الثلاثاء ٢٨ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٠
بقلم عبد القادر محمد الأحمر

العبادة

كتب الدكتور أحمد زكي يقول:
 لطالما ساءلت نفسي: ما العبادة؟

ويجيئني الجواب السريع بأنها عمل، يكون من نتائجه لو صدق أن يعامل الانسان بني الانسان بالعدل.. فلا يظلم، ولا يسرق، ولا يجرح، ولا يقتل، ولا يسعى بين الناس بالأذى، من أي نوع، وأن يحب للناس ما يحب لنفسه.

ولكن لا تلبث نفسي أن تقول: ما هذه هي العبادة؟ ولكنها نتائج تنتج من العبادة، ولو صدقت فيما هو ضروري لحسنت المعايشة في المجتمع الانساني.

أما العبادة فهي عند نفسي شي آخر.. هي استكناه المعبود، بقدر ما يستطيع الانسان من قدرة، من هو؟ أهو واحد كامل، أم أجزاء،؟ أم هو أجزاء متكاملة، كواحد؟ .. هل يُرى؟ هل يُحس؟ أم هو يُعقل؟ وكيف يُعقل؟ وإلى أي مدى يعقل؟ هل هو أشياء هذا الكون التي نراها، وتلك الأخرى التي لسنا نراها؟ أم هو ذلك الشيء المطلق الذي تجرد واختفى وراء ما نرى، وما لسنا نرى، وامتلأ به هذا الوجود؟ أم .. وأم.. ؟؟

إنه لا سبيل إلى شيء من ذلك إلا سبيل المعرفة.. ولقد كانت هذه المعرفة في سالف القرون ذات طرقات غير معبدة، يسلكها القليل، ويسلكونها ،عاماًويتركونها أعواماً والمحصول الذي يعودون به من هذا الطريق كان قليلاً، كان فيما بين بعضه وبعض اختلاف تقطعت به فيما بينهم العلائق، لأنه كان محصولاً يلتقط اللاقط ما يلتقط اعتباطاً، لأن العاملين على التقاطه، على قلتهم، كانوا أفراداً، لم يربط بينهم رباط، ولم تجمع بينهم جامعة، وغير هذا صار حال المعرفة منذ قرنين أو ثلاثة، انتظمت أمورها، وتعبدت طرقاتها، وترابط رجالها، واجتمعوا فئات عدة، كلٌ في سبيل، يستهدفون هدفاً واحداً، يخططون له، على التعاون، خططاً واحدة أو متشابهة، وتتفرع السبيل الواحدة، فتتفرع الفئات العاملة فيه، وكل ما يجد الباحثون، المتواصلون في بقاع الأرض، يرقم في كتاب وكتاب وكتاب، وتقرأ الكتب، فيمحصها الرأي والنقاش.

وذلك هو العلم الحديث..

علم هذا الكون.. بالذي فيه من مواد، وقوى، وظواهر جارية أو ساكنة لهذه المواد والقوى، وهو إلى اليوم أثبت قاعدة يستقر عليهااعتقاد وايمان ما انفسحت تلك القاعدة للعقائد والايمان، وهي رقعة تتسع على الأيام، فهي تنفسح غداً لما لم تنفسح له اليوم.

فهذا العلم هو سبيل المعرفة بالله. وهو السبيل الأول والأقوم، وهو آخر سبيل تجوز أن ترتفع إليه ريبة.

والباحث في العلم، إذا استهدف ببحثه الكشف، ولو بعض كشف في جوانب الله، فهو أكبر عابد، وأكرم قائم وراكع وساجد.

والقاريء للعلم يريد به استكناه حقيقة هذا القائم الأعظم على الكون، والقائم به، إنما يعبد الله على اسلوب، هو في صنوف العبادات فوق الأساليب، لأن العقل فيه يتحرك نحو الله عن علم، ويمتليء به قلبه عن معرفة، ويمتزج به عقلاً وقلباً وجامعهما "النور" ، والنور لا يكون معه إلا "الصفاء" كما أن "الجهالة" لا يكون معها إلا العكر، ومع العكر "الظلام" !! وقراءة العلم ككل شيء يحصل، تحتاج إلى مجهود يبذل، إن الرزق في الأرض، ولكن لا بد للأرض من حرث، بعد أن يكون قد رواها ببعض عرقه الصبيب، فهذا رزق الأجسام، ومثله رزق الأرواح، لا بد فيه من جهد يبذل، وعرق يصب، ورزقها العلم، وهما لا يشتريان كسائر أرزاق الحياة بالمال، لا بد من النزول إلى أراضيها، ثم الانكباب عليها عزقاً وحرثاً، لتخرج من بعد ذلك تلك الثمار، وهي ثمار تشبع الأنفس، فالأنفس تشبع وتجوع، كما تشبع وتجوع الأجسام.

إن الانسان وحده من بين الحيوانات، ومن بين سائر الخلائق، بمقدار ما علمنا هو وحده الذي له نفس تجوع بحكم الطبع، وتريد أن ترتوي، وهي وحدها النفس المتسائلة عن علاقتها بهذه العماء الذي هي فيه.

إن النفس الانسانية تقف في العراء، فوق سطح هذا الكوكب، يغرقها النور الهابط من السماءكل إغراق، فكل شيء فيما حولها، في حاضرها بيِّن، تستشف منه دون سائر الحيوان ما قدر الله أن يستشفه انسان، ولكن الماضي.. ولكن المستقبل.. وذلك الميلاد الذي تبدأ به الحياة، وذلك الموت الذي تختتم به الحياة.. نقيض ذلك الحاضر البيِّن المشمس، ولا هي بالواضحة ولا البيِّنة المشمسة، إنها ظلمات استدبرها الانسان عندما ولد، وظلمات يستقبلها عندما يموت، والنفس الانسانية التي لم تفسدها رحابة العيش، أو التي لم يفسدها ضيقه، واحتفظت بصحتها على الرخاء، وعلى الشدة، لا يمكن أن تنام فتغفل عن أن تستخبر عما كان قبل هذا العيش وعما سوف يكون بعده.. إن الذين يتحدثون اليوم عن الحياة الدنيا، يذكرون الخوف أشد بلاياها: الخوف من الفقر، الخوف من المرض، الخوف من الظلم، الخوف من الفوضى، وضياع الأمن، وبقى خوف لا يخاف ولا يذكره أحد، ذلك الخوف من الموت.

والخوف من الموت قائم، لا سبيل إلى تخفيفه إلا الجهل المطلق، جهل الانسان الذي هو بعض جهل الحيوان، فالحيوان لا يكاد يدرك ما الموت، حتى يكون، فاذا هو كان أعجله الموت عن ادراكه، وسبيل أخرى تذهب ببعض الخوف، تلك سبيل العلم، وسبيل التعبد باجتائه، وتلك سبيل الله.)


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى