الثلاثاء ١٣ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

الشخصية في السرد القصصي بين الخيال والواقع

تتمثل الشخصية في السرد القصصي حجر الزاوية في البناء الأدبي، فهي الوعاء الذي تتجمع فيه الرؤية الفكرية، والمرآة التي تنعكس عليها تحولات الحدث، والوسيط الذي يمكّن القارئ من الغوص في عالم النص. ومن هنا، فإن اختيار الشخصية، سواء كانت مستلهمة من الواقع أو منبثقة من الخيال، ليس أمرًا اعتباطيًا أو مجرد قرار تقني، بل هو ممارسة فنية وفكرية واعية، تخضع لمجموعة من الاعتبارات التي تتصل بجو القصة العام، وباللغة، وبالإيقاع، وبالمنظور السردي الذي يتبناه الكاتب.

حين يستند الكاتب إلى الواقع في بناء شخصياته، فإنه لا يكتفي بنقل الواقع كما هو، ولا يستنسخ الأشخاص بدقة مفرطة، بل يخضعهم لعملية إعادة تشكيل سردية دقيقة. فالشخصية الواقعية في النص ليست صورة فوتوغرافية جامدة، بل كيان يُعاد بناؤه، تُنتقى ملامحه بعناية، ويُبرز بعض سماته ويُخفى أخرى بما يخدم منطق النص وغاياته الفنية. فالكاتب لا يسعى إلى الحقيقة الواقعية فحسب، بل إلى الحقيقة الفنية التي تُقنع داخل النص، حتى لو خالفت الواقع الخارجي. ومن هذا المنطلق، قد تبدو الشخصية المستمدة من الواقع أكثر وضوحًا وكثافة من شخصيتها الحقيقية، لأنها صُفّيت من التفاصيل اليومية وأُعيد تشكيلها وفق متطلبات السرد.

على الجانب الآخر، لا تنفصل الشخصية المتخيلة تمامًا عن الواقع، مهما بلغت غرابتها أو رمزيتها. فالخيال يغذي نفسه من التجربة الإنسانية، ومن الذاكرة الفردية والجمعية، ومن الصور المتراكمة في الوعي واللاوعي. فالشخصية الخيالية غالبًا ما تمثل إعادة تجميع لعناصر واقعية مفككة، لتُصاغ في هيئة جديدة أكثر قدرة على التعبير عن القلق الإنساني، أو الأسئلة الوجودية، أو التوترات الاجتماعية، أحيانًا بشكل أكثر تأثيرًا من الشخصية الواقعية المباشرة.

ويكمن التحدي الأكبر في كيفية انسجام الشخصية، واقعية كانت أم خيالية، مع الجو العام للقصة. فالجو السردي ليس مجرد خلفية، بل هو مناخ شامل يضم الزمان والمكان واللغة والإيقاع، وتتفاعل الشخصية داخله بوصفها جزءًا عضويًا منه. فشخصية تنتمي إلى عالم كابوسي أو سرد غرائبي لا يمكن أن تُبنى بنفس أدوات الشخصية الواقعية في سرد اجتماعي مباشر. لكل نص منطق داخلي، ولكل جو لغته الخاصة، وعلى الشخصية أن تتنفس من هذه اللغة وتتحرك وفق إيقاعها.

إن عدم الانسجام بين الشخصية والجو العام للقصة يؤدي إلى خلل فني واضح، مهما كانت الشخصية مصممة بعناية. فقد تبدو زائدة عن الحاجة، أو مصطنعة، أو دخيلة على العالم السردي. لذلك، يحرص الكاتب الماهر على أن تنبع الشخصية من صلب الجو القصصي، وأن تكون امتدادًا طبيعيًا له، لا عنصرًا مفروضًا عليه. فالشخصية ليست كائنًا مستقلاً عن النص، بل هي نتاج تفاعل مستمر بين الرؤية واللغة والبناء الفني.

كما يرتبط اختيار الشخصية ارتباطًا وثيقًا بالمنظور السردي. فالشخصية التي تُعرض من الداخل، عبر وعيها وهواجسها وتداعياتها، تختلف جذريًا عن تلك التي تُقدَّم من الخارج بوصفها موضوعًا للملاحظة. وفي كلتا الحالتين، يتحدد شكل الشخصية وعمقها بما يسمح به هذا المنظور. فالسرد الذاتي يفتح المجال أمام شخصية ملتبسة، مترددة، مليئة بالتناقضات، بينما قد يميل السرد الخارجي إلى تقديم شخصيات أكثر ثباتًا ووضوحًا.

ولا يمكن إغفال البعد الرمزي في بناء الشخصية، خاصة في السرد الحديث. فالشخصية قد تتجاوز كونها فردًا لتصبح علامة، أو تمثيلًا لفكرة، أو تجسيدًا لحالة وجودية أو اجتماعية. وفي هذه الحالة، يتراجع السؤال عن واقعيتها أو خياليتها لصالح سؤال آخر أعمق: هل تؤدي وظيفتها داخل النص؟ وهل تنسجم مع أفقه الدلالي؟ فالشخصية الرمزية لا تُقاس بمعايير الواقع، بل بقدرتها على إنتاج المعنى وفتح النص على تأويلات متعددة.

ومن الزوايا الحديثة في دراسة الشخصية السردية، يكتسب الجانب النفسي والاجتماعي أهمية متزايدة. فالبنية النفسية للشخصية ليست مجرد امتداد لذاتها، بل تتشكل أيضًا من التفاعلات الاجتماعية والضغط البيئي المحيط بها، حتى وإن كانت خيالية. هذا يعني أن السرد الناجح لا يقتصر على تصوير الشخصية في إطار الحدث فقط، بل يشتمل على استكشاف دوافعها، وصراعاتها الداخلية، وتأثير محيطها على قراراتها وأفعالها، مما يمنح النص بعدًا إنسانيًا أكثر عمقًا ويجعله أقرب إلى تجربة القارئ.

ويمكن القول إن التمييز الصارم بين الشخصية الواقعية والشخصية الخيالية يبقى إجراءً تنظيميًا أكثر منه جوهريًا. فالشخصية السردية، في جوهرها، كائن نصي يعيش فقط داخل اللغة، ويكتسب شرعيته من انسجامه مع العالم الذي ينتمي إليه. والكاتب المبدع يدرك أن اختيار الشخصية ليس مجرد سؤال عن مصدرها، بل عن وظيفتها، وانسجامها مع الجو العام، وقدرتها على أن تكون حية ومؤثرة داخل النص، سواء كانت مستمدة من الواقع أم من الخيال.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى