسحت عنكِ الغبار.
قلتُ لكِ:
علّميني… كيف أعود؟
أعود طفلةً
أرمي هموم العمر عند باب البيت،
وأغفو في حضن أمي
كأن العالم لم يُخترع بعد.
أركض نحو أبي
بضفائر من حنين،
بضحكةٍ لا تنكسر،
وبدمعةٍ لا تنزل
إلا لأنني دلّلت نفسي قليلاً.
ضحكتِ…
قلتِ:
لا أحد يعود.
فالزمن طريقٌ
لا يعرف الرجوع.
لكن يمكنه أن يتذكّر.
لا تبحثي عن الطفلة في المرآة،
فالمرآة خادعة.
ابحثي عنها
في دعاء أمّك،
في يد أبيك،
في لَمّة الإخوة حول موقد الجدّة،
حيث كان الشتاء أدفأ.
ابحثي عنها
حين تغفرين،
حين تبكين بلا سبب،
حين تشترين زهرة
لأنها تشبه حديقة بيتك القديم.
ثم همستِ:
كلُّ جميلٍ لا يذهب…
هو فقط
يبدّل شكلَه.
الدميةُ
صارت حلماً.
والحلمُ
صار حنيناً.
والحنينُ
صار قصيدة.
وأنتِ…
لم تكبري كما تخافين،
أنتِ فقط تعلّمتِ
أن تحملي العالم
بذراعين أكبر،
لكنّهما
ما زالتا
ذراعي تلك الطفلة
التي أرادت يوماً
أن تحمي دميتها
من السقوط.
