الأحد ٣٠ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم عارف عبد الرحمن

رثاءٌ إلى غزّة

لا تأتِ، أيُّها الموت،
هذه المرّة
لتُحصي غيابَنا.
تعالَ خفيفًا،
كحمامةٍ تعرفُ طريقَها
إلى النبع.
اشربْ من أحلامِنا
ما تشاء،
من أعمارِنا الصغيرة،
وسُرْ بين أصابعِ جدّاتِنا
لتسرقَ حبّاتِ العقيق
من مسابحِهنّ،
والقُبَلَ التي
لم نجدْ متّسعًا من العمر
لنمنحَها لأحد.
انتشِ من فردوسِ خواطرِنا
ما يحلو لك،
لكن لا تدخلْ
مُثقَلًا بهيبتك.
لا تأتِنا
على هيئةِ رصاصةٍ
تتوهّجُ في العتمة،
ولا برائحةِ البارود
العالقةِ
في أفواهِ الألغام.
كنْ ريشةً
تهبطُ على شبابيكِ بيوتنا،
تمرُّ في الحارات
ولا توقظُ أحدًا.
خفيفًا...
خفيفًا إلى حدِّ
أن نكنسَكَ في الصباح
بكلِّ حنان،
ونحملكَ
إلى مقابرِنا الجماعية.
أيُّها الموت،
افتحْ بحرَ غزّة.
دعْ أجسادَنا
تمتزجُ بالملح،
لنصيرَ أولادَ الملح
بدلًا من أولادِ التراب.
فالملحُ
يعرفُ كيف يحفظُ الجرح،
وكيف يتطهّرُ
كلَّ مساء.
وأنتَ،
تعرفُ أسماءَ الغائبين
أكثرَ ممّا تعرفُ
وجوهَ العابرين.
وجهُكَ
ترابُ العالم.
وقدماكَ
خطوةُ الفناء.
فخذْ بأيدينا
برفق.
نحن أيضًا،
في هذه العتمة،
سنأخذُ بيديك.
فليس العشقُ،
يا موت،
إلّا الأثرَ
الذي يتركه الجسد
وهو يعبرُ
من حياةٍ
إلى حياةٍ أخرى.
هذا الجوعُ
يعلّمُ الريحَ
معنى الامتلاء.
وهذا الدمُ القاني
يعلّمُ الفجرَ
كيف يرفعُ رأسَه
في وجهِ النهار.
وهذا الماءُ
في جرّةِ الفخّار،
ما زالَ ينتظرُ
شفاهَنا.
انظرْ، أيُّها الموت،
إلى جبينِ أمّهاتِنا.
ألا ترى
آثارَ القُبَل؟
غزّة...
معجزةٌ
تتكرّرُ كلَّ يوم.
حنينُ الناي
إلى البوح.

وترٌ مرتجفٌ
في قيثارةٍ
أرهقها الصمت.
يدٌ
تبحثُ عن يدٍ
في عتمةِ غرفة.
كيف نتعلّمُ الحبَّ
من الجسدِ الإنسانيّ
وهو هشٌّ
إلى حدِّ الوجع؟
وكيف يستطيعُ،
مع ذلك،
أن يحملَ
كلَّ هذا الضوء؟
نذوبُ قليلًا
في الزمن،
وقليلًا
في اللحظة.
والحنينُ
شفّافٌ ككابوس،
حادٌّ
كطفولةٍ
لم تكتمل.
من أعلى الحلم،
ومن أعمقِ نقطةٍ
في الحياة،
تهبطُ، يا موت،
كأنّك ذاكرةُ الضوء،
كأنّك حكايةٌ
لم تجدْ
نهايتَها بعد.
كأنّك يدٌ
تمتدُّ من جهةِ الحياة
إلى جهةِ الموت.
لكن غزّة
لا تمدُّ يدَها
كي تستسلم.
غزّة،
التي كلّما أخذَ الموتُ منها
ما استطاع،
أخرجتْ من رمادِها
يدًا أخرى،
ومدّتْها
نحو الضوء.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى