الخميس ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢١
بقلم أحمد الخميسي

زهور الإســفـــلـــت

تدوي الصرخة منتصف كل ليلة، تمزع الفضاء باهتياج وحشي غريب كأن مئة رجل ينزفون معا أوجاع آلاف السنين، تشق الفضاء، أهرول إلى نافذة الصالة. أخرج رأسي منها، أتلفت يمينا ويسارا لكن لا أرى أحدا غير كلاب تعوي تفر من الصوت وذيولها بين قوائمها إلى أسفل السيارات. ليلة بعد الأخرى تنداح الصيحة بعمق وألم وقوة حتى أقضت مضجعي وأغمتني فصرت أترقبها عند النافذة ربما أصل إلى شيء. لمحت الآن رجلا قادما من مدخل الشارع يمشي ببطء وكفاه مرفوعتان إلى السماء يضج بالصرخة الحارة، ثم اختفى ولم يظهر في اليومين اللاحقين. أطل الليلة من جديد لكنه بدا لي سريع الحركة وأقل حجما من ذاك الذي رأيته في المرة الأولى. تابعته ببصري. انعطف يمينا وتوارى، لكن صدى صرخته ظل معلقا في هواء شارعنا برهة. رقدت في حجرتي أحدق بالسقف وانثالت على أحزان قديمة غريبة من طفولتي، من شقاء والدي الصعيدي المغترب، وبؤسه، حتى أننا لم نكن نطالبه بشيء، وكنا نعيش على عطايا الأقارب وعطفهم وملابس أولادهم.

صباح اليوم التالي أخذت أستفسر في الشوارع المحيطة عن ذلك الذي يصرخ كل ليلة. سمعت حكايات منها أنه فلاح اغتصبوا أرضه، وأنه شاب كان عنده كشك سجائر أزالوه لتوسعة الشارع، ثم فوجيء بمحل تجاري كبير مكان الكشك، وأكد لي آخر أن الحديث يدور عن محام كان معروفا، اعتقلوه ثلاثة أعوام وخرج بعدها ذاهلا إذا فتحت معه أي موضوع حملق فيك سائلا: "طيب.. وأين القانون الذي درسناه؟"، ثم قال أحد الجيران إن الذي يطوف الشوارع ليلا عامل بسيط كان ابنه متفوقا، وحين تقدم للالتحاق بالعمل في السلك الدبلوماسي رفضوه لأنه:" غير لائق اجتماعيا" فأصابت أبوه لوثة وجن. سمعت حكايات كثيرة مختلفة حتى أيقنت أن هناك عشرات ممن يجوبون الشوارع صارخين، أو أن هناك شخصا واحدا بعشرات الوجوه والحكايات.

وقفت الليلة كعادتي عند النافذة أنفث دخان سيجارتي، أترقب صرخة الرجل وظهوره. تذكرت والدي في أيامه الأخيرة وهو عاجز عن التعرف الينا. لبثت واقفا حتى ارتج الهواء من الآهة العميقة، وظهر الرجل يتطوح بين ظلال الأشجار وأعمدة النور. هذه المرة كنت متأهبا بكامل ملابسي لأتعقبه ربما أستطيع أن أساعده. هبطت من شقتي بسرعة، ورأيته وأنا عند مدخل العمارة من ظهره. سرت خلفه من على مسافة.

اخترق الشارع صارخا ثم انعطف إلى زقاق ضيق، وهناك تمهل وراح يتطلع إلى شرفات البيوت الناعسة ثم واصل سيره إلى ميدان تتوسطه صينية. توقف يلتقط أنفاسه كأنه ينزف عذابا، ثم دوت صيحته مستجيرا مسترحما، ومشى إلى أن بلغ بيتا مهدما يطوقه حائط منخفض. وثب من فوق الحائط إلى الناحية الأخرى. أسرعت ووثبت خلفه.

رأيتني في خربة مهجورة تعلو فيها الأشواك وتتجول القطط وتتراكم القمامة في جنباتها. جلت بعيني يمينا وشمالا أفتش عن الرجل فلم أره. تعجبت، أين يمكن أن يختفى؟.

تململت في وقفتي فارتطمت قدماي بجسم حديدي بارز عن الأرض. هبطت ببصري لأسفل فرأيت شبكة من قضبان صدئة مثل غطاء بالوعة. انحنيت وغرزت ركبتي في الأرض. رفعت الغطاء بيدي فبانت لي فتحة مستديرة تتسع لنزول شخص. أيعقل أنه يعيش في هذه الحفرة؟! قررت الهبوط إلى أسفل. بدأت أنزل وقدماي تتلمسان سلما ضيقا درجة بعد الأخرى. وما إن توقفت عند الدرجة الأخيرة حتى هب علي بقوة هواء مشبع برطوبة ثقيلة، وقبل أن تعتاد عيناي على العتمة هاجمتني حلقات من هاموش صغير، دفعتها بيدي وأنا أحدق في ما حولي. كنت في قبو مرتفع السقف يسبح في زرقة كابية، وعلى مد الشوف تمايلت غير بعيد خفقات شموع بمداخل ورش نجارة وحدادة، وظلال أكواخ، وأشباح رجال ونساء تروح وتجيء مع ضربات مطارق وآلات العمل.

لبثت مبهوتا لا أصدق أن تحت الأرض حياة كهذه، إلى أن راحت تتضح من غمرة الظلال طوابير من البشر تتقدم، تتجاور، وتتفرق، وتتسع، تقترب مني وتتطلع إلي بوجوه هامدة في ثبات مرعب. أيعقل أن يعيش تحت الإسفلت شعب بأكمله لانعرف أننا ندوس عليه كل يوم ؟ من بين الجموع برز طفل صغير على جبهته طفح جلدي وبيده شيء مثل لقمة خبز أو قطعة لحم، وقف أمامي وفتح في عينيه بنظرة غريبة مشبعة بدفء وظلام وجذور عميقة. هالني ما حولي وقررت أن أعود إلى السطح. رفعت قدمي لأعلى درجة بعد أخرى وأنا لا أحيد ببصري عن أكتاف ورؤوس الطوابير الغارقة في العتمة الزرقاء. وصلت صعودي حتى شعرت من فوق بحركة هواء السطح النقي. جريت في الخربة إلى الحائط المنخفض ووثبت فوقه إلى الجهة الأخرى، ورحت أتخطف الهواء ملهوفا بفم مفتوح. كان الشارع ساعتها خاليا من الحركة موحشا، ترامت فيه العمارات في الصمت والظلال. لبثت دقيقة في مكاني لأستفيق من القلق والحيرة والخوف. أخيرا استجمعت قوتي وبدأت أتحرك للأمام لأرجع إلى بيتي، لكني ما إن خطوت أولى خطواتي حتى راح إسفلت الشارع يتشقق تحت قدمي، ومن حولي، وكلما نقلت قدمي خطوة تشرخ الإسفلت أمامي وبرزت من فجواته قبضات ملوحة وأفواه تصرخ وأنصاف وجوه وعيون منفعلة.

ركضت مفزوعا عدوت كالمجنون حتى لم تعد ساقاي قادرتين على التفلت من الأيادي والحناجر والأظافر التي تناوشتني بعنف فانهرت على طرف رصيف معتمدا بظهري على عمود نور. شعرت بدوار وبالكاد كنت أرى ما حولي، وعم صمت مرعب حولي، وتجمدت وجوه الشعب الذي خرج من تحت الإسفلت، ولم تصدر عن أي منهم ارتجافة صغيرة، فقط راحوا يواصلون النظر إلي بثبات يترقبون شيئا مابأمل، أو يأس، ولم أكن أعلم ما الذي يترقبونه، ولم أدرك إن كانوا يناشدونني البقاء معهم، أم أن يظلوا معي على سطح الأرض؟.

وما لبثت السماء أن أمطرت، أمطرت بصمت وبرفق، كأنها تهمس للأرض، وتفتحت قطرات المياه الشفافة زهورا بيضاء على الإسفلت الأسود، واستحكم ونحن في ذهول صمت عجيب، وتعلقت أبصارنا بسلاسل من النور امتدت، وراحت تتجاوزنا، وتتراكم في تلال، ثم تنهض تعاود سيرها، وقد فاحت في الأرض أنفاس الطفولة الأولى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى