الخميس ٢٤ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٩
محمد المشايخ يطالب

بتخصص النقاد بمنهج حتى يبدعوا

بقلم: عمار الجنيدي

ثمّة حوارات طريفة، يجتاز فيها احد المتحاوريْن أو كلاهما أبعاد ما يمكن أن يُخطط أو يُرسَمَ له، فيكون الحوار راسخاً في الضمير والذهن مهما تعاقبت عليه الأزمان.

وبتمرد واضح على أبجديات الكلام المنمّق والجاهز؛ ترى الصراحة والعفوية تقطران من الحوار ذاته بكل بساطة وأُلفة وطيبة، ترقى إلى الانطباع بان المثقف لا يعيش في جزر معزولة عن الآخرين، وبان الإبداع والنقد صنوان يجب أن لا يطالهما الأهواء والعلاقات الشخصية.
يعد محمد المشايخ، الذي يعمل مديرا لمكتب مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في عمان، من أهم النقاد الأردنيين، الذين توقفوا طويلا عند الأدب والأدباء الأردنيين في سيرهم الذاتية والإبداعية، وحاولوا إيصال صوتهم النقي والملتزم، إلى الساحة الأدبية العربية.

له أكثر من عشرين مؤلفا في النقد الأدبي، أهمها:

  1. أضواء على الأدب والفن في الأرض المحتلة، عمان: دار آسيا، 1983
  2. قراءة في أدب الأرض المحتلة، القدس: دار البيادر، 1984.
  3. الأدب والأدباء والكتّاب المعاصرون في الأردن: عمان: مطابع الدستور، ١٩٨٩
  4. المبدعون الأردنيون والفلسطينيون المكرمون بمنحهم وسام القدس للثقافة والآداب والفنون لعام 1991، عمان: دائرة الثقافة.
  5. دليل الكاتب الأردني، عمان: رابطة الكتاب الأردنيين، 1994.
  6. كتّاب من الأردن، عمان: مطبعة آرام، 1994.

وشغل العديد من الوظائف التي أتاحت له الاطلاع على شؤون وشجون الثقافة الأردنية.

واعتمد مندوباً لمعجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين في الأردن خلال السنوات 1992-1995م وعمل لفترة طويلة سكرتيراً تنفيذياً ثم مديراً إدارياً لرابطة الكتاب الأردنيين.

وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين، وعضو إتحاد الكتاب العرب.
وفيما يلي وقائع الحوار الذي أجريناه معه في مقر رابطة الكتاب الأردنيين:

لماذا اتجهت للنقد ولم تتجه نحو الكتابة الإبداعية؟

 حقيقة أنني بدأت بالكتابة الإبداعية، وتحديدا الشعر، وذلك في أثناء دراستي في قسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية خلال السنوات 1973-1977، حيث أتاحت لي الجامعة "الماء والخضراء والوجه الحسن" بالإضافة إلى مكتبتها القيّمة..وكنت واحدا من شعراء الجامعة القلائل، وكانت لي قصائدي التي ألقيها في مناسبات وطنية، أو يتم تعليقها على لوحة إبداعات الطلبة، أو في جريدة الجامعة التي كان يُطلق عليها آنذاك "أجراس"، أو في جريدة الأخبار الأردنية، التي كان رئيس تحريرها آنذاك الشاعر الراحل عبدالرحيم عمر، ويحرر صفحتها الأدبية الأستاذ أحمد سلامة رئيس تحرير جريدة الهلال الأردنية الأسبوعية حاليا، غير أنني بعد تخرجي من الجامعة، عملت إلى جانب الأديب الراحل خليل السواحري في رابطة الكتاب الأردنيين، وكان آنذاك المحرر الثقافي في جريدة الدستور الأردنية، وكان كلما أهداه كاتب نسخة من إصداره الجديد، يقوم بتحويله إلي لأكتب دراسة نقدية عنه، ومع الزمن توقفت عن إبداع الشعر، وتخصصت بالنقد الأدبي، وللعلم فإن النقد إبداع.

ما الذي يحد من حرية الناقد؟

 ثمة أمور كثيرة تحد من هذه الحرية، فالناقد حين يكتب، يكون في داخله أكثر من رقيب، رقيب السلطة، ورقيب الصحيفة أو المجلة التي سينتشر فيها المادة النقدية، ثم الكاتب الذي ينقده، وهذه كلها عوامل تفرض على الناقد ألا يقول رأيه الحقيقي، وقناعته الداخلية، فيجامل، ويكتب فقط ما يرضي هؤلاء الرقباء.

هل تعتقد أن الناقد يجب أن ينتمي لمدرسة نقدية بعينها؟

 نعم.

*لماذا

 لأننا نعاني في الساحة النقدية العربية، من الكتابة التي تتصف بالبانوراما النقدية، أو الكوكتيل النقدي، فحين تتداخل المدارس والمذاهب والمناهج، لدى الناقد الواحد، نجده يفتقد إلى الرؤية الصائبة، ويدخل في إطار الفوضى، وحين يتخصص بمنهج، يبدع، وتكون كتابته أقرب إلى النقد الأدبي.

ساد المنهج الانطباعي الحركة النقدية الأردنية طوال عقود مضت، هل هذا المنهج مناسب الآن بعد هذا التطور الهائل في المصلحات والمدارس النقدية؟

 على العكس من ذلك تماما، وذلك لأن هذا المنهج، يستند إلى وجهة النظر الشخصية للناقد فيما يقرأ، ووجهة النظر هذه ترتبط بالعلاقة الشخصية مع المبدع، فإن كانت إيجابية، فإن المادة النقدية ستمتلئ بالمديح والتقريظ، وإن كانت سلبية، فإن تلك المادة ستمتلئ بالشتائم، وعندها يوصف الناقد بالحاقد..المطلوب من نقادنا قراءة المناهج النقدية المختلفة التي ظهرت في العالم، واختيار المناسب منها، لقد اتكأت منذ البداية على المنهج التكاملي وما زلت كذلك، وذلك بالنظر إلى انه يشتمل على كل المناهج النقدية المتعارف عليها بالغرب، والتي تغطي النص الإبداعي ومؤلفه والظروف الزمكانية والبيئية التي تم إبداعه فيها.

تتميز الساحة الثقافية في الأردن بتحكم الشلل الثقافية فيها، إلى أين تقود هذه الشلل، ولماذا لا تنخرط في إحداها؟

  ترتبط هذه الشلل أحيانا بإطار سياسي يدعمها ويهيئ لها الوسائل الإعلامية الكفيلة بتحقيق التواصل بينها وبين جمهورها، وفي أحيان أخرى، تربط العلاقات والمصالح الشخصية بين عدد من أدعياء الأدب والمتنفذين في بعض وسائل الإعلام، فيصولون ويجولون، وفي الوقت نفسه يكتمون أنفاس المبدعين الحقيقيين، ويحرمونهم من فرصة النشر..تخيّل يا أخي المبدع عمّار، أن معظم أساتذة الجامعات الأردنية الذين علمونا الأدب والنقد، محرومون من النشر في الصحافة المحكومة من الشلل، معظمهم صامتين، بينما الذين يرفعون أصواتهم من تلامذتهم، هم الذين يتحكمون بإبداع وبأرزاق المبدعين الحقيقيين، وأنا واحد من الذين يفضلون الصمت، مستندا إلى إبداعي الذي نشرته على مدى السنوات 1970- 2005، فهذا رصيد مهم، يغنيني بعد كل هذا العمر عن التوسل لشلة، أو الالتحاق بها لممارسة قمع الآخرين وتكميم أفواههم.

ما هو دور الحركة النقدية في رصد وكشف السرقات الأدبية في الأردن، وما هو دورك أنت شخصيا في ذلك؟

 ثمة بعض الأشخاص الذين تسوّل لهم أنفسهم، سرقة إبداع غيرهم، ونسبه لأنفسهم، وأول سرقة كشفتها، كانت في نادي أسرة القلم الثقافي في الزرقاء، في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، حيث نظـّم النادي مسابقة أدبية لأعضائه من هواة الأدب، فقام معظمهم بالسطو على أحد دواوين الشاعر محمد لافي، الموجود في مكتبة النادي..الأخطر منها كانت عندما قام أحدهم بتسليم الناقد زياد ابو لبن قصة قصيرة لنشرها في مجلة أفكار التي تصدر عن وزارة الثقافة الأردنية، وبعد ساعة من تلك الواقعة قام شخص آخر بتسليم صورة عن القصة نفسها للناقد نفسه لنشرها في المجلة..وبعد أن جمعهما معا، اعترفا له، أنهما تقاسما مجموعة قصصية مخطوطة للقاص العراقي الراحل غازي العبادي، ونسب كل منهما عددا من قصصها لنفسه، غير أن كل منهما بقيت نفسه متعلقة بالقصة التي قدماها منفردين لمجلة أفكار..وتدور الأيام، ونجد أن ثمة من يسطو على إبداع عمار الجنيدي..وكان الفضل في ذلك للأديب محمد سلام جميعان، الذي فضح السارق في جريدة الرأي الأردنية، دوري الشخصي، يبدأ من العقوبة التي سأتعرض لها من اللص السارق، ومع ذلك فقد فضحت في جريدة الدستور الأردنية عام 1979شويعرا قام بالسطو على كتاب "فاروق شوشة": أجمل عشرين قصيدة حب" وأبدل اسمه باسم شوشة، غير انه منذ ذلك العام، حرم نفسه من الظهور في الساحة الثقافية ثانية.

أين يقع الأدب الأردني بالنسبة للحركة الأدبية العربية؟

 تمتاز الساحة الثقافية الأردنية، بقدرتها على إنجاب أعداد هائلة من الأدباء، الذين يُصدرون بشكل فردي أعدادا هائلة من الكتب، ويقيمون أعدادا كبيرة من الفعاليات الثقافية، وينضوون تحت لواء أعداد أكبر من المؤسسات الثقافية، ومع ذلك فإن ثمة شكوى في داخل المملكة، تتهم الأدباء ومؤسساتهم وإبداعاتهم بالقصور، غير أن هذا القصور سرعان ما ينقشع حين يشارك مبدعو الأردن في فعاليات ثقافية عربية، حيث نجدهم في الطليعة قولا وفعلا، ويستحقون الثناء هناك، ويحصلون على الجوائز، وعلى الدعم والتشجيع الذي لا يلاقونه في الداخل، وبالتالي فإن تقييم أدبنا في الداخل سلبي، وفي الخارج إيجابي، الأمر الذي يجعلني أردد مع المرددين أنه لا كرامة لنبي في وطنه، صحيح أن الشعور بالقصور يدفع نحو المزيد من العطاء، ويدفع باتجاه الرقي والتقدم، ولكن كفانا جلدا للذات، طالما أننا على الصعيدين القومي والإنساني في الطليعة.


* هل صحيح أن هناك خللا يعتور الجوائز الأدبية بشكل يخضعها لمزاجية الأجندات والشلل الثقافية، وكيف تذهب الجوائز لغير مستحقيها؟

 يقولون إن المنتصر دائما يُستقبل بالورود، أما المهزوم فيُستقبل بالإدانة والنقيصة، وهذا هو حال الجوائز عندنا، من يفوز بها يرفع من مكانتها ومن مكانة المؤسسة التي تمنحها، ومن لا يأخذها يتهم المؤسسة والقائمين عليها بتهم قد لا تكون صحيحة..لا أريد رد هذه التهمة على الإطلاق، فثمة حالات فردية كنت شاهدا عليها حين تقدمت بكتابي لمؤسسة محترمة للفوز بمسابقة في مجال السيرة الذاتية، سلمت كتاب (من يوميات سكرتير الكتاب) للموظفة التي تستقبل المؤلفات المقدمة للجائزة، في آخر يوم لتسيلم الكتب المرشحة للفوز، فقالت لي إن كتابي هو الوحيد المقدم لحقل السيرة الذاتية بينما توجد عشرات الكتب المقدمة للأجناس الأخرى..في اليوم التالي طالعت في الصحف نبأ تمديد موعد تسلم الكتب المرشحة للجائزة نفسها لمدة 15يوما، وفعلا تقدم أحدهم بكتاب عن السيرة الذاتية لجحا، وتم منحه الجائزة:(ألف دينار، وطباعة الكتاب)..وعلى سيرة جحا، سأل أحدهم د.جميل علوش مرة: لماذا فخري قعوار أشهر منك، فقال له د.علوش: لماذا جحا أشهر مني ومن فخري قعوار ومن أدباء الأردن كلهم..وأود أن أقول لك يا أخي عمار اتق الله..كم جائزة لدينا في الأردن حتى نتخاصم عليها، ألا تعلم أنه يتم تفصيل بعض الجوائز لبعض الأشخاص، وحين يأخذونها يتم إقفال الجائزة والمؤسسة التي تمنحها..لا أدري يا عمار لماذا تحولت في الآونة الأخيرة إلى فاضح لأسرار الثقافة والمثقفين، والمؤسسات الثقافية، ألم أطلب منك مراجعة أحد العطارين، ليقدم لك بعض الأعشاب المنشطة لمكامن الإبداع عندك في باب غير باب الفضائح..منـّك لله يا عمّار..دعني أسترسل معك..يوم 16/1/2007 نشرت جريدة الرأي الأردنية مقالة للدكتور إبراهيم خليل قال فيها: (حدثني من أثق بصحة روايته، أن كاتبة تكتب للأطفال اقترحت على هيئة إدارية لجمعية معينة تخصيص جائزة للأطفال، واعدة بتأمين قيمة الجائزة النقدية، وعندما جاء موعد تأليف لجنة التحكيم اختارت هي بنفسها أعضاء اللجنة، وعندما فازت بالجائزة استخرجت المبلغ الذي تبرعت به من حسابها البنكي واستعادته على هيئة جائزة في يوم أو يومين) وبعد ذلك أسألك يا عمار: هل جئت تطلب نارا..أم تشعل في البيت نارا؟

* يتعاظم شأن قصيدة النثر في الأردن لدرجة أننا لم نعد نقرأ القصيدة العمودية، لماذا؟

 عرفنا حتى الآن ولاحظنا انتشار أصناف ثلاثة من الشعر: العمودي التقليدي، وشعر التفعيلة"الحر الحديث"، والشعر المنثور..بعض وسائل الإعلام، تتحكم في هيئة تحريرها فئة تنحاز لواحد من هذه الأصناف، ولا تكاد تطالع فيها أي صنف آخر..والحقيقة أن المعركة في الباطن حامية الوطيس..بدليل أن الشاعر راضي صدوق قال قبل أيام في محاضرة له في منتدى مؤسسة عبدالحميد شومان، أن شاعر شباب فلسطين محمود الأفغاني، اتصل به في القدس في مجلة الأفق الجديد، في مطلع الستينات من القرن الماضي، حيث خصص راضي صفحات واسعة في المجلة لشعر التفعيلة، وقال له يا راضي..لقد أهداني الملك عبدالله مسدسا لم أستخدمه حتى الآن،فإن واصلت نشر شعر التفعيلة فسوف تكون أول ضحايا هذا المسدس..والآن، وأمام الخصومة الحادة بين أنصار التقليد والتجديد، وأمام أنصار هذه الأصناف الثلاثة من الشعر، صرنا نطالع من يضع حلا وسطا على غرار ما يصنعه صديقك العطار، فيقول إن قصيدة النثر، هي قصيدة خنثى، لا هي ذكر ولا أنثى، أي لا هي شعر ولا نثر..حيّرتني بأسئلتك والله ياعمار..لقد صنع شاعرنا ما صنعه أحدهم حين قال، إنه شاهد عمودا أثريا مكتوب عليه ما يفيد أنه لا يجوز وضعه لا في الشمس ولا في الظل..فكيف سيراه السيّاح وهو مدفون..أنا مع الكتابة الشعرية، ليكتب الشعراء والناثرون ماشاءوا، المهم أن يكتبوا، والزمن هو الذي يغربل، فإما أن يرتقي هذا الصنف أو ذاك، وإما ينطمس..المهم، أن في الحركة بركة، ولتمض عجلة الإبداع إلى حيث شاءت.

يلاحظ أنك تكتب عن كل الأجناس والفنون الإبداعية، إلا عن المسرح والسينما والتلفزيون..لماذا ؟

 لقد كتبت في فترات سابقة عن هذه الفنون وغيرها بما في ذلك الفنون التشكيلية..ولكن، أرجو أن تسمح لي برواية هذه الحكاية باعتبارها مدخلا للإجابة: طلب مني فنان مهم أن أبحث له عن عروس، وشجعني على ذلك بمقولة: "نيّال من جمّع بين رأسين على مخدة "، وبالفعل كانت الفتاة جاهزة تنتظر على أحر من الجمر المجمّر ابن الحلال قبل أن يفوتها القطار وقد تجاوزت التاسعة والثلاثين من عمرها، وحددت لهما موعدا للالتقاء بمكتبي، ومع بداية اللقاء، بدأ الفنان يقدم أصنافا شتى من الحركات والأصوات والحكايات الفنتازية، ولم يتحدث عن أي شأن من شؤون الحياة، أو الزواج، أو المستقبل، فما كان من الفتاة المحتاجة للعريس، بل إنها تبحث عنه بالمندل، إلا أن انسحبت من الجلسة بعد نصف ساعة من بدئها، ولما سألتها عن سر انسحابها بدل تقدمها وهجومها على فتى الأحلام قالت لي: الفنانون كل ساعة بعقل..وأنا لا أستطيع العيش معهم، ألم تلاحظ حركاته وأقواله وأفعاله..وكانت تجربتي مع الفنانين الذين كتبت عن أعمالهم الفنية مثل تجربة تلك الفتاة، كل واحد منهم يريد أن يـُفـَصـّل لي ما سأقوله ليس عن أعماله فحسب بل وعن أعمال الآخرين، فرأيت أن الكتابة عن الشعراء وكتاب القصة والرواية وغيرها من الأجناس الأدبية تجلب أذى أقل، فهم بالنسبة للفنانين غلابى..وأكثر تواضعا..مبسوط يا عمار..أنا أعرف أنك لن يهدأ لك بال إلا إذا شبكتني مع القطاع الفني من خلال هذا الحوار..أنا صاحي لك..بدليل أنني لم أتحدث عن الفنانات لأنهن أرحب صدرا..وإبداعهن أكثر جودة..وألسنتهن أكثر دفئا.

كيف تقيّم تجربة عمان عاصمة للثقافة العربية عام 2002.

 كلما اتسعت دائرة الإبداع من المحلية إلى العربية فالأممية كلما كانت الفائدة أعم والجدوى أكثر، إذ ثمة غيمة شاسعة، خراجها عائد على الجميع، وبالتالي فإن تجارب العواصم الثقافية، من أروع التجارب الأدبية القومية والإنسانية، التي تجمع بين المبدعين العرب وجمهورهم، وتحقق فعاليات لا تتمثل في المؤتمرات والندوات فحسب، ولا في المطبوعات من صحف ومجلات فقط، إذ ثمة فعاليات أكثر خلودا، خذ في عمان على سبيل المثال شارع الثقافة، انتهت الفعالية قبل 4 سنوات، ومازال الشارع عامرا بالمثقفين والفنانين والمفكرين والعشاق أيضا..نعم هي تجربة رائعة ومفيدة بكل ما في الكلمة من معنى، ولكنها فائدة موسمية، نتمنى أن يكثر تكرارها في كل العواصم العربية.

هل قدمت الإبداع والأدب الأردني إلى الوطن العربي؟

 دعني أعترف لك أنني في أيام العزوبية كنت أكثر نشاطا، في الإبداع، وفي النشر داخل الأردن وخارجه، أما بعد الزواج، فصرت محتارا بين الكتابة عن العولمة وبين شراء البندورة والبطاطا والباذنجان للمنزل، بين الكتابة عن الإصلاح الثقافي، وبين تلبية متطلبات الزوجة والأبناء، فهي متطلبات مهما صغرت، إلا أنها تنسي المرء وتحول بينه وبين عيون الإبداع، وبالتالي فإن السنوات 1970 (حيث بدأت الكتابة)و 1985 (حيث تزوجت وعمري 33عاما) كانت الفترة التي استطعت فيها مراسلة معظم الصحف والمجلات العربية، وأوصلت لها صوت المبدع الأردني، وتعليقي الأدبي على إنتاجه..وبعدها أكلني غول الوظيفة..وشغلتني العائلة والعلاقات الاجتماعية..وهنا أيضا دعني أسترسل معك فأردد مقولة للصديق القاص خليل قنديل جاء فيها أنه يهنئ مبدعي الغرب، ولما سألته لماذا قال لي لأنهم لا ينشغلون بالزيارات وحمل الهدايا للواتي يلدن أو الذين طالهم الطهور، هذا عدا عن المشاركة في حفلات الزواج، والإصلاح عند الطلاق والغضب وفورة الدم.

هل تعتقد أن الحركة النقدية في الوطن العربي مقصرة تجاه الأدب الفلسطيني؟

 نعم الحركة النقدية في الوطن العربي مقصرة مع الأدب في كل الأقطار وليس في فلسطين فحسب، فالناقد أمام هذا العدد الضخم من الكتب والمجلات والصحف الأدبية، وكذلك ما تبثه وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، يقف عاجزا عن اللحاق بهذه الغزارة، فتجده يتوقف عند كتاب أو أكثر كل فترة، أو عند نص أو آخر..لكنه لا يستطيع الإحاطة بكل ما يصدر في قطره، فما بالك بما يصدر في الأقطار الأخرى، أما فلسطين فلها خصوصيتها، والذي تحت العصي ليس كمن يعدونها، فيها إبداع، وفيها حركة أدبية مواكبة للحركة السياسية والعسكرية ومعطياتها على الأرض، غير أن ذلك الإبداع، وتلك الحركة، لا تجد من يشغل نفسها بها من النقاد، في الماضي، كان الأمر مختلفا، كنت تجد كتابا من كل الوطن العربي يكتبون عن فلسطين وأدبها، أما الآن، فقد وصل كثيرون إلى مرحلة الإحباط، ولم يعودون يرون للإبداع جدوى، فصمت معظم النقاد، بينما واصلت عجلة الإبداع عطائها، وهو إبداع بالمناسبة لمن يطلع عليه يستحق القراءة والدراسة، ولكن أنى لنا أنجد النقاد المتفرغين لدراسة ذلك الإبداع ونقده.

بقلم: عمار الجنيدي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى