الأحد ٢٨ شباط (فبراير) ٢٠٢١

توثيق الأسى وبقايا الذِّكرى

خالد بُرَيه


أثناءَ ترتيب أوراقي القديمة، بدت لي إحداها، كُتِبَ في منتصفها بخطٍّ متعرِّج: "أحزاني هذه الليلة أكبر مما يُحتمل". مضى عليها الكثير من العمر، ولا زالت تمارسُ حقَّها في البقاء، واحتضان توثيقِ الأسى!

وحدها تلك الليلة سجلتُ فيها وقْع "الحزن الكبير" الذي هبطَ فجأة، دون أن يمنحني وقتًا للتوسلِ والرجاء، كنتُ حينها مشتَّتَ الرُّوحِ، مضطرب الوجدان، أتاني صوتُ النبأِ غائمًا مكتومًا، تفوحُ منه رائحةُ الفناء! ثم توالتِ الأيام والخيبات، ودهمتني الأحزان، فلم أعد ألتفتُ إلى الكتابةِ عن توثيقِ شيءٍ منها؛ لأنَّ المسيرة كلها ممتزجة بصداها!

لا أدري حجمَ الشعور البائس الذي كنتُ أحمله في تلكم الليلة، حتى أني أبنتُ عن عجزي، وأظهرتُ ضعفي، ورفعتُ يدي مستسلمًا، خائر القوى، لا طاقةَ لي في استقبال ثِقل الحزن وظلاله الكئيبة، كنتُ أدرك أنَّ أحزانًا أخرى مرت بي، مسَّنِي لهيبها، وأوجعتني. لكني بعد مرور أكثر من عقدٍ ونصف، ما زلتُ أعترفُ أنَّ الحزنَ الذي وثقته في لحظةِ الغيابِ تلك؛ كانَ أكبر من أن يُحتمل!

ثمة التصاقٌ وثيقٌ بينَ "الحزن والذِّكرى"، قلَّبْتُ دفاتري القديمة، فهاجت أعاصير الذِّكرى، وحطَّ الحزن في قلبي كيومِ الرَّحيل المفاجئ، الرَّحيل الذي أورثني بقعة من الحزنِ تتقدُ في كياني تأبى الانطفاء!

في لحظاتٍ عديدة أحاول أن أبتعدَ عن ذكريات ما مضى، أضعُ بيني وبينها حاجزًا من النِّسيان، من اللامبالاة، وهي تتعاطى معك، وتُشعركَ بالانتصار، تتلاشى عن مخيلتكَ قليلًا، حتى يُخيَّل لي أنَّ ما كان بـ الأمسِ لم يكن، ولا خيطَ يجمعني به، وفي عمق الاحتفاء بنشوةِ النَّصر الموهوم، تنزلقُ عيناكَ على أثرٍ يُعيدكَ إلى نقطةِ البدء، الشَّرارة الأولى للحزنِ الذي كتبتُ عنه ذات ليلةٍ أنه أكبر مما يُحتمل!

كنا معًا نعشقُ مراقبة الإشراقة الأولى لضوءِ الشَّمس، وهو يتسللُ بحياءٍ بعد ذبولِ الليل، نعشقُ اكتمال القمر المنسكب على جداولِ الرُّوح، نعشقُ لمعان الفجر وهو يناوشُ نجمة ساهرة، أو يداعبُ سحابةً ضالة. فأي قوة تمنعُ عني رؤية كل هذه المشاهد الخالدة؛ لأمتنعَ عن الحزن، وألوذ بنسيانٍ إجباريٍّ يُبعدُ عني وهج الذِّكرى التي لا تخبو؟!

في وقتٍ مضى، أيقنتُ أنَّ الحياة ما هي إلا حزمة الذكريات، التي نحتقبها حيثما حطَّت بنا الرحال، وعندما قال شوقي: "الحياةُ الحب والحبُّ الحياة"، استدركَ عليه الطَّنطاوي، وقال: "ما العيشُ إلا الذِّكريات". لو قالها شوقي لـ كانَ أصدق! لأنَّ المحبَّ قد يموت، ويعيشُ ناسٌ بلا حب. وما أنا من أندادِ شوقي.

والذي يظهر، أنَّ مقالة الطَّنطاوي كانت في آخرِ عمره، أوردها في [ذكرياته].. وقد باتَ يتكئُ على بقايا الذِّكرى، وعبيرِ الذِّكريات.

وهي بحق فكرة عميقة؛ ربطُ الحياةِ بـ الذِّكريات؛ لأنها لا تموت، وتستعلي على النِّسيان. وما الذِّكرى إلا تلكَ الرُّوح التي يتركها الإنسان في صفحةِ الزَّمن، وجدرانِ المكان، كلما تذكَّرها، اكتملت الروحُ بـ بالجزءِ الذي تُركَ في بقعةٍ ما.

وكلما عظمتْ ذكرياتُ الإنسان، اتسعتْ دائرة الحياةِ لديه، بعددِ الأنفاسِ التي خرجت، والأرواحِ التي التقت، والأماكن التي عَبَر القلبُ من خلالها وارتسمتْ بداخله.

وما الحياةُ بلا ذكرى، وما العيشُ بلا ذكريات؟! حياةٌ بلا ملامح، قنينة عطرٍ فارغة، وعينٌ لم تر إلا صفحة يتيمة من كتابِ الأيامِ الكبرى، كتبتْ بمدادٍ يخلو من الدَّهشة التي توقدها الذكرى!
في لحظة توهج من توهجات الذِّكرى، وجدتني ألهجُ: سلام على شظايا الرُّوح التي تُركتْ في أماكنَ شتى؛ نتعزَّى بفقدها بضياءِ الذِّكرىٰ العظيم.

عندما قسى الزمان، وكوتني الغربة بلهيبها، وتركني من كنتُ أضنُّ بغيابه، شرعتُ في محاولة صادقةٍ لطلبِ النِّسيان، والتَّخلي عن الذكرى؛ تخففًا من وطأتها التي تستبدُّ بي، كلما لاحت لي. والفوضى التي تثير ضجة في قلبي، ومنذ تلك الحال، أقنعتُ نفسي أن تتخلى عن الثِّقةِ ببقاءِ من تحبُّ بجوارها، فكلما وثقتُ بـ إنسانٍ ما، وأودعته ثقتي، وركنتْ إليه نفسي، عاقبَني بالرحيل، وعندَ رحيله؛ أتشظَّى.. يأبىٰ الرحيل أن يتركنا بلا جراح، يتلونُ بصورٍ شتَّى، والألمُ واحد!

في فترةٍ وجيزة؛ رحلتُ عن أقوام، ففرغَ قلبي إلا منهم، وعندما قدِمتُ على آخرين، عاهدتُ نفسي أن أبقىٰ سليمًا من أدواءِ الرَّحيل، لا طاقةَ لي بهزيمةٍ أخرى، أشعرُ بهشاشةٍ كبيرة عندما يرحلُ من أتاح له قلبي مكانًا، وجوده يرممُ آثار الشَّظايا في حائطِ الفراق، وذهابهم انكشافٌ لما تبقىٰ من حمايةٍ لذواتنا المتكئةِ على القُرْبِ واللقاء!

فشلتُ في البقاءِ سليمًا، ووجدتني في عالمٍ يضجُّ بحيواتِ أشخاصٍ جدد، قدموا من رَحمِ أمكان بعيدة، كانوا وكنتُ على قَدَرِ اللقاءِ بهم، وعندما بلغتِ النَّفس مبلغًا بالأُنسِ بهم، نهضوا بصمت، وحملوا حقائبهم ورحلوا كأنَّ قلوبًا لم تكن!

رحلوا، وبقيتُ وحدي، ووحدي أتذكرُ أسراب الرَّاحلين، عنَّا وعنهم، كل شيءٍ مضى، لم تبقَ إلا بقايا ذكريات تعملُ بضعفٍ، وتنطفئُ في أوقاتٍ كثيرة.. وكلما وضعتَ يدكَ على كتفِ من تحب، ثمَّ هوتْ برحيله، فاعلم أنَّ مساحةَ الانطفاء في داخلكَ تتسع، ولا تزالُ تتسعُ وتتسع، دون أن تشعرَ بتضخمها، حتى تأتي اللحظة الفارقة، لحظة الانطفاءِ الأخير!

عوِّدْ نفسكَ أن تبقىٰ وحيدًا، فـ بقاؤكَ وحيدًا رغمَ ثِقَله ومشقته، أيسر من نقصانكَ كلما رفعَ أحدهم في وجهكَ كفَّ الفراق ملوِّحًا، يداري بيديه مشاهد لا تطيقُ العين رؤيتها!

- وداعًا، سأرحل. سعدتُ بمعرفتك.
- وداعًا، شقيتُ برحيلكْ.
- إلى اللقاء..
- إلى بقايا الذِّكرى.

خالد بُرَيه

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى