الأربعاء ٢٦ حزيران (يونيو) ٢٠٢٤
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

أزمة علم الاجتماع في مصر

التحديات النظرية والمنهجية والسياقية

يلعب علم الاجتماع، باعتباره فرعًا علميًا هاماً، دورًا حاسمًا في فهم ومعالجة القضايا المجتمعية. ومع ذلك، يواجه علم الاجتماع في مصر تحديات كبيرة تعيق تطوره وفعاليته. وتشمل هذه التحديات الضعف النظري والمنهجي، ونقص الإنتاج العلمي، والممارسات البحثية المتسرعة، والانفصال بين الدراسات السوسيولوجية والاحتياجات المجتمعية، وسيطرة المنظور النسوي الفردي الذي قد ينتقص من تحليلات أخرى أكثر شمولا وتنوعاً، وهيمنة الأساتذة والرقابة الأكاديمية.

نقاط الضعف النظرية والمنهجية

الأطر النظرية والدقة المنهجية هي العمود الفقري لأي تخصص علمي. في مصر، يعاني علم الاجتماع من نقص في التطور النظري القوي. وتميل العديد من الدراسات الاجتماعية إلى الاعتماد بشكل كبير على نظريات قديمة أو مستوردة لا تتوافق بالضرورة مع السياق المحلي. ويؤدي عدم التطابق هذا إلى تحليلات سطحية تفشل في فهم تعقيدات المجتمع المصري. ومن الناحية المنهجية، هناك فجوة كبيرة في استخدام تقنيات البحث المتقدمة. فغالبًا ما تكون الأساليب الكمية مبسطة، ويفتقر البحث الكيفي إلى العمق والدقة. وهناك حاجة ماسة إلى نهضة منهجية تتضمن أساليب مختلطة، ودراسات طولية، وأساليب متعددة التخصصات لتوفير فهم أكثر دقة للظواهر الاجتماعية.

ضعف المنتج العلمي

غالبًا ما يتم انتقاد الإنتاج العلمي للبحث الاجتماعي في مصر بسبب افتقاره إلى الأصالة والأهمية العملية. وتتسم العديد من الأوراق البحثية بالتكرار، وتكرر قضايا اجتماعية معروفة دون تقديم رؤى أو حلول جديدة. ويرجع ذلك جزئيًا إلى الضغط الذي يتعرض له الأكاديميين للنشر بشكل متكرر، مما يؤدي إلى تفضيل الكم على الجودة. بالإضافة إلى ذلك، قد تفتقر عملية مراجعة النظراء في المجلات الأكاديمية المحلية إلى المعايير الصارمة التي تظهر في المنشورات الدولية. فعملية نشر البحوث ما هى في النهاية إلا علاقات اجتماعية ربما تتم بمكالمة تليفونية سريعة بعيدا عن القراءة المتأنية والتقييم الصارم للبحوث المنشورة. ويؤدي هذا إلى قبول الأبحاث دون المستوى، مما يزيد من إضعاف الجودة الشاملة لإجمالي البحوث السنوية المنشورة.

سرعة كتابة البحوث

غالبًا ما تعطي الثقافة الأكاديمية في مصر الأولوية للنشر السريع على البحث الشامل. ويتم تشجيع العلماء على إنتاج أوراق متعددة بسرعة لتلبية المتطلبات المؤسسية أو تطوير حياتهم المهنية. وهذا الاندفاع يقوض عمق وجودة البحث، مما يؤدي إلى دراسات سطحية لا تصمد أمام التدقيق النقدي. إن ممارسات البحث المتسرعة تهدد سلامة البحث الاجتماعي، حيث يمكن للباحثين أن يتجاهلوا المتغيرات المهمة، أو يفشلوا في الانخراط بعمق في الأدبيات الموجودة. وهذا الاتجاه يقلل في النهاية من مصداقية وتأثير البحث الاجتماعي في معالجة القضايا المجتمعية. ولذلك من المضحك جدا أن نجد لهاث وراء موضوعات تافهة مثل دراسة الألعاب الالكترونية، أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو دراسة تغيرات الطقس والمناخ، أو الإنغماس في قضايا أخرى تافهة غير مؤثرة على الواقع الاجتماعي، في مقابل إهمال قضايا على درجة كبيرة من الأهمية مثل قضايا الفقر والتفاوتات الاجتماعية. وهو أمر يؤكد على غياب الرؤية المجتمعية الرصينة لأهمية العلم وارتباطاته المتجذرة في خدمة المجتمع.

الانفصال بين العلم والمجتمع

من أهم القضايا التي تواجه علم الاجتماع في مصر هو الانفصال بين البحث الأكاديمي والاحتياجات المجتمعية. وغالبًا ما تظل الدراسات الاجتماعية محصورة في الأوساط الأكاديمية ولا تترجم إلى سياسات قابلة للتنفيذ أو تدخلات اجتماعية. ويظهر ذلك بشكل واضح وفج من خلال عقد مؤتمرات وورش عامل تافهة، تهدف إلى إبراز الأساتذة، ومنحهم حق الكلام واعتلاء المنصات بدون وجود أي مردود حقيقي وعميق لمثل هذه الاحتفالات الصاخبة الرنانة. وترجع هذه الفجوة جزئيا إلى نقاط الضعف النظرية والمنهجية المذكورة سابقا، ولكنها تنبع أيضا من الافتقار إلى المشاركة مع صناع السياسات والممارسين وعامة الناس. ولسد هذه الفجوة، يحتاج علماء الاجتماع إلى اعتماد نهج أكثر تطبيقية، مع التركيز على القضايا الاجتماعية الملحة والتعاون مع مختلف أصحاب المصلحة لضمان تأثير أبحاثهم في التغيير الاجتماعي والتأثير المجتمعي العميق.

سيادة الشخصية النسوية

في حين قدم علم الاجتماع النسوي مساهمات شبه معقولة في فهم ديناميات النوع الاجتماعي والدفاع عن حقوق المرأة، فإن هيمنته على علم الاجتماع المصري يمكن أن تطغى أحيانًا على مجالات دراسية مهمة أخرى. وقد يؤدي التركيز على وجهات النظر النسوية إلى إهمال قضايا مثل عدم المساواة الاقتصادية، وعدم الاستقرار السياسي، والصراعات الثقافية التي لا تقل أهمية عن الفهم الشامل للمجتمع المصري. ويرتبط بذلك، الغياب التام للأيديولوجيا من البحوث النسوية، وهو أمر يجعل معظم البحوث تقتصر على مجالات جزئية جدا، لعل أبرزها ذلك التسويق الدائم لبحوث وسائل التواصل الاجتماعي، والإعلام القديم والجديد، مع إهمال القضايا الحيوية القومية التي نادرا جدا ما نجد تناولا نسويا لها. ومن الضروري اتباع نهج أكثر توازناً يتضمن وجهات نظر نظرية متنوعة ويعالج نطاقًا أوسع من القضايا الاجتماعية لتعزيز أهمية البحث الاجتماعي وتأثيره.

هيمنة الأساتذة والرقابة الأكاديمية

تتميز البيئة الأكاديمية في علم الاجتماع المصري أيضًا بهيمنة كبار الأساتذة الذين يمارسون سيطرة كبيرة على هذا التخصص. إن ثقافة السيطرة الأكاديمية هذه تخنق الابتكار والتفكير النقدي بين الباحثين الشباب. غالبًا ما يقوم الأساتذة بإملاء جداول أعمال البحث والمنهجيات والأطر النظرية، مما لا يترك مجالًا كبيرًا لوجهات نظر بديلة أو مناهج جديدة، ناهيك عما يدخل في دائرة الاستغلال الذي يصل للقيام بالكثير من الأعباء الخاصة بالتدريس، وربما القيام بمهام خاصة أخرى. هذا الهيكل الهرمي لا يشجع التنوع الفكري ويعزز الوضع الراهن، مما يعيق تطوير مجال اجتماعي دينامي وتقدمي. وهو أمر ربما يظهر من خلال عملية مضحكة تتمثل في تقليد الكثير من الطلاب لأساتذتهم، سواء في الكتابة أو الرطانة بأسماء نظريات لا يفهمونها، ناهيك عن تبعيتهم المطلقة أو المؤقتة لهم، التي ترتبط ارتباطا قويا بنقل الكلام، والخطاب المعسول، والمدح الزائف.

خاتمة

إن أزمة علم الاجتماع في مصر متعددة الأوجه، إذ تنطوي على عيوب نظرية ومنهجية، وضعف الإنتاج العلمي، وممارسات بحثية متسرعة، وانقطاع بين الأوساط الأكاديمية والمجتمع، وإفراط في التركيز على وجهات النظر النسوية، وهيمنة الأساتذة والرقابة الأكاديمية. ويتطلب التصدي لهذه التحديات بذل جهود متضافرة لتنشيط هذا التخصص من خلال الابتكار النظري، والدقة المنهجية، وتغليب الجودة على الكمية في الأبحاث، والارتباط الأقوى بالاحتياجات المجتمعية. ومن خلال القيام بذلك، يمكن لعلم الاجتماع المصري أن يحقق إمكاناته بشكل أفضل كأداة لفهم المجتمع وتحسينه.

التحديات النظرية والمنهجية والسياقية

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى