الأربعاء ٢٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٢

خاطرة سردية «ما الوطن؟»

فتحي زيدان جوابرة

ذات مرة سألتني:

 "ما تعريف الوطن بالنسبة لك؟".

 "الوطن يا زميلتي هو الأرض التي شهدت ماضينا وتشهد حاضرنا وستشهد مستقبلنا...". سألتها:

 "وأنتِ ماذا تقولين؟"

 " الوطن هو الأرض بجغرافيتها وتاريخها والناس الذين يعيشون عليها". سكتتُ أنا، فقالت:

 " اكتب لي خاطرة عن الوطن". وعَدْتُها أن أكتب لها خلال الأسبوع القادم نصّا (من الآخِر)، لكنني تكاسلتُ على الآخر، وأنا أقول في نفسي:

 "إم اللغة؟! وتريد موضوع تعبير عن الوطن؟". حاولت أن أكتب، لكن كنت أرى عباراتي قاصرة وفاشلة، وكانت كلما التقت بي تبتسم وتذكّرني بالوعد، فأقول:

 "حكيت لك الأسبوع القادم، وأنا عند وعدي ولن أخلفه". ثم صرتُ أتناسى الأمر، ومع مرور الأسابيع دُفِن الطلب في أدراج النسيان والإهمال، ولم أكتب لها شيئا عن الوطن.

أما اليوم وأنا هنا قابع في الزنزانة، وقد مرجحتني السّنون، وتقاذفتني دروبُ الحياة، وهزّتني حبال التجارب، يمكنني أن أكتب عن الوطن:

الوطن يا أعزائي أكبر مما تتصورون، ليس مجرد جغرافيا وشعب، إنه كائن حيّ يحيا بقدسيّة هذا العَلم المُخضّب بالتراب وبالدم، يحيا بشرفِ القَسَم الذي يصدح به طلاب الكليات العسكرية، يحيا بهيبة (فدائي وموطني وبلادي)، التي تلاها الشهداء والسجناء والجرحى والفدائيون والمنفيّون واللاجئون والكادحون والأخوة والرفاق والفهود والصقور والنسور والحمائم والمجاهدون والمكافحون والمناضلون والمقاومون والسياسيّون والدبلوماسيّون والمتفاوضون والتكتيكيّون والمتخاذلون والمنافقون والمستسلمون، وأمراء الحروب وتجّار الصراع. تلَوها مسبقا، ثم صاروا إلى ما صاروا إليه...

يا بن عمّي: كلما أتذكّر التلافيف في كفّ جدّي التي اتّكأ بها على جذع زيتونة حين مات، أُدرِك ماهيّة الوطن ومعنى الأرض، وكلما أتذكّر دماءَ جارنا الحصّادِ المجبولةَ بالتراب، حين ضرب المنجلُ يَدَه، فخضّب جرحه بالطيّون والتراب، ولفّ سيجارة عربية، وارتاح قليلا في ظلّ اللوزة، وهو يبتلع الدخان، ثم أكمل العمل، أُدرِك ماهية الوطن ومعنى الأرض، ويمكنني القول: إنّ ذلك الحصّاد هو أكثرنا فهما لمعنى الأرض.

يا أمّي، عندما وقفتُ على حدود الوطن عائدا إليه، فأعادوني قسرا إلى حيث كنت، فهمتُ تماما معنى أن يكون لي وطن، وأدركتُ أنّ في داخلي يعيشُ هذا الوطن.

يا أسمى، يتعزّز إدراكي لماهيّة الوطن وسرّ الوطن كلما يأتيني طيفكِ عندما وقفتِ قرب الزعرورة، متوشّحةً بالكوفيّة، مبتسمةً تحتضنين المصحف الذي تقرئين منه على روح جدّك الشهيد، وإلى جانب المصحف بين يديكِ ثلاث زهرات من اللبّيدة التي تنبت في وادي خروبة، الذي استُشهد فيه جدّكِ خلال معركة جنين، التي انتصر فيها الثوار والجنود العراقيون على عصاباتِ الصهاينة، الذين فرّوا إلى العفولة شمالا.

يا إخوتي، إيمان المواطن بأن الوطن هو ملاذه الأخير، يشبه إيمان الصائم بأنّ جوعه المؤقّت طمع بالشبع الأبديّ. يشبه إيمان الرضيع بالطمأنينة الأبدية حين يغفو على ثدي أمه. ألا تؤمنون مثلي أنّ للوطن صوت ولون وحركة ورائحة موجودة في كل شيء؟ ألا تقتنعون أن أرض الوطن يمكن أن تصير روحا تسكن فينا وتحيا معنا؟ روحا تحزن لأحزاننا وتفرح لأفراحنا؟ أنا مقتنع يا إخوتي أنه عندما نموت ستشربنا روح الأرض، لنصير جزءا لا يتجزّأ منها...

لا يمكن أن يصير الوطن وطنا إلا إذا عاش فينا، فالوطنيّون وحدهم يدركون النشوة في رائحة التراب حين يتشرّب باكورةَ المطر. وحدهم يميّزون العلاقة الحميميّة بين الزيتون والتراب، حين يشتَمّون رائحة أوراق الزيتون المخَضّبة بغبار الأرض. وحدهم يرون الأشياء في كل الوطن ويرون الوطن في كلّ الأشياء:

 في أقمشة الجدّات القديمة، وفي تزييفهنّ للحقائق حول صِباهُنّ الغابر.

 في العرق المنساب من جِباه البنّائين وحفّاري أساسات المنازل.

 في عشوائية السحب الهائمة في الفضاء، وفي تطاوُل الدّخان فوق أبنية المدينة.

 في ابتسامات خاطِبَيْن، ودمعة أب في زفاف ابنته.

 في ضوضاء الباعة المتجوّلين.

 في قهقهة طفلٍ يلهو بماء المطر المتجمّع في الحُفَر، وفي ارتجافته عندما يعود مُبَلّلا إلى البيت.

 في أنين غصنٍ مكسور شلخته ريح عاتية عن أمّه الشجرة، وظلّ ملتصقا بها، يتأرجح ويئنّ كلما استثارت آلامه الريح بين حين وآخر.

 في نشيج أمّ يتقطّع فؤادها على فراق ابنها الشهيد، وفي انتحاب أخرى ثكلت ابنها في حادث سير.

 في همعة طالبة عادت إلى أمها دامعة بسبب سؤال سخيف ورد في امتحان قصير، وضعته المعلمة على حين غِرّة.

 في حشرجة جرّاح في مستشفى كُتِب على بوابته: "وإذا مرِضتُ فهو يشفين"، ترقرقت عيناه حين استخرج رصاصة من صدْرِ شابٍّ أُصيب في مظاهرة ساخنة.

 في لعبة (السبع حجار) الصاخبة، التي لا تكتسب شرعيتها إلا بضجيج الأطفال وتخاصمهم.

 في لعبة (الكال) الهادئة تمارسها الفتيات الصغيرات في ركن البيت، خلال سهرة نسويّة تشكّلتْ من جارات الحيّ.

 في الحلوق الجافة للكادحين في مقالع الحجر، وفي الشفاه المتشقّقة للحطّابين والرعاة في صباحات الريح الشرقية.

 في أسرار العجائز حول رحلتهنّ السّرّيّة إلى عرّافة.

 في أبيات غزلية منحها شاعر لعاشقيْنِ.

 في كتابات باحث لغوي قضى يومين بلا نوم، يبحث في بلاغة "ن والقلم وما يسطرون".

 في رسمة كبيرة لمرج ابن عامر على جدارٍ مدرسيّ، وضع فيها رسّام محترف زبدة مهاراته، ثم ازداد جمالها الفنيّ جرّاء الضربات العشوائية المتكررة لكرة القدم من تلاميذ الصف الأول.

 في المعنى الكامن في ردّ سميح القاسم حينما سألوه عن قبوله بالهوية الزرقاء الإسرائيلية، فكان ردّه: "ليطبعوها على [مشيرا إلى قفاه]، ولن أغادر الرامة مهما كان الأمر".

يا أعزّائي، إن أخفاهُ عنكم غَسَقُ الليل سيبديه لكم شعاع النور، فابحثوا عنه في كل الأشياء، يمكن أن تعثروا عليه غافيا في ظلال سنديانة، أو تشاهدوه متربعا على بدر الليل، يمكن أن تسمعوا حنينه أو أنينه في صوت مزراب يشقع بماء المطر، يمكن أن تشمّوا رائحته في تربة تشرّبت بباكورة المطر، يمكن أن تتذوّقوا لذّته في شاي الصباح الخفيف بنكهة الزعتر البري، أو في شاي الغروب ثقيلا مع ميرمية عاسية، مغليّا على نار القيشة والسّوّيد في إبريق مُشَحْبَر.

يا إخوتي، إذا عاش الوطن فينا سيتحوّل حتما إلى جَنّة نعيش فيها... إنه كلّ أشيائنا وأحداثنا على أرضنا.

فتحي زيدان جوابرة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى