الجمعة ٣١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٢١

الشعر الحساني.. واختراق حرمة الجسد الأنثوي

عبد الحكيم بوغدا

تمهيد

جاء الشعر الحساني غنيا بتيمة التغزل بالمرأة ورصد خبايا جسدها بمختلف مكوناته، هكذا حضرت المرأة إما في مقدمات القصائد الحسانية أو كموضوع رئيس لها، فتغزلوا بها تارة ومدحوها ووصفوها تارة أخرى، فتغنى بها هذا روحاً ووجداناً، وتغنى بها الآخر جسداً فوصفوها بأجمل الأوصاف. لكن نشير إلا أن هذا التغزل والوصف والمدح لم يكن في الغالب الأعم ليخرج عن قيم المجتمع الحساني، إذ يظل الشاعر محتفظا في شعره بصورة المرأة المثال كما هي في الوجدان الجمعي للمجتمع الصحراوي عامة، محترما بذلك قيم وأسس هذا المجتمع من جهة، ومتغزلا بمحبوبته من جهة ثانية، إذ يقتصر في الوصف على الأطراف الظاهرة كالوجه ومكوناته والأطراف والشعر وهيئة الجسد، أي ما لا يستره اللباس، آنفين عن الخوض في ما لا يمكن للعين المجردة رؤيته. قال الشاعر خطاري ولد المجاهيد:

عَيْنِي مَلتْ اتْغَيوِينِي
لاَبُد لَكْ مَنْ تَعْمِيهَا
مَا تَوْكَفْ كُونْ عْلَ عَيْنِي
ولاَ تَكْعَدْ يَكُونْ عْلِيهَا
ولْعَيْنْ أَضْعَفْ منْ دِيكْ لْحَالْ
مَانَلاَّ مَا تَحْمَلْ مثْقَالْ
ذَرَّةْ مَنْ شِي لاَهِي يَنْكَالْ
عْلِيهَا وْشْكَالْ عْلِيهَا
لَوْكُوفْ أُلَكْعَادْ الكَيالْ
عْلِيهَا وْتَّكِّي عْلِيهَا

تسببت عينا الشاعر في إغرائه، كيف ذلك؛ إذ لمح لوجود فتاة ما تحاول إصابته بالعمى، لأنها لا تجلس ولا تقف إلا عليهما وهما ضعيفتان ولا تحتملان، وهذا كناية عن أن الشاعر من شدة حبه للفتاة لا يرى سواها، ولا تجلس أو تقوم إلا أمام ناظريه. الشاعر محمد بن أحمد يوره بدوره عبر عن حبه لفتاة ما قائلا:

مَزَّلْتْ إِلَرَادْ الجَوادْ
انْخَلِّ عَزَّتْ عَرَّادِ
لَوْلاَدِ ويخَلُّوهَ زَادْ
أَوْلاَدِ لَوْلاَدْ أَوْلاَدِ

في البيتين تعبير عن عمق ما يكنه الشاعر لمحبوبته من العشق والهوى، حتى أصبح سجية وطبعا فيه يرثه عنه أولاده وأحفاده.

نقطة هامة لابد من التذكير بها، هي التشابه والتوارد الكبير بين صورة المرأة في الشعر الحساني ونظيرتها في الشعر العربي القديم، وفي ذلك العديد من الدراسات ووجهات النظر، التي أرجعت الأمر إلى التشابه الكبير بين البيئتين الصحراوية والعربية القديمة في شبه الجزيرة العربية من مختلف النواحي. فمما ألِفْنَا مصادفته في أوصاف الشعراء العرب لحبيباتهم، تلك الصورة التي تكاد تكون مثالية وموحدة، بحيث تشكل من حولها هالَةً من الجمال العبقري البديع، فكأننا نقرأ من خلال هذا البيت أو ذاك شعراً لابن الحراق أو لابن عربي، أو لسواهما من شعراء التصوف، لا لشاعر عربي قديم عاش في مجاهل الصحراء ومطاوي الرمال وأوائل الأزمان.

ومن ذلك تمني أحد الشعراء العرب قديما وجود قلبين في جوفه ليعيش بواحد وينذر الثاني للحب:

لَو كانَ لي قَلبانِ عِشتُ بِواحِدٍ
وَخَلَّفتُ قَلباً في هَواكِ يُعَذَّبُ

بينما اكتفى الشاعر العربي بما يضمن له العيش فقط وأنذر الباقي لمحبوبته؛ الشاعر الحساني محمد بن أبنُ خالفه في ذلك، إذ لا يعتزم تسليم قلب واحد فقط لمحبوبته، لكنهما جميعا لها تقديرا لحبها:

لكَلْبْ أَلاَّ وَاحْدْ مْسكِينْ
ولهِنْدْ فَر اعْلَ كَد
وِيلاَ قَدَّرْنِ عَادُ اثْنَيْنْ
يْعُودُو لَّثْنَيْنْ لْهِنْدْ

من ذلك أيضا حب الشاعر محمد حُرمة ولد ميلود كل ما تعلق بالمحبوبة ولو كان كارها له في قوله:

لعْكَلْ ابْغَ بِيهْ لْغيوَانْ
عَز مُحَال عْلِيهْ تْفُوتْ
بْغِيتْ السييدَ وَامَانْ
واحْمَدُّوا مَنْ عَزَّتْ عَيْشُوتْ

متناصا في المعنى مع قول الشاعر العربي:

فلا تكثروا فيها الملام فإنني
تخيرتها منهم زبيرية قلبا
أُحِب بَني العَوَّام من أجل حُبِّها
ومن أجلِهَا أحببتُ أخوالها كَلْبا

في تناص بديع آخر بين الشعرين العربي والحساني، جعل شاعر حساني محبوبته إماماً له في تحد للشعائر الدينية التي تحضر على المرأة إمامة الصلاة، وذلك تعبيرا عن شدة تعلقه بها من جهة ودرجة فتنتها من جهة ثانية:

وَمْنَادْمْ لَصَلَّى
أُوكَفْتِي كْدَّامُ
أَيْمَامُو يُخَلَّى
وَيْوَاسِيكْ أَيْمَامُ

أي أنه إذا صلى وراء إمام فوقفت حبيبته أمامه، تخلى عن إمامه ويمم صوبها، وهذا يذكرنا بقول قيس بن الملوح:

أراني إذا صليت يممت نحوها
بوجهي وإن كان المصلى ورائيا

كيف تناول الشاعر الحساني إذن صورة المرأة وتفاصيل جسدها في شعره؟ وما مقدار تأثرهم بالشعر العربي القديم في هذا المجال؟ هذا ما سنحاول كشفه ورصد خباياه في قادم المقالة.
وصف تفاصيل الجسد الأنثوي في الشعر الحساني

لا يخفى على كل مهتم بثقافة الصحراء قيمة المرأة المكتنزة الجسم داخل المجتمع، فإلى عهد قريب احتلت صورة المرأة الجميلة ذات القوام الممتلئ مكانة هامة في مخيلة الإنسان الصحراوي بشكل عام المخيلة الشعرية بشكل خاص، فـ(من أهم القيم الجمالية تلك المتعلقة بقوام المرأة الذي يصفونه مثلا بقولهم "زينَ جَفْتْهَ" أي دقة الخصر وضمور البطن). فالجسد المكتنز هو المسوغ والعامل الأول والأهم والحاسم في جمال المرأة الصحراوية، خصوصا وأن (إدراك ما في قوام المرأة من جمال لا يكلف الرجل كثيرا، لأن المرأة مهما حرصت على إخفاء مفاتنها ومداراة جمالها، فإنها لا تستطيع أن تخفي ذلك في قوامها، والرجل العربي يرى جمال القوام في امتلائه فإذا كانت المرأة كذلك فقد تحقق نصف جمالها أو أكثره). وحتى في العديد من الثقافات الإنسانية نجد اهتماما بالجسد خصوصا منه الأنثوي، سواء من الناحية السيكولوجية أو الفلسفية أو الفينومينولوجية أو الدينية أو الأنتروبولوجية وغيرها.

وفي لسان العرب: (الجسد جسم الإنسان ولا يقال لغيره من الأجسام المغتذية... والجسد البدن)، وردت في هذا التعريف ثلاثة مكونات هي: الجسد والجسم والبدن، ميز الباحث فريد الزاهي بينها بأن الجسم هو الجسد الذي يتآلف مع كل الأجسام الأخرى، بينما البدن هو الجسد اليومي الخاضع لقوانين وسنن التواصل الاجتماعي، فيما الجسد هو الجسد الشخصي الذي يوجد به الكائن في العالم.

ويُعتبر الصدر من مقومات جمال الجسد الأنثوي ومؤسس له، والنموذج الذي بين أيدينا لشاعر حساني خفق قلبه لجمال صدر حبيبته، فينذر أن كل صعب في سبيل لقائها يصبح سهلا لا محالة، ولابد له من تحقق هذا اللقاء مهما كلفه الأمر من مشقة وطول انتظار:

مَنْ رِّيمْ لِّي زَيْنْ صْدَرْهَا
نَالْ لقَلْبْ مَنَالْ
لاَبُدْ لِي منْ نَجْبَرْهَا
قَصُرَ الدَّهْرُ أَمْ طَالْ

عشق مجتمع الصحراء قديما للجسد الأنثوي الممتلئ؛ دفع به لاستحداث العديد من الطرق والتقنيات التي تساهم في تسمين الفتيات خصوصا المقبلات على الزواج، فيما سمي بـ"التبلاح" أو "لبلوح"، إذ تسعى غالبية الفتيات في الصحراء لدخول تلك التجربة ولو كانت كارهة لها في البداية نظرا لقساوة التقنيات المستعملة فيها، لأنها ثقافيا تحب أن يكون لها جسد ممتلئ نوعا ما، كي تكون مرغوبة فيها داخل المجتمع الرجولي الصحراوي، وكي تكون في مرمى سهام المحبين والخُطاب والشعراء أيضا، إذ يمكن القول إنها لا تشعر بأنوثتها إلا بعد امتلاء جسدها، ومن ثم؛ كان الشاعر يُقدم المرأة البدينة على أنها المرأة النموذج المثال، ويُقْدِمُ على تصوير أعضائها البارزة بسبب هذا الامتلاء، قال الشاعر:

حَدْ نَّعْمَة لَشَافْهَا
فَيَّامْ تْعُودْ مْلاَنَه
يَجْبَرْ يَاسْرْ فَطْرَافْهَا
منْ نْعَايْمْ مُولاَنَا

اعتبر الشاعر في ما سبق البدانة دليلا على نعم الله على المرأة من خلال امتلاء أطرافها، مما يؤشر على المقام العالي لعائلتها داخل المجتمع، من هنا تقررت بعض المسلمات كقياس غنى ومكانة العائلة داخل المجتمع بدرجة اكتناز جسد ابنتها، والعكس صحيح، فالنحيفة أو النحيلة دليل على فقر وحاجة أهلها. ونلاحظ في "الگَافَيْنِ" السابقين ربطا بديعا من الشاعر بين خصوبة المرأة وخصوبة الأرض، إذ أن مفردة "النعمة" تحمل معنيين: الأول اسم علم لفتاة، بينما الثاني اسم لموضع في أرض خصبة، وبهذا تلتقي الأرض الخصبة التي تمتاز بنعم وافرة، بالمرأة البدينة التي تتجلى في بدانتها مظاهر تلك النعم.

ليس هذا قصرا على مجتمع الصحراء، فقد قلنا آنفا أن البيئة الصحراوية في شمال أفريقيا متشابهة إلى حد كبير ببيئة صحراء شبه الجزيرة العربية، فالعقل الذكوري العربي أيضا ربط بين اكتناز جسم الفتاة وبين الفتنة والجمال، (فالسمنة ارتبطت في أذهان البعض بالأنوثة لقدرتها على توضيح المعالم الجنسية للمرأة لدرجة أن هناك قصة طريفة تقول إن مهر المرأة كان يعادل وزنها إذا زاد الوزن زاد المهر، وبجانب هذه العلاقة بين الأنوثة والامتلاء كان البعض أيضا يعتقد بأن السمنة مصدر للصحة ووقاية من الأمراض ومدلول على المركز المالي للأسرة).

إن هذا التركيز على الجسد الأنثوي الممتلئ مرده مفاهيم اجتماعية وثقافية متوارثة، فظلت بذلك صورة الجسد المكتنز أول ما لفت انتباه شعراء الصحراء في وصفهم وتغزلهم بالمرأة، ولجأ من ثم الشاعر الحساني إلى تجسيد جمال ذاك الجسد بالارتكاز على أعضائه. قال الشاعر بوراس خليفة:

مَا تْلِيتْ نْجِي لْلْغَيْدَاتْ
أُولاَ يَحْجَلْهَا لِي تْخْمَامْ
كُونْ وَحْدَة منْهُمْ رَبَّاتْ
تَايْبْ لْمُولاَنَا لحْمَامْ
كُونْ وَحْدَة مَحْزَمْهَا زَيْنْ
كُون وَحدة فِيها ثْنْتَيْنْ
كون وحدة تَزْهَه لْلْعَيْنْ
فَالْحَه وْتْغَشْ تَّبْسَامْ
غَاشْتُو بْزْرَاكْ سْنَّيْنْ
أُغَاشْتُو بْزْرَاكْ نِّيبَانْ
أُغاشْتُو بْرْكْبَه شْبْرَيْنْ
أُغاشْتُو بَبْلِيسْ فْلَكْلاَمْ

أفلح الشاعر في هذه "الطلعة" في وصف الفتاة التي استهوته، فهو لن يغازل من بني حسان ولن يفكر في ذلك إلا الفتاة ذات النهدين الممتلئين والخصر الجميل، وتعادل فتاتين في بدانتها، ونزهة للعين وجميلة وابتسامتها ساحرة ببياض أسنانها وأنيابها، وجمال رقبتها وعذوبة حديثها، زيادة على أن تبخثرها في المشية دليل على منتهى الأنوثة والجمال، فالمعلوم أن المشية من أساليب الغواية: (فالمرأة تلتوي حتى في مشيتها لغواية الرجل وإثارة انتباهه إلى جسدها). نتيجة لذلك؛ أقصت "الطَّلْعَة" السابقة كل الفتيات اللائي لا تتوفر فيهن الشروط التي وضعها صاحبها للفتاة المثال، وأهمها شرط امتلاء الجسم، ففيه كفاية لتكون الفتاة جميلة مع عدم إغفال عذوبة الحديث وطريقة المشي.

إن الشاعر برسمه لتلك الصورة المثال للجمال الأنثوي، إنما ذلك محاولة منه لتحديد مقومات ذلك الجمال انطلاقا من ذهنية وذوق مجتمعه. ويبدو أن الشاعر باه النعمة مقيدٌ بالذوق ذاته، فهو كالآخرين يرى صاحبته مكتنزة تمشي مشية متثاقلة، فيتأملها بعين المعجب المتلبّث حيث قال:

غِيرْ آنَا يَا شيخْ تَّرَّادْ
مَانِي مْتْخَيَّلْ مَنْ لَشْبَاحْ
يَكُونْ أَنِّي شَفْتْ لعَرَّادْ
تَمْشِي طَاحْ أُو تَمْشِي مَاطَاحْ

لمح الشاعر فتاة مثل شبح تمشي مشية متثاقلة كأنها على وشك السقوط نظرا لامتلاء قوامها، مما جعلها تمشي مشية متبخترة ومائلة تكاد تسقط معها، فهي بتلك المشية المثقلة تغري القلوب، وتعكس غنى ورفاهية أهلها حسب ما هو معتقد.

والشعراء إذ يصفون مشية النساء المتبخترة المتمهلة، كأنهم يحركون جسدا جميلا صنعوه بكلماتهم وأوصافهم، فيتكامل جمال الصورة والكلمة مع جمال الحركة والجسد، ويتعانقان في انسجام بديع، ويكوِّنان هذا المشهد الخلاَّب. فهن في تمايلهن يشبهن العيدان الطرية الناعمة التي تهزها الريح بلطف ورعاية. قال الشاعر حديدي سلامة وهو يشاهد سمات الجمال في فتاة أثارت به غيرة باقي الفتيات:

شَفْتْ زِّينْ أُو شَفْتْ حْرُوفُو
عَنْدْ مْنِينْ لغِيدْ إِغِيرُو
والله ألاَّ زِينْ اوْكُوفُو
وَزْيَنْ مَنْ ذَاكْ تْمَيْرِيرُو

وقفة هذه الفتاة حسب الشاعر جميلة والأجمل منها مشيتها المتثاقلة، ووصف المشية المتثاقلة بالفتنة والجمال أمر محبذ لدى الشعراء العرب، فركزوا عليه في وصفهم لها، قال الأعشى في ذلك:

غراءُ فرعاءُ مصقولٌ عوارضها
تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحِلُ
كأن مِشيتها من بيت جارتها
مرُّ السَّحابةِ لا ريث ولا عجلُ
يكاد يصرعها -لولا تشددها-
إذا تقومُ إلى جاراتها الكَسَلُ

لا نكاد نتبين وقفة المرأة المكتنزة من مشيتها من سقطتها حتى، وفي هذه الصورة رسم لمكانة المرأة المتميزة بالنعمة والرفاه والجمال والخصوبة في آن. إن الشاعر الحساني برسمه لصورة المرأة البدينة في ذهنه كصورة مثال للمرأة الجميلة، إنما يرسم فلسفة الشاعر ونظرته للمثال النسوي الذي يتوافق مع ثقافة مجتمعه، وكأني به يعيد رسم الصورة التي رسمها سلفه حول المرأة في ما يخص البدانة، فقد أفرط هذا الأخير في تعظيمها ومدحها، ومن أمثلة ذلك قول الشاعر عمرو بن كلثوم في وصف فتاة سمينة طويلة القامة تنهض في تثاقل نظرا لسمنة أعجازها:

ومَتْنَيْ لَدْنَةٍ سَمَقَتْ وطالتْ
رَوادِفُها تَنُوءُ بما وَلِينَا

لقد دأب بدو الصحراء على العيش في القفار والفيافي والصحارى الفسيحة والممتدة، فتربوا على الشساعة والضخامة والقوة والحيوانات السمينة والمكتنزة كالجمال والنوق، وبذلك فهم يرون في امتلاء المرأة واكتنازها مقياساً للحسن والجمال. وقديما قال الجاحظ: (رأيت أكثر الناس من البصراء بجواهر النساء الذين هم جهابذة هذا الأمر يقدمون المجدولة، والمجدولة من النساء تكون في منزلة بين السمينة والممشوقة، ولابد من جودة القد ومن الخَرط واعتدال المنكبين واستواء الظهر، ولابد من أن تكون كاسية العظام بين الممتلئة والقضيفة). وقالت في ما مضى فتاة حسناء من أهل بغداد تدعى سلمى بنت القراطيسي متغزلة بنفسها:

عيون مها الفتاة فداء عيني
وأجياد الظباء فداء جيدي
أزين بالعقود وإن نحري
لأزين للعقود من العقود
ولا أشكو من الأوصاب ثقلا
وتشكو قامتي ثقل النهود
ولو جاورت في بلد ثمودا
لما نزل البلاء على ثمود

تَفَنَّنَتِ الفتاة في وصف عينيها وكذا نحرها وبدانتها التي لا تشكوا منها مطلقا، بل كانت ستكون السبب في رفع البلاء عن "ثمود" لو جاورتهم. تماما مثل تفنن فحول الشعراء العرب في وصف جسد المرأة والتدقيق في كل تفاصيل مكوناته، إذ شكل الجسد الممتلئ السمين صورة تكاد تكون مهيمنة ونموذجا تغنى به الشعراء، فالسمنة تستر كل عيب في المرأة وتبدي محاسنها.

ومقابل هذا الإعجاب الشديد بالمرأة الممتلئة الضخمة الأوراك والأرداف؛ كانت المرأة الرسحاء النحيفة مجال سخرية وهجاء. والمرأة الرسحاء هي المرأة التي تكون عجيزتها غير بادية أو ظاهرة لنحافتها وضعفها، وكانوا يعيرون النساء بالتدليس، وهو تغطية هذا العيب بارتداء بعض الملابس التي قد تساعد على إخفائه، كما كان شعراء الصحراء لا يعيرون اهتماما للمرأة الضعيفة والواهنة.

الأطراف من بين أبرز مكونات الجسد المظهرة لبدانة المرأة كالردفين والفخذين، لهذا أفرد لها الشاعر الحساني قسطا كبيرا من أشعاره، خصوصا الساق أو "الصَّاكْ"، فهذا الأخير (يحظى بدوره بقيمة كبيرة لدى إنسان الصحراء الذي يجد فيه معيارا ملموسا لجمال المرأة، ذلك أن الساق الغليظة والممشوقة في ثقافة وفكر إنسان الصحراء تعادل الذهب النفيس)، مصداقا لقول المثل الشعبي: "فْلاَنَه عْلِيهَ صَاكْ أَلاَّ ذْهَبْ" أي أن ساقها في جماله شبيه بالذهب في جماله وروعته، وفي ذلك قال الشاعر بوراس خليفة:

عَنْدَكْ صَاكْ أَخْفَكْ لَرْمَاكْ
أُو عَنْدَكْ وَرْكْ مْعَ لْفَخْذ فْشْرَكْ
وْلْعَدَّلْ عَنْدِي ذَاكْ صَّاكْ
شَرْكْتْ ذَاكْ لْفَخْذْ مْعَ لورْكْ

يتحدث الشاعر عن فتاة تخفق العيون لجمال ساقها واشتراك الوركك مع الفخذ، فالمرأة الجميلة هنا هي الممتلئة الأطراف السفلية. هكذا يكون الشاعر قد رسم صورة المرأة الجميلة من خلال امتلاء أطرافها السفلية أي الرجلين.

وتأمل الشعراء ساقي المرأة، وغرقوا في مواصفات جمالها وفتنتها، وفصلوا في أجزائها من أخمص القدم إلى أعلى الساق، واستكثروا من الصور، وكانت النتيجة الإجماع على جمال السيقان الممتلئة البيضاء الغضة التي تشبه الغصون النضرة الخضراء، قال أحدهم:

حَدْ فْلَبْلاَيَا هَاكْ شَاعْ
يَا سَعْدْ أَمْنَادْمْ صَاكُو
شَوْرْ لحَبْسْ إِلِينْ كَاعْ
يَكْلَعْ شُوكُو مَنْ صَاكُو

والمعنى أنه توجد فتاة في "لَبْلاَيَا" ذاع صيتها فما أسعد من ساقها إلى السجن وأشفى غليله من ساقها، فيضرب بذلك عصفورين بحجر واحد، ونلحظ الجناس التام الرائع الذي أنهى به الشاعر كلا البيتين، فـ"صَاكُو" الأولى من سَاقَهُ أي اقْتَادَهُ وقد قُلِبت السين صادا، و"صَاكُو" الثانية معناها السَّاق أي سَاقُهُ وقد قُلِبت السين صادا أيضا. وترتدي المرأة في الصحراء عادة الخلاخل في رجليها، وذلك بغرض الزينة، ويستحب في الساق أن تكون ممتلئة حتى تقيد حركة تلك الخلاخل.

الأمر نفسه ينطبق على الأطرف العليا أي اليدين، فقد ظفرت الأيدي باهتمام الشعراء، واتفقوا كما في وصف الأرجل على جمال الأيدي الممتلئة البيضاء، والأنامل الغضة المزينة بالحناء، فنقرأ في شعر لبوراس خليفة:

لَيْدِينْ إِلَى عَادُوا زَيْنَاتْ
يَسْوَ يَكْبَظْهُمْ حَدْ أَمِينْ
وِلَعَادُوا مَاهُمْ زَيْنَاتْ
لْلْفُقَرَا وَلْمَسَاكِينْ

وقال في موضع آخر:

أَمْنَادْمْ شَافَكْ فَزَوَانْ
مكَترتَاتْ أَيْدِيكْ الثَّنْتَيْنْ
يَعْرَفْ عَنْ فِيكْ شَّيْطَانْ
مْدَوَّبْ فِيهْ لَّعِينْ

معنى البيتين الأولين أن اليدين إن كانتا جميلتين فهما من نصيب من هو أمين وكريم، بينما إن لم تكونا كذلك فهما من نصيب الفقراء والمساكين، فيما قرن الشاعر في البيتين الأخيرين بين جمع الفتاة وضمها ليديها بعضهما البعض بطريقة جميلة، وبين الشيطان أو إبليس الذي يسكنها. مناسبة هذين البيتين تواجد الشاعر في حفل غنائي بمعية محبوبته، وقد استهوته طريقة ضمها ليديها وتخضيبهما بالحناء وارتداء الخواتم، مشيرا فيهما إلى الشيطان الذي هو دليل ورمز للسحر والفتنة والغواية.

لم يقف الشاعر الحساني عند هذا الحد، بل واصل التقصي عن كل ما يجلب النظر في الفتاة، معبرا عن شغفه وتفانيه وهيامه في الحب والعشق، ولا شك أن الموهبة والقريحة الشعرية التي يتميز بها ساعدته في ذلك، فبرع في الوصف، ولعل الشاعر حمادي ولد لمين ممن ساعدتهم قريحتهم الشعرية في ذلك، وطاوعتهم الموهبة في الوصف الدقيق حين قال:

يَدَاكْ لاَ شُلَّتْ وَمِينْ
يَا لْخْوَيْدَمْ مَنْتْ لَمِينْ
أَزْيَنْ حَنَّتْهُمْ مَنْ لَيْدِينْ
لحَر لَرَجْعتْ وانْحَلَّتْ
تْحْفَالكْ عَنْدِ بلْمَثْلَيْنْ
وَلاَّ يَا لْخْوَيْدَمْ دَلَّتْ
وآنَ مَنْ نَفْسِ بَعْدْ نْكُولْ
عْلَى أَنَّكْ زَيْنْ عَنْدَكْ سَلَّتْ
رَكْبَة وْتْصَايْحْ وْفْصُولْ
وتَنْغَديكْ ضَّحْك وحَلَّتْ

كما فعل من قبله؛ الشاعر ولد لمين أيضا بطلعته هاته وصف بدقة وروعة الحناء في يدي حبيبته "لْخْوَيْدَمْ" إبنة "لَمِينْ"، طالبا من الله ألا تشل يداها المخضبتان بالحناء، ويذكر في الأخير أن الفتاة تعلم بحبه لها، ولم يقف الشاعر حمادي عند هذا الوصف، بل أقر على أن جمالها يتجسد في طول عنقها وتمايلها أثناء المشي وقدها الجميل وفمها الغني عن كل وصف. وبالعودة إلى الشعر العربي القديم؛ فقد وصف العرب قديما استعمال المرأة العربية لمادة الحناء لصبغ الأيادي والأرجل، وأولى الإشارات ورودا عن الحناء، قول امرئ القيس:

كأنك دماءَ الهاديات بنحره
عُصَارَة حِنّاءٍ بشَيْبٍ مُخَضَّبِ

واستمرارا لسلسلة الاعترافات الغزلية؛ يأتي نص شاعر آخر أُعْجِبَ بساق فتاة ما ولِفِتْنَتِهِ نظم فيه شعرا نذكر منه:

صَايْكْنِي صَاكْ أُكَايْدْنِي
ومْغَيْوني ومْهَدَّدْنِي
يَطْرَحْنِي عَادْ أُيَرْفَدْنِي
بلْخَزْرَاتْ أُمُولاَتْ صَّاكْ
تْوَكَّفْنِي وتْكَعَّدْنِي
يَاكْ تْكَزْ عْلَي لَخْنَاكْ
بصَّاكْ لْفِيهْ لَيْعَاتْ
صَاكْ لَعِينْ ولخلاكْ الصَّاكْ
يَزْدَفْ لَخْلاَكْ ومُولاَتُ
كِيفْ صَّاكْ تزدفْ لَخْلاَكْ

فتنة وجمال الساق جعلتا الشاعر تابعا لصاحبته تفعل فيه ما تشاء، تُوقفه وتجلسه متى تشاء. هكذا رأينا في أن الأطراف شكلت وحدة جمالية لا غنى للمرأة الصحراوية عنها، نتيجة لذلك؛ لم يستطع شعراء الصحراء الإفلات من نموذج الوصف الجمالي السائد.

أما الوجه؛ فقد طال وقوف الشاعر الحساني عند مقومات جماله وحسنه، فهو الجزء الأبرز والأفتن في المرأة ككل، (ولهذا أُمِر النساء بستر وجوههن عن الرجال، فإن ظهور الوجه يسفر عن كمال المحاسن فيقع الافتنان). فشبهه الشاعر بالنهر الفرات العذب الذي يروي ظمأه ليمنحه المتعة والراحة بعد ذلك، تماما كما في قول أحدهم:

يَا مَرْيَمْ بَاشْ كْتَلْتِينِي
عَدْتِ لِي نَوْماً سُبَاتاً
وَلاَ منْ مَاءْ يَسْقِينِي
وَجْهَكْ عَذْباً فُرَاتاً
عَيْنِي عَنْ غيرَكْ مَشْرُومَ
أُو وَذْنِي عَن غِيرَك مَكْلُومَ
وْكْتَلْتِينِي إِلِينْ اليُومَ
عِظَاماً عَتْ رُفَاتاً
غِيرْ نْجِيكْ نْسَارْعْ يَوْمَ
يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً

تَحَدَّثَ الشاعر في "الطلعة" السابقة عن فتاة اسمها مريم، وعن وجهها الذي يُسْقى منه الماء عذباً فُراتاً، فعينيه من غيرها عمياء وأذنه خرساء، بل إنها قاتلته التي حولت عظامه رفاتا، لكن يوم يصدر الناس أشتاتا سيسارع إليها حتما، ونلاحظ أن الشاعر ضَمَّنَ "طلعته" عبارات قرآنية في اقتباس بديع للنص القرآني. وبالحديث عن التناص؛ فقد مال العرب قديما إلى الوجه الصافي النقي والذي يكسوه اللون الأبيض المائل إلى السمرة، وعبروا عن ذلك كله بكلمة "أدماء" والأدمة تعني السمرة، والأديم هو ظاهر الأرض، قال زهير بن أبي سلمى:

فأما ما فُوَيْق العقد منها
فمِن أدماءَ مرتَعُها الخلاءُ
وأما المقلتانِ فَمِن مهاةٍ
وللدُّرِ المَلاحَة والصفاءُ

فيما وصف بدوره الشاعر بوراس خليفة وجه إحدى الفتيات انطلاقا من خدها قائلا:

عَنْدَكْ خَدْ أَخْشَمْ أُعَيْنينْ
وْكْمَامَه وْكْمَامْ سنَّيْنْ
أُعَنْدَكْ زَنْدْ أُتْكْلاَبْ أَيْدِينْ
أُعَنْدَك للرَّجَّالَه نَظْرَه
تَسْلَبْ أَهْلْ دِّينْ مَنْ دِّينْ
أُلاَ خَلَّيْتِ عزَّهْ لَمْرَه
يَلِّي رَاسَكْ مَا كِيفُو رَاسْ
كْحَالْ تَّحْرَارْ أُظَّفْرَه
دَاوِينِي مَنَّكْ بتَّخْرَاسْ
يَكَانِي مَنْ حْزِيمُو نَبْرَه

بدأت "الطلعة" بوصف جمال الخد والعينين، بحيث تمتلك الموصوفة نظرة تسلب العقول، بل تسلب أهل الدين أكثر من استلاب الدين لهم، ولم تترك أي عزة لامرأة أخرى، وفي الأخير يطالبها بالدواء لكي يُشفى منها، والمفارقة هنا أن المحبوبة هي الداء والدواء في الآن نفسه. واحتل الخد مكانة بارزة في وصف الشاعر للمرأة عامة لوجهها خاصة، لأن الخد عنصر حساس في وجه المرأة، وقرنه الشاعر بوراس خليفة بالشامة، فقد ظل الإنسان الصحراوي مولعا بهذه الثنائية منذ القدم، قال:

مَنْ شُوفَتْ شَامَهْ فُوكْ خَدْ
عَتْ مَنْ قْيُودْ لاَّمَه
مَا نَبْغِي تْلَيْتْ نْشُوفْ حَدْ
خَدُّو مَا فُوكُو شَامَه

ترسبت صورة الخد والشامة في وجدان الشاعر خليفة إلا حد أنه لم يعد يطيق رؤية فتاة ما بدون شامة على خدها كما قال.

وبدورها استرعت العين اهتمام الشعراء الحسانيين، كل يتغنى بعيون حبيبته وجمالهما وتميزهما وسحرهما، فأطالوا الوقوف في محرابها يؤدون لها طقوس السحر والتقديس، أو ما يكاد يكون كذلك في هذا المجتمع الذي تكون عيون النساء فيه اختصاراً للوجود كله، وجود المرأة في عينيها، إذ بهما تطل على العالم، وفيهما بريق الاتصال مع من حولها، ومنهما يومض الحب والدلال، وفيهما اختصار لجسدها المخبأ وراء حجاب كثيف، إنهما باختصار: بوح الجسد والروح، بل هما السحر ذاته، كما في قول ذي الرمة:

وعين كعينِ الرِّئْمِ فيها مَلاحة
هيَ السحرُ أو أَدهى التباساً وأعْلقُ

وتعتبر العين النافذة الأبرز التي يطل منها الشاعر على جمال محبوبته وتطل هي بدورها منها عليه، وهي الوسيلة الوحيدة التي يتم بواسطتها نقل أشكال الجمال إلى القلب، وبوسعها من خلال النظرات أن تُترجم ما في القلب من حب وعاطفة، فالعين لا ترى بل تُغري كما قال سعيد بنكراد.

وتظل العين من أبرز ملامح ومكونات الوجه التي تغنى بها الشاعر، إن لغة العيون أبلغ من لغة الفم، لغة صامتة يجيد الشاعر فك ألغازها ووصف جاذبيتها، قال أحد الشعراء:

حُسَّادَكْ يَا سبْتْ لَوْجَادْ
سَاعْتْ لَوْجَاد عْلَى لَعْيَادْ
حَسْدُوكْ أُهَادَ مَاهُ مكَادْ
بَعْدَ لِّي وَاسَاوْ لْمْحَاسِيدْ
مْنِينْ الله عْلِيهُمْ رَادْ
حَسْدُوا مَنَّكْ مَلْكى مُفِيدْ
كَلْحَمْدْ لِي مَا حَسْدوا زَادْ
تْخْرَاسَكْ بَلْعِينْ مَنْ بْعِيدْ
تْخْرَاسَك لاَ حَسْدُوه يَّاكْ
ولاَ عَكْدُوا لُو لَعْكَايْدْ
حُسَّادك يَبْكى عَاكْبْ ذَاكْ
سولاَن مَنْ بْعِيدْ فْلِيدْ

تمحورت "الطلعة" حول فتاة اعتبرها الشاعر سر وجوده لكن الحساد وقفوا في طريقهما، وهذا ليس صائبا لأنهم بذلك حرموه من لقائها، لكنه حمد الله على نعمة النظر، لأنهم لن يستطيعوا منعه أو حرمانه من نظراتها ولو من بعيد، تلك النظرات حملت صورا وإيحاءات كثيرة، كيف لا ونظرات العين كما قلنا أبلغ في أحيان كثيرة من الكلام نفسه، فقد عوض أمير الشعراء أحمد شوقي لغة الكلام العادية بلغة العيون في قوله:

وتعطلت لغة الكلام وخاطبت
عَيْنَيَّ في لغة الهوى عيناكِ

ومن أوصاف العيون في التراث العربي (أن تكون ناعسة وصاحبتها مسترخية الأجفان، ففي هذه العيون ما يقتل الرجل ويسلب عقله ويؤجج عاطفته، ولعل سر ذلك هو أن الاسترخاء في العيون الشيء الذي يعهده الرجل في عيني المرأة حين تكون نشوة اللقاء)، ومما يزيدها جمالا أيضا أن تكون واسعة، فهذه الأخيرة يعتبرها الشعراء مقياسا لجمال المرأة، وقد يبلغ سحر العيون مبلغا يكون وقعه شديدا في نفس الشاعر، فالنظرة تشكل النار المؤججة للإغراء، تُحول النظر من بساطته إلى منحه معنى خاص مُحمل بالرغبة والسلام، وفي ذلك نقرأ للشاعر سلامة حديدي:

يَامْسْ طَالْعْ مَنْ لَمْدِينَةْ
خَوْفْ لْكُومَاْن يْشُوفُونِي
شَفْتْ عْيُونْ فْ كُولُومِينَا
بَعْدَنِّي جَيْتْ عْلَى كْرُونِي

اقترب الشاعر من حافة الجنون نظرا لشدة فتنة عيون شاهدها وهو هائم بالخروج من مدينة سيدي إيفني خوفا من رؤيته من طرف الوشاة "لكومان". وهذه السمة الأبرز في العيون –أي الفتنة- نجد وصفا لها في كثير من أشعار العرب، كما لدى المتنبي في قوله:

لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي
وللحب ما لم يبق مني وما بقي
وما كنت ممن يدخل العشق قلبه
ولكن من يبصر جفونك يعشق

أو كما لدى جرير الذي ربط بين فتنة العيون والقتل في قوله:

إن العيون التي في طرفها حَوَرٌ
قَتَلْنَنَا ثم لم يُحْيين قتلانا
يصرعن ذا اللبِّ حتى لا حَراك بِهِ
وهُنَّ أضعفُ خلقِ الله أركانا

بالعودة إلى الوشاة؛ غالبا ما شكا الشعراء منهم أو "لكرَّاظْ" باللسان الحساني، إذ أنهم يحاولون إفساد العلاقة بين الحبيبين، ونجد نموذجا لذلك في قول الشاعر:

بَاطْ ألاَّ عَرَّادِ تْغْتَاظْ
مْنْ كَوْلْ لْكرَّاظْ أُو تْكْرَاظ
لْكرَّاظْ لِّ منْهُمْ خَاظْ
لاَهِ إِيكُولْ لْهَا فِيَّ شِ
وَانَ عَنْهَا هَوْنْ أَلَّ عَاظْ
كشر مَاهُ عْلَ مَلّتْ شِ
أُو هَذَا مَاهُ شِ وْلْكَرَّاظَ
مَاهُمْ شِ وَانَ مَانِ شِ

شاعر آخر ذُهل لجمال عيني حبيبته، ليس هو فقط، بل تسببت نظرتها للقوم في ذهولهم ودهشتهم:

رِّيمْ ذِي لِّي نَبْغُوهَا
بَالحَزْمْ لاَهِ تْمَكَّنَّه
وَمْنَيْنْ رَفْدْتْ عَيْنِيهَا
فالكَوْمْ بْكَا وْمْجَنَّه

المعنى أن الفتاة التي يحبها "الريم" بجمالها وروعة عينيها عندما أعلتهما جُن القوم وأصيبوا بالذهول نظرا لشدة حسنهما. إن هذا العضو من الجسد الأنثوي يوقظ بامتياز لغة الفتنة والإثارة والرقة بفضل الوسيلة المادية، الرفيقة المخلصة والساحرة التي تستخدمها المرأة وتكشف عن عشق مضاعف لها من طرفها هو "الكحل" هذا المسحوق التقليدي يشكل مادة تجميلية أنثوية بل يعتبر أساس التجميل عند المرأة العربية وهو قديم قدم الفتنة نفسها. فعندما رنت الفتاة بعينيها اتجاه القوم أصيبوا بالذهول والانبهار، مما أوقع في قلوبهم نوعا من الفتنة والجنون، ونستحضر هنا قول الشاعر المغربي أحمد البلغيثي:

بدت لي ترنو بالعيون الفواتــر
ولكن لها في القلب وقع البواتر
بدت لي وفي قلبي المعنى بحبها
لواعج أشواق كحرّ الهواجـر
مهاة لها نفسي النفيسة أذعنـت
وهل أذعنت يوما لغير الحرائـر

و"الريم" التي وصف بها الشاعر الفتاة المتغزل بها نوع من أنواع الغزلان الرائعة والجميلة، وهنا يشبه الشاعر الجسد الأنثوي بالجسد الحيواني، وهذا الأمر فيه دراسات عديدة في الأدب العربي، منها دراسة عبد الله الغذامي التي اعتبر فيها أن التمثيل الثقافي للجسد (يصطفي جسد المرأة تخصيصا وتحديدا لكي يكون صفحة بيضاء محتكرة دائما لخيال الشاعر والواصف لكي يستجلي عبرها مهاراته البلاغية وفطنته الذهنية، ومن هنا يحدث تشابك دلالي في تسمية الأشياء، فالمرأة غزال من حيث تمثلاتها الجسدية والكلام هنا غزل من جهة تجلي صورتها اللغوية، والغزال والغزل إشارتان متصاحبتان في بلاغة الثقافة وفي فطنتها وعلامة هذه الفطنة هي هذا الربط الجذري اللغوي ما بين الغزال بوصفه حيوانا جميلا تشبهه المرأة والغزل من حيث هو مصطلح دال على كلام الرجل عن المرأة).

ووصف الصحراويون العيون بأوصاف عديدة حسب درجة جمالها، منها قولهم "لْعَيْنَيْنْ رْكُودْ" وهي العيون الفاترة، ثم "عينين مْدَفَّنْ" وهو نوع من العيون ساحر دون أن تنطبق عليه بالضرورة معايير جمال العيون، فهي ليست كبيرة ولا صغيرة غير أن لها سحرها الخاص.

وذكر الرحالة مارمول كربخال في كتابه إفريقيا أن نساء الصحراء كن يسودن حواجبهن وأن الشعراء يمدحون ذلك: (ويسودن حواجبهن كذلك، ويمدح الشعراء كثيرا هذه الأنواع من التسويد ويعتبرها النبلاء من الأناقة، لكنها لا تدوم أكثر من يومين أو ثلاثة). كما شُغف الشعراء الصحراويون بتصوير العيون الكحيلة، وما تجمل به النساء عيونها من الإثْمد الذي يعد أقدم صبغ استخدمته المرأة في تجميل نفسها بالإضافة إلى الخُضاب فمهما بلغ أمر المرأة في إهمال زينتها، فإنها لا تظهر من غير كحل ولا خضاب، فـ(العيون الكحيلة من الصفات المستحبة في المرأة منذ العصر الجاهلي). قال زهير:

وناظرتين تطحران قذاهما
كأنهما مكحولتان بإثمد

إن العين مرآة النفس ومفتاح شخصية الإنسان ومعانيه المختلفة، إذ يتجلى فيها ومن خلالها الحب والبغض والعداوة والصداقة، وهي أرقى الحواس الخمس، وأجمل قطعة فنية وصفها الله في خلقه وجعلها فتنة للناس، ولهذا لا يكاد ينجو من شراك العين وهي ضعيفة -الجميلة منها بالخصوص- إنسان مهما بلغت به القسوة، بل هناك من شبه النظرات بالسهام الجارحة، ومن أقوال الشعراء في ذلك قول السيدة أمة العزيز الحسينية:

لحاظكم تجرحنا في الحشا
ولحظنا يجرحكم في الخدود
جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا
فما الذي أوجب جرح الصدود

ويمكن أن يلتقي الحبيب بمن يحب وتجري بينهما "أحاديث صامتة" أي أحاديث بلغة العيون، قال الشاعر عبد الله السالم بن المعلى:

يَامْسْ عَنْدْ بْلَدْ وَلْأَمْجَادْ
جْبَرْتْ لِّ مَنْهَ وَحْش
مَا كَالْتْلِ شِ وَانَ زَادْ
مَّلِّ مَا كْلْتْلْهَ شِ

في المعنى ذاته قال الشاعر العربي:

تُحدِّثُ عنَّا في الوُجوهِ عُيونُنا
ونحنُ سكوتٌ والهَوى يتكلمُ

ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:

أشارت بطرف العين خيفة أهلها
إشارة محزونٍ ولم تتكلمِ
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا
وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم
فأبرزت طرفي نحوها بتحية
وقلت لها قول امرئ غير مُفْحَم

تلك الأحاديث الصامتة بين طرفين تقابلها أحاديث ناطقة، ووسيلتها الفم، هذا الأخير يعتبر ينبوع المتعة الذي تحدث عنه الشاعر الحساني كثيرا، واعتنى بجزئياته وبما يحتويه من شفاه ولثة وأسنان وريق وعذوبة وطيب نكهة، إن الفم أول ما يشتهيه الرجل في المرأة (منه تخرج أجمل كلمات الحب وفيه يكون الريق الذي يسكر كما تسكر الخمر، وإذا كانت الحلاوة في العينين فإن الملاحة في الفم). وبرع الشاعر الحساني في وصف جمال الفم وطيب رائحته وريقه، إذ هو "الناطق الرسمي" باسم القلب، وفي ذلك نقرأ للشاعر باه النعمة:

تَنْكْرَاشْ نْشُوفْ يَطَاشْ
مَنْ فَمْ لبِيهْ تّشْوَاشْ
وَطْشَاشْ نْشُوفُ فْتْرْمَاشْ
كِيفْ لْمَسْكْ يْكومْ دْخَاخِينْ
وْدْخُولُو فْلْعَيْنْ أَخرْشَاشْ
فْرْمَامِينْ دْخُولْ لَّعَيْنْ

المعنى أن صاحبنا أبصر ريقا يشع من فم فتاة ما هي نفسها سبب همومه وأحزانه، وميضه يبصره من مسافة وبسرعة خاطفة كالمسك يشع دخانا حسب وصفه.

ويستحب في الشفتين أن تكونا سوداوين ليبدو منهما بريق الأسنان البيض وضاحا، إن جمال الابتسامة في ثقافة الصحراء لا تكتمل إلا بسواد الشفاه، وهي صفة إستيتيقية تطلق عليها عبارات مادحة من قبيل "لْكْمَامَه لْكَحْلَه"، وقد أكثر الشعراء العرب قديما الحديث عن الفم لأنه ينبوع المتعة كما قلنا آنفا، ومنه قول سويد بن أبي كاهل اليشكري في وصف فتاة:

حُرّةٌ تجلو شتيتاً واضِحاً
كَشعاعِ الشمسِ في الغيمِ سَطَعْ
صَقَلَتْهُ بقَضيبٍ ناضِرٍ
مِنْ أراكٍ طيبٍ حتّى نصعْ

أي: أصيلة صافية اللون تجلو فماً حلو الحديث، أسنانها المفلجة تبدو فيها كأنها لؤلؤ شتيت منثور مشرق لماع مثل شعاع الشمس الساطعة وسط الغيم، نظفتـه بقطعة من غصن ناضر ناعم من شجر الأراك الطيب الرائحة، استاكت به حتى نصع لون أسنانها. وسيرا على خطاه قال الشاعر سلامة حديدي:

وَرَاعِي فِيكْ مَنْ دَّحْمِيسْ
أَلاَّ بِيكْ زَيْنْ لْفَلْجَهْ
وكْتَن غَنَّيْتِ عَادْ بْلِيسْ
كَاعْدْ عَنْدَكْ مَكْطُوعْ رْجَا

"الفلجة" سمة أخرى من سمات الأسنان، وهي الفرق بين السن وأختها، فالشاعر كأنه أبصر في "فلجة" الفتاة إبليس جالسا دون حراك، وهذا دليل على فتنة فمها وسحره، خصوصا حين شرعت في الغناء كما في البيتين السابقين. وفلجُ الأسنان عند ابن منظور هو (تباعُدٌ بينهما، فَلِجَ فَلَجاً وهو أفلجٌ، وثغر مُفَلَّجٌ أَفلجُ، والفلجُ بين الأسنان، ورجل أفلجُ إذا كان في أسنانه تفرقٌ، وهو التفليجُ أيضا، والفلجُ في الأسنان تباعد ما بين الثنايا والرباعيات خلقةً).

وللحفاظ على صحة ونظافة الأسنان غالبا ما تستعمل المرأة "السِّواك" لذلك، هذا الأخير هو ما علق بذاكرة الشاعر أحمد بلالي حينما قال:

كَافِي وَلْدْ آدم مَنْ تخْرَاس
لْغِيدْ زينْ أخرسْ شِي زِينْ
شَافْ جْوَيْرِيَّةْ تَمْضَغْ رَاسْ
لمَسْوَاك بْرُوسْ سْنَّيْنْ
يَخْزِينِي يَلحي لفَكَّاكْ
كَانُوا فَخْلاَكِي مَاهُو حَاكْ
مَنْ صَدْرْ أَتِيلْ مَسْوَاكْ
غِيرْ لْعْلَّةْ هِيَّ فْمْنَيْنْ
تَعْمَلْ بِيه جويرية هَاكْ
دْكِيكُو وَزْرَاكْ سْنَّيْنْ
دَاكْ إِجِيبْ دْكِيكْ أَبَكَاكْ
وْدْكِيك شْرَاتِيتْ مْسَاكِينْ
وْدْكيك أَهْلْ أَعْمرْ وَلْدْ نْدَاكْ
ودكيك لعْلَبْ أُو لْمْرَادِينْ

وصف الشاعر في "طلعته" هاته جزئيات دقيقة من خلال تتبعه لتنظيف إحدى الفتيات لفمها بالمسواك، إذ تضع "جويرية"، وهذا اسمها، المسواك في فمها مما يزيده ويزيدها جمالا، ومن ثم فإن احتكاكه مع أسنانها شبيه بالاحتكاك الذي يقع في قلب الشاعر جراء مشاهدته للمنظر، ثم استدرك الشاعر معترفا بأن التسوك أمر عادي، لكن "جويرية" تقوم بالأمر بطريقة فاتنة وغير عادية، فبياض أسنانها الشديد هو ما جعل الأمر غير عادي ذكره بنصاعة بعض الكثبان الرملية.

إن هذا الاهتمام بالجزئيات القصد منه الوصول إلى الكليات، وهذا يساهم في تعميق المعنى وجعله عصيا على الفهم، وتشكيل صورة فذة للأسنان من خلال التقاء بياضها ببياض الأجزاء الصغيرة المتناثرة عليها من "المسواك"، فاستحضر الشاعر واستعار بعض الأشياء خدمة لغرضه. وفي ذلك يُقال: "سنَّيْنْ بْرُوكْ" أي تشبيه الأسنان في بياضها بالبرق. قال الشاعر:

كأن وميضَ البرق بيني وبينها
إذا حان من بعض البيوت ابتسامُها

هكذا أُسِر الشاعر الحساني بالثغر الباسم والفتان والأسنان الناصعة البياض. قال الشاعر:
ذَلْلِ مَنْهَ فَلْجَه
إِلاَ ظَحْكَتْ يَا خَي
يَتْحَرَّكْ مَنِّي شِي
مَا نَعْرَفْ كَاعْ أَي

وقال الأمير عثمان ولد سيد لبات ولد أسويد أحمد:

شَفْتْ لِّي مَا نَلْحَظْ
مَنْ دُونْ رَمْشْ عَظَّهْ
أَسْلَيْكْ أَبْيَضْ وكْرَظْ
رَاصْ سَّلْكْ َبْسَنِّيهْ
لَرْوَيْصْ سَّلْكْ أَكْبَظْ
وأبْرَمْ لُ بَيْنْ أَيْدِيهْ
وأبْلِيسْ فَمْ أَكْرَظْ
فِيهْ وحَاكْتْ لِي فِيهْ
يَخْزِيهْ أسْلَيْكْ أبْيَظْ
مَشَدْ ذْنُوب بِيهْ

تحدث الشاعر في البيتين الأولين عن ما يمكن تسميته باهتزازٍ لمشاعره بمجرد رؤيته لضحكة فتاته، فيما وصفت "الطلعة" التالية فم فتاة أخرى ورؤية الشاعر لبياض أسنانها، ونظرا لشدة جمالهما ربطهما بالفتنة انطلاقا من قوله بأن إبليس قد سكن في فمها كناية عن شدة غوايتهما.

ملمح آخر من ملامح جمال المرأة الصحراوية لم يبخل الشاعر الحساني في وصفه ألا وهو الشَّعر، والذي يُستحب فيه أن يكون أسود كالليل المظلم المعتم، وطويلا جدا حتى تكون هناك إمكانية لظفره، وكان طول وسواد لون شعر الرأس من أبرز مواصفات جمال المرأة الصحراوية، إذ يُقال "رَاصْهَ يَعْكَلْهَ" أي شعر رأسها يعقلها، وفي ذلك قال الشاعر عبد الودود الإدريسي:

مَنْ ذَرْ دِيرَكْ لشرُوطْ
رَاسَكْ مْنْكَبْ فْدِيرَكْ
تَلْوِي لِيهْ فْنْواكْشُوطْ
فْنْوَاذِيبُو وفْدِيرَكْ

وصف الشاعر طول شَعر فتاة ما خصوصا عندما تتناثر ضفائره لتصل إلى ركبتيها كناية عن طوله، بل إن الطرف الأول من تلك الظفائر في مدينة "نواكشوط"، والطرف الآخر في مدينتي "نواذيبو" و"ديرك". لقد هام الشعراء بالشعر الأسود الطويل، وتاهت عيونهم بانسداله على الجسد الجميل، وأثار عندهم أعذب الألحان والأحلام، وعثروا في طياته على بعض ما يريدون من ملاذهم المفقود، كيف لا وجمال الشَّعر هو كمال الحسن في الفتاة. وفي ذلك قال العرب قديما حينما قسموا شمائل الجمال في النساء إلى إحدى عشرة صفة: (الصباحة في الوجه والوضاءة في البشرة والجمال في الأنف والحلاوة في العينين والملاحة في الفم والظرف في اللسان والرشاقة في القد، والبداعة في المحاسن والدقة في الأطراف واللباقة في الشمائل وكمال الحسن في الشَّعر). ووصف الشاعر العربي الشَّعر كثيرا في مقدمات قصائده الغزلية، فاهتم بسواده وكثافته وطوله ورائحته على اعتبارها عناصر مكونة لجمال المرأة، هذه المعاني نجدها لدى المتنبي في قوله:

وَمَن كُلَّما جَرَّدتَها مِن ثِيابِها
كَساها ثِياباً غَيرَها الشَـعَرُ الــوَحفُ

أو قوله في موضع آخر واصفا الظفائر:

لبسن الوشي لا متجملات
ولكن كي يصن به الجمالا
وظفرن الغدائر لا لحسن
ولكن خفن في الشعر الضلالا

أو في قول امرئ القيس:

غدائرهُ مستشزرات إلى العلا
تضلُّ العقاص في مُثنى ومرسل

الغديرة هي الخصلة من الشعر، وصفها امرئ القيس على أنها مفتولة، والعُقاص هي العقد التي تنتج عن ظفر شعر الرأس، هذه العقد أو الظفائر هي ما أثارت انتباه شاعر حساني آخر، فنسج على المنوال ذاته قصيدة مدح فيها حبيبته قائلا:

رَاسَكْ مَا حَدُو يَا لعَرَّادْ مَظْفُورْ
دْرَكْنِي عَنْ لَغْيَادْ
مَا يَمْكَنْ لَهِي نور صَادْ
عَنُّو بِيهْ أُمَالُو مَظْفُورْ
هُوَّ زَادْ أَلاَّ مَاهُو كَادْ
مَا عَادْ فْوَاحْدْ مَنْ لُمُورْ
وَنَا بَاطْلْ حَكْ لِّي فِيهْ
أَنْتَ كْلْتُولَكْ بْشُّورْ
وَسَانِي مُولاَنَا نَبْغِيهْ
مَظْفُورْ وْلاَ مَاهُو مَظْفُورْ

أبرز الشاعر وهو يصف شَعر فتاته جمالية ظفيرتها التي شغلته عن رؤية باقي الفتيات، فلم يستطع إشاحة وجهه عن شعرها، فأبدع في وصفه، لأن سبب حبه لها نابع من جماله وجمالها، ولم يتوان في الاعتراف لها بحبه، ما دام الله سبحانه وتعالى من زرعه في قلبه.

هكذا أحب شعراء الصحراء أسوة بشعراء العرب القدامى الشعر الطويل والمنسدل أو المظفور والمتميز بسوادٍ كالفحم أو الليل الحالك المظلم، لأنه من عناصر جمال المرأة التي تتكامل مع عناصر أخرى.

خلاصة

أخيرا؛ شكلت المرأة مصدر إلهام لجل الأعمال التي أبدعها الرجل شعرا ونثرا، سواء أكانت أما أم أختا أم زوجة أم بنتا أم حبيبة ومعشوقة، الشاعر الحساني بدوره لم ينزح عن هذه القاعدة، فأبدع صورة كلية من مجموعة صورٍ جزئية كل واحدة منها هي صورة نمطية تتكرر لدى أغلب شعراء الصحراء، بل هي نفسها المتداولة في الشعر العربي القديم عبر مختلف مراحله كما رأينا، صورة كلية لا تشذ عن الذوق العام الذي اشترط العرب توفره في المرأة حتى تُوسَمَ بالحسن والجمال، فإذا قرأنا إحدى الشواهد التي تعكس نظرة العربي لجمال المرأة، وجدناها هي نفسها نظرة الصحراوي للمرأة الجميلة.

من خلال ما درسنا من نماذج شعرية، نجمل القول في أن الشاعر الحساني عندما يتغزل بفتاة ما ويُظهر ويصف سمات الحسن والجمال فيها بدءاً بالشَّعر والوجه ومكوناته مرورا بأطرافها العليا وصولا لأطرافها السفلى وغيرها، يكون غزله عفيفا لأنه يصطدم بجدار العفة والوقار المعروف بهما مجتمع الصحراء. زيادة على ذلك؛ تكون الصورة التي يرسمها الشاعر في شعره هي عينها الصورة الموجودة في الوجدان والمتخيل الجمعي للمجتمع، وهي صورة توضح لنا (الخصائص الإستتيقية التي كان يفضلها الشاعر ويحب توفرها في المرأة والتي يمكن تلخيصها في: البياض، السمنة وعذوبة الحديث فضلا عن الشَّعر شديد السواد والعيون الواسعة والبطن الضامر والخصر النحيل والصدر الناهد).

تختلف التعابير إذن لكن تبقى الصفات التي صورها الشعراء مشتركة وموحدة بينهم تماما كما يتصورها ويتخيلها كل فرد في المجتمع، مشكلة جسما في منتهى الجمال، ونحن بهذا لن نجد في الشعر الحساني إلا صورة واحدة عن المرأة الجميلة، صورة أقام في نظمها شعراء الصحراء وزنا للتقاليد، بل إن بعضا منهم غلبت عليه الحشمة والوقار ولم يبدي حبه، ورغم ذلك حاول إيصال أشواقه لمن يحب لكن بطريقة غلب عليها الاحتشام والرمزية في الآن ذاته، كما في قول القاضي محمذن بن محمد:

يَا بْرَاهِيم إِلاَ جِيتْ
لَهْلْ بْرَاهِيم لْعَبْدْ
كُولْ لْهُمْ عَنَّكْ رَيْتْ
حَدْ إِسَوَّل عَنْ حَدْ

استحضر الشاعر الرقيب الاجتماعي، فالقاضي/الشاعر/العاشق حَمَّل ابراهيم رسالة إلى أهل ابراهيم العبد، يسأل عبرها عن أحد ليس سوى حبيبته التي تنتمي إلى أهل ابراهيم العبد، والذي منعه مركزه الاجتماعي والرقابة المفروضة عليه من الالتقاء بها أو السؤال عنها بأريحية. إن وصف المرأة والتغزل بها أخذ من شعراء بني حسان القسط الأكبر من إنتاجهم الشعري، متخيرين أرق الألفاظ وأجملها في طلب الوصال، ومضوا طوال مسيرتهم الشعرية يشيدون بالجمال ومقوماته، ولم يقفوا عند هذا الحد؛ بل سلكوا مسلك استعطاف الحبيب وعتابه ولومه على هجرانه وصده وكثرة جموحه، سالكين في ذلك أسلوبا عاطفيا لا يخرج عن التقاليد ولا يخدش العفة والحياء، ومثيرا للرأفة والشوق في آن.

عبد الحكيم بوغدا

مشاركة منتدى

  • يحكى ان الشاعر (عبد العزيز الرباني رحمه الله) عندما كان شابا اراد ان يدعي أصدقائه (يعدل ونگالة)
    فكان يتيما فقيرا ليس عنده من المال ما يكفي من اجل ان يدعي اصدقاءه فقام احد من رجال القبيلة و ذهب به الى المربط (اي المكان الذي تباع فيه الدواب) ،فاراد الرجل ان يضمنه عند صاحب المربط ان يعطيه مايريد دينا وانه هو ضامن ان الشاب سوف يدفع له ماله ان سنحت له الفرصة فقام صاحب المربط وقال للرجل كيف لك ان تضمن لي شابا يتيما فقيرا لايعمل وليست له عائلة لتدفع لي مالي. فقام الشاب والَّذي كان هو الشاعر عبد العزيز ولد الرباني رحمه الله فقال له:

    حگّ انّو مات بلا نزاع :: عنّي والدّهر امْحالي
    وبلا دنيا يغير گاع :: كافي ذاك الخلّالي

    خلّالي عزّتْ كلّْ حدّْ :: والكِرم الِّ ما ينْجْحَدْ
    والعلم الِّ ف الناس بدّْ :: بويَ حامد للعالي
    خلّالي دَرجَ ذاكْ بَعدْ :: الِّ خلّالي غالي

    كان الشاعر مع صغر سنه وقتها الا انه كان يقول الشعر(لغن) وكان يريد ان يقول للرجل بانه حتى اذا كان والده مات ولم يترك له اّلمال لكنه ترك له ماهو اعظم من المال بكثير، فكان والده عالما جليلا و مدرسا عظيما ذاع صيته في كل مكان، وكان التلاميذ يتوافدون اليه من كل حدب و صوب وهو يفتخر كثيرا بما خلفه والده ورائه.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى