الأربعاء ٣٠ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٨

عبد الغني الدقر

بقلم الأستاذ الأديب : عبد الله الطنطاوي

تمهيد:

الشيخ عبد الغني الدقر هو علامة الشام، ومن بقايا الفصاح، وهو عالم شرعي، وأديب ولغوي، ونحويّ وصرفيّ، ومحقق باحث، وهو داعية إلى الله على بصيرة، وبحكمة وهدوء، عرف زمانه، واستقامت طريقته، فكان قدوة لمن عرفه من تلاميذه الكثر، ومن سائر طبقات الشعب وفئاته، من العلماء، والمثقفين، والتجار وطلبة الجامعات وأساتذتها الذين تتلمذوا على يديه، وما زالوا كذلك حتى وفاته. وأجدني أقول، بادئ ذي بدء لو أن دولة تبنته، أو من أن حزباً احتضنه وروَّج له، ولولا كبرياء العلم، وعفة النفس، والتسامي على ما يتنافس عليه علماء الدنيا - لا الدين - ومثقفوها، لذاع صيت الشيخ، ولكان له شأن أي شأن في عالم الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى.

بطاقة شخصية:

ولد الشيخ عبد الغني في دمشق عام 1335هـ - 1916م في أسرة دمشقية عريقة، ولأب عالم عامل جليل، كان الأشهر بين العلماء الوعاظ في عصره، هو الشيخ علي الدقر، صاحب أكبر نهضة علمية ليس في بلاد الشام وحدها، بل في العالم العربي كله، وأكثر علماء الدين في دمشق، وحوران، والأردن، وبعض المدن السورية الأخرى، هم من تلاميذه، ومن خريجي معاهده ومدارسه الشرعية التابعة لجمعيته التي أسسها عام 1343هـ - 1924م باسم: (الجمعية الغرّاء لتعليم أبناء الفقراء) وقد تخرج فيها آلاف الطلبة الذين كان منهم العلماء، والأدباء، والفقهاء، والخطباء، والقضاة، والوزراء، وأساتذة الجامعات. ولعلّي أقدم حلقة عن هذه الجمعية وشيخها العالم الرباني المربي المجاهد، الداعي إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي قضى على كثير من الخرافات والبدع التي كانت تسود المجتمعات الإسلامية عامة، والصوفية خاصة، مع أنه كان صوفياً مثالياً، ولكنه كان وقافاً عند حدود الشرع الحنيف، لا يتعداه، ولا يسمح لأحد أن يتعداه.

تعليمه:

بدأ طلبه للعلم في (الكتّاب) أولاً، ثم انتقل إلى مكتب المقرئ الشيخ عزّو العرقسوسي، وأتقن قراءة القرآن الكريم على يديه. ثم انتقل إلى المدرسة التجارية، وأمضى فيها ست سنوات وحفظ الكثير من المتون التعليمية في الفقه والنحو، وكان فيها من المبرزين المتفوقين، الأمر الذي حدا مدير المدرسة إلى تعيينه معلماً فيها، ولما يزل فتى يافعاً.

وفي الثانية عشرة من عمره المبارك، انتقل إلى حلقات أبيه في جامع السادات، وجامع السنانية، والمدرسة السيبائية، وتلقى فيها العلوم الشرعية، وعلوم اللغة العربية من نحو، وصرف، وبلاغة، وعروض، وفقه، وحديث، وتفسير، وأصول.

ثم أقبل على التهام هذه العلوم بجد، وأضاف إليها كتب اللغة والأدب، فدرس كتاب الكامل للمبرد، والأمالي لأبي علي القالي، وكتب الجاحظ، والمزهر في علوم اللغة للسيوطي ثم عرج على كتب الأدب الحديث، فقرأ المنفلوطي، والزيات، والعقاد، وأفاد من بعض الأدباء واللغويين في دمشق، كالأستاذين: التنوخي، والنكدي، مع أن أباه كان له رأي في كتب الأدب، وخاصة الحديث منه، فكان ينهى أولاده وتلاميذه عنها، لما يرى فيها من انحراف وإضاعة وقت، ولهذا عندما علم أن ولده عبد الغني يقرأ (النظرات) وسواها للمنفلوطي، زجره وكاد يغضب عليه، ولكن غرام الفتى عبد الغني بالأدب وكتبه قد بلغ منه مبلغ العشق، حتى إنه قرأ (الكامل) على الأستاذ عز الدين التنوخي، ثم قرأه مع الشيخ حسن حبنكة، ثم حفظه مع شروحه وشواهده، وكانت شواهده حاضرة في ذهنه، يستشهد بها في كتاباته، ومجالسه العلمية، وفي تدريسه لطلابه الكثر.

وقرأ (أمالي) القالي على العلامة اللغوي الكبير الشيخ عبد القادر المغربي، وقرأ المعلقات وشروحها، وسواها من أمّات الكتب التي تتحدث عن الأدب الجاهلي، والإسلامي، والعباسي، وحفظ الكثير منها ومن شواهدها ونوادرها وطرائفها، فكان مكتبة تمشي على قدمين.

وعندما التقاه العلاّمة محمد كرد علي، مؤسس المجمع العلمي العربي بدمشق، ورئيسه، وجلس إليه، واستمع كلٌّ منهما للآخر، أعجب به كرد علي، ودعاه لإلقاء محاضرات في المجمع، واستجاب الشيخ عبد الغني لطلبه، كما كلفه بتحقيق كتاب (تاريخ دمشق) لابن عساكر، فحقق منه الجزء السابع، وفهرس كثيراً من المخطوطات في المجمع، وفي المكتبة الظاهرية في الفقه الحديث.

وكانت له مجالس علم وأدب مع العالم الرباني الشيخ عبد الكريم الرفاعي، قرأ معه كتابي: المحلى، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم. ومع الشيخ المؤرخ العلامة نايف عباس الذي تدارس معه (علم البيان) تلبية لرغبة الشيخ نايف، ومع العلامة السلفي الشيخ بهجت البيطار، ومع أخيه وأستاذه الشيخ أحمد الدقر، وسواهم من العلماء والأدباء والشعراء كالأستاذ النحوي العلامة سعيد الأفغاني، والشيخ على الطنطاوي فقد تدارسوا معاً كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي وسواه.

وكان فقيهاً حراً، مع أنه شافعي المذهب، ولكنه يكره التعصب للمذهب، والمتعصبين من الفقهاء، يقدّم رأيه ولا يفرضه على غيره، يأخذ من الجميع ثم يعود إلى رأيه المصحوب بالدليل الصحيح الثابت من السنة المطهرة.

لقد كان الشيخ عبد الغني ألبَّ لبّاً، وأوسع ثقافة، وأسرع لَقناً وأحضر بديهة، وأقوم أسلوباً، وأدق بحثاً، من كثير ممن تملأ كتبهم واجهات المكتبات، وتسبق ألقابهم أسماءهم، وتُعلّق النياشين على صدورهم، ولو شاممتهم لرأيتهم في المصلين، وعبد الغني في المجلين، ولكن الأرزاق مقسومة، مالاً، وشهرة، وكتباً، ومناصب..

صفاته:

وكان كريماً، محباً للناس، عطوفاً على الفقراء والمساكين، وعلى الأرامل والأيتام، وقد استأثر حبّ النبيّ الكريم بمجامع قلبه، وكثيراً ما رآه في رؤاه، وعندما زار قبره الشريف، فاضت عيناه بالدموع الحرار الغزار، وأرتج عليه، فصار يتمتم وهو الكليم.

كان طلق المحيا واللسان ، دؤوباً على طلب العلم ، صابراً على استنباط الأحكام ، وفهم ما يشكل على العلماء من أمثاله، متسامحاً مع المخالفين له في الرأي، ويتمتع بأسلوب تحليلي قائم على البرهان والدليل، وكان الكتاب جليسه وأنيسه حتى وفاته، وكان بعيداً عن الأضواء، ويؤثر عليها كتابه وأصدقاءه وتلاميذه وبيته، وكان يجيد السباحة، والرماية، وركوب الخيل، ويحب الصيد.

المعلم:

ذكرنا أن مدير مدرسة التجارة عيّنه معلماً فيها، مع أنه كان دون الثانية عشرة من العمر، ثم إن أباه الذي علّمه وخبره ثم وثق بعلمه، انتدبه لتعليم النحو، وهو في الخامسة عشرة، فدرّس تلاميذه عدداً من كتب النحو، مثل: الآجرومية للأزهري، وقطر الندى، وشذور الذهب لابن هشام، وشرح ألفية ابن مالك في النحو لابن عقيل.

ثم انتقل مدرساً للأدب في (معهد العلوم الشرعية الإسلامية) التابع للجمعية الغراء، وكنت واحداً من تلاميذه، وأفدت منه علماً وأدباً وأخلاقاً، ولي معه ذكريات حميمة، ما أحلاها من ذكريات، قد أنشرها في غير هذا المقام، فهو الذي رغبنا في الأدب، وحببنا باللغة العربية التي كان يعشقها كما يعشق دمشق، بل أكثر، وكان يوصينا باقتناء الكتب، ومنها كتب المنفلوطي التي تربيت أنا على أسلوبه في بداية حياتي الأدبية، وقد أوصانا بأن يكون (مختار الصحاح) في أيدينا وجيوبنا، ليصحبنا حيث نكون، نديم النظر في مفرداته، لنكوّن أسلوبنا الخاص، وليكون لنا معجمنا الخاص.

وكان له درس أسبوعي في منزل أخيه الشيخ أحمد، في الحديث الشريف مرة، وفي (الرسالة القشيرية) أخرى، وله درس أسبوعي في جامع الحمد يقرأ فيه من صحيحي البخاري ومسلم. وكانت له دروس أسبوعية لطلبة العلم، منها ما كان في دراسة اللغة والأدب، ومنها في دراسة الفقه المقارن، وفقه الحديث، وأصول الفقه.

وقد أسهم في تعديل مناهج المعاهد الشرعية التابعة للجمعية الغراء، وأدخل عليها العلوم الكونية، من فيزياء، وكيمياء، ورياضيات، كما أدخل التاريخ، والجغرافيا، واللغة الأجنبية، إلى جانب العلوم الشرعية والعربية.

الكاتب المؤلف:

كنت قرأت وأفدت الكثير من كتبه، ولكني عندما قرأت أول كتاب له في سلسلة (أعلام المسلمين) عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قلت: سوف يتعب الشيخ من سيكتب بعده في هذه السلسلة المهمة، وتمنيت لو أنه يتفرغ للكتابة عن أعلام المسلمين بقلمه السيال، وأسلوبه المترف الأنيق، وقلت له ذلك، فابتسم ابتسامته الساحرة وقال: "حبُّك الشيء يعمي ويصم".

قلت له: اسمح لي يا أستاذي الحبيب أن أؤكد لك أني لا أقول إلاّ الحق.. إلا ما أعتقد أنه الحق، ولست أطريك في هذا. فقال: حبّك لأستاذك..

قلت: لا والله، مع أن حبي لأستاذي وشيخي شديد.

وهاأنذا ألقي بعض الأضواء على كتبه القيمة:

1 ـ مختصر تفسير الخازن، المسمّى: لباب التأويل في معاني التنزيل: وهو كتاب كبير، اختصره الشيخ في ثلاثة مجلدات كبيرة، من القطع الكبير، وجاءت في 1725 صفحة.

مؤلف هذا التفسير: العلامة محيي السنة علاء الدين علي بن محمد المعروف بالخازن، لأنه كان خازن الكتب بالسُّمَيساطية.

قدّم الشيخ لمختصره هذا، وبيّن السبب الذي دعاه إلى اختصاره، وهو أنه يحتوي على الجيّد والرديء، والسمين والغثّ، على حسب حاجة زمنه؛ فالجيد فيه: وضوحه، وسهولة عبارته، وتوسّعه في أحكام القرآن، مع توضيح أدلتها من الكتاب والسنة، وأنه لا يدع حكماً ولا موعظة ولا عبرة إلاّ ويستشهد عليها بالأحاديث النبوية مع تصحيحها، أو تحسينها، أو تضعيفها.

والرديء فيه: كثرة ما فيه من الإسرائيليات التي تضر ولا تنفع، وأكثره ممّا لا يقرّه كتاب ولا سُنّة، إلى جانب بعض الخرافات التي لا يحتملها ولا يقبلها العصر.

وقد اقتصر الشيخ على الجيّد والسمين، ونفى الغثّ والرديء، فجاء على خير ما يرجوه القارئ من كتب التراث شكلاً ومضموناً.

طبع هذا الكتاب في دار اليمامة بدمشق عام 1994م - 1415هـ.

2 ـ الإمام الشافعي: فقيه السنة الأكبر، وهو الكتاب الثاني في سلسلة (أعلام المسلمين) التي تصدر عن دار القلم بدمشق، صدر عام 1392هـ - 1972م في أربع مئة صفحة من القطع العادي، وطُبع حتى اليوم خمس طبعات. تحدّث فيه الشيخ عن الإمام الشافعي من المهد حتى اللحد، استهلّه بمقتبس لطيف من كلام الشافعي، ثم جال جولة في خطة الإسلام، وتوزّع مناهج المجتهدين إلى مدرستين، هما: مدرسة الحديث في الحجاز، ومدرسة الرأي في العراق، ثم قال: "وهناك مدرسة ثالثة لم يشر إليها مؤرخو الفقه، هي مدرسة الشافعي". وقال: "لا ريب أن مقام الشافعي من هذا الخضمّ، مقام المنارة المشعّة في جزيرة منيعة ضخمة؛ فلقد آتى الله الشافعيّ من حدّة الذكاء، وغزارة المواهب، والرغبة الصادقة، والاستقامة، والتقوى - ما يسّر له أن يطّلع في فترة قصيرة من عمره، على جميع ما وصل إلى زمنه من علم". فقد أخذ الشافعي كلّ ما عند علماء مكة، والمدينة، واليمن، والعراق، كما تلقّى علم أهل الرأي عن أحد صاحبي أبي حنيفة: محمد بن الحسن، وكتب من كتبه حمل بعير.

وبهذا يكون الشافعي لم يلتزم في أخذه ودراسته مذهباً معيناً، بل تلقّى فقه أكثر المذاهب التي عرفت في عصره، وجمع إلى ذلك ما حفظه من السنن والآثار.

"ثم أخذ بعقله الواعي، وبصيرته النافذة، وإخلاصه في طلب الحق، مع علم بالعربية لا يقارن فيه - يدرس، ويوازن بين الأدلة، ويعيد النظر فيما استنبط، حتى عرف طريقه، فوضع مخططه في الاجتهاد في كتاب (الرسالة) وسار على منهج واضح مستقل، ينشئ مذهبه المدعوم بأقوم حجة من منطق الشريعة وآثارها".

وبهذا يكون الشافعي - رحمه الله رحمة واسعة - منهجياً، يضع الأصول، ثم يبني عليها مذهبه، ومذهبه هو المدرسة الثالثة التي هي بين مدرسة الرأي ومدرسة الحديث، وهي إلى مدرسة الحديث أقرب.

كتب الشيخ "حياة الشافعي في تسلسل، مرحلة إثر مرحلة، منذ وُلد إلى أن وافاه الأجل" وتحدّث طويلاً عن سيرته العلمية في فروعها كلها، وقدّم شهادة كبار العلماء فيه، من شتى المذاهب والنِّحل، وسرد وصفاً حيّاً لأخلاقه ومناقبه، وقد مزج بين حياته المادية وحياته العلمية الحافلة، ليعلم القارئ مراحل النّمو والتطور فيهما.

والحق، إن من يطالع هذا الكتاب، يشاهد الإمام الشافعي حيّاً أمامه، يرحل، ويتعلم، ويعلِّم، ويناظر، وقد كتبه الشيخ بأسلوبه الرصين، وعبارته العالية، التي تليق بإمام من أئمة اللغة والأدب والشعر، وإمام جليل من أئمة الفقه، والحديث، وعلم الأصول..

لقد أتعب الشيخ عبد الغني من جاء يكتب بعده في هذه السلسلة القيمة.

3 ـ الإمام النووي: شيخ الإسلام والمسلمين، وعمدة الفقهاء والمحدّثين، صدر هذا الكتاب القيم عام 1395هـ - 1975م عن دار القلم بدمشق، في 215 صفحة من القطع العادي، وقد تعدّدت طبعاته (الطبعة الرابعة عام 1415هـ) ونهج فيه المؤلف الشيخ نهجه في كتابه عن الإمام الشافعي، فتحدث عن حياته الحافلة بالعلم والعمل معاً، من المهد إلى اللحد، تحدث عن عصر أيام الملك الجبار الظاهر بيبرس الذي أذهل الصليبيين والتتار ببأسه وهول حروبه، كما أرعب شعبه وعلماءه، إلاّ عالماً واحداً لم يَقوَ عليه، هو ذلك الشيخ الهزيل الجسم، المرقّع الثياب محيي الدين النووي، رحمه الله رحمة واسعة.

تحدث الشيخ عن مولد النووي في بلدة نوى في حوران - من بلاد الشام - وعن رحلته إلى دمشق لطلب العلم، وعن شيوخه في الفقه، والحديث، وعلم الأصول، والنحو، واللغة، وتحدث عن العلوم التي نبغ فيها وبرع، فكان العالم الفقيه، المحدث، وكان العالم اللغوي، والنحوي، والصرفي، وكان العالم في العقائد، يشرح ويقرر ما استقر في نفسه من علم التوحيد، يبثّه في كتبه، كما فعل في كتابه القيم (شرح مسلم) الذي حوى الكثير من العقائد على أصول أهل السنة، فهو سلفيّ العقيدة، شافعيّ المذهب.

وتحدث عن عبادته، وزهده، وورعه، ورفقه بالناس، ودفاعه عن المستضعفين أمام الجبارين، كما تحدث عن حليته، وبزته، وعن مأكله ومشربه، وعن كتبه، وشعره، ومؤلفاته التي مات عنها وهو ابن خمس وأربعين سنة، قبل أن يتمّها.

إنه كتاب جامع رائع، يضعك أمام محيي الدين النووي العارف بالله، وكأنك تستمع إليه وهو يحدّثك، وكأنك تراه في سائر أحواله.

4 ـ أحمد بن حنبل : إمام أهل السنة، صدر هذا الكتاب عن دار القلم بدمشق ضمن سلسلة ( أعلام المسلمين ) عام 1399هـ 1979م في 318 صفحة من القطع العادي في طبعته الثالثة عام 1413هـ.

جاء في مقدمة الكتاب: "وبعد: فما أستطيع أن أدّعي أني في هذا الكتاب بلغت ما أريد، ويريد من يعرف الإمام حقّ معرفته..

فالإمام أحمد رجل النصف الأول من القرن الثالث، فليس من أحد في عصره بلغ من الشهرة والثقة والاعتقاد ما بلغه، فهو أئمة في إمام، ذلك أنه كان، رحمه الله، إماماً في الورع، إماماً في الزهد، إماماً في التعفف، إماماً في طريقته الفقهية، إماماً في عقيدته المحافظة، إمام أئمة الحديث في عصره، إماماً في الثبات والصبر على أشدّ البلاء في سبيل إنقاذ السنّة وصونها والدفاع عنها، فهو الجبل الراسخ لا تزعزعه الأهواء، ولا تميد به العاصفات، وهو الرجل الربّانيّ الذي أجمع علماء عصره - إلا من لم يعبأ الله بهم - على أنه القدوة الثابتة..".

ومن كانت هذه صفته، لا يمكن أن يحيط به كتاب من بضع مئات من الصفحات، والمؤلف - في هذه السلسلة من الكتب القيمة - يصوّر بدقة وصدق حال من يكتب عنه في حياته، وعلمه، ودينه، وأخلاقه، ومذاهبه، ملتزماً بذلك دقّة النقل وأمانته، ليس غير.

وهكذا انطلق المؤلف يكتب عن عصر الإمام، وعن نسبه وبيئته، وعن صفاته وهيئته، وعن علمه بالحديث الشريف، وعن فقهه، وعلمه باللغة العربية، وعن شيوخه وتلاميذه، وعن مناظراته ومذاكراته، وعن عقيدته التي هي عقيدة السلف، وما جاء في الكتاب والسنة، لأن الدين كله ما قال الله تعالى وما قال رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، وما أفتى به الصحابة الكرام لأنهم شهدوا الوحي، وعرفوا مقاصد الشريعة.

تحدث الشيخ المؤلف عن محنة الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن، واعتبرها سبّة الدهر، تلطّخ بها ثلاثة من الخلفاء العباسيين متعاقبين: المأمون، والمعتصم، والواثق، بتأثير بعض كبار ذوي الأهواء.

تحدث عن أخلاق الإمام؛ وعن تمسّكه بالسنّة، وعن ورعه وزهده وتعففه، وعن بذله وجوده، وعن خوفه من الله تعالى، وعن حلمه وعفوه وتواضعه، وخشونة عيشه، وعن حبّه للفقراء والمساكين.

تحدث عن عبادة الإمام؛ عن صلاته، وقراءته للقرآن، وعن حجّه وأدعيته وكراماته، وتحرّيه الحلال في المأكل والمشرب والملبس، وعما سوى ذلك من الشمائل والأخلاق العالية.

وتحدث عن مكاتبات الإمام، وعن مؤلفاته، وانتشار مذهبه.. وهكذا سار المؤلف بنا حتى واراه الناس في مثواه الأخير في هذه الدنيا الفانية، عليه رحمات الله ورضوانه.

5- الإمام مالك بن أنس: إمام دار الهجرة، صدر عن دار القلم بدمشق في سلسلة ( أعلام المسلمين) عام 1402هـ-1982م في 391 صفحة من القطع العادي، وطبع أكثر من طبعة.

استصعب المؤلف في المقدمة، الكتابة عن الإمام مالك، وقال: " فليس من السهل التحدث عن العظيم" فقد صنف في الإمام مالك كثيرون، فمنهم من تحدث عنه فقيهاً، ومنهم من كتب عنه محدثاً. ومنهم من صنف في ترجمة حياته، وليس هناك كتاب في التراجم لم يذكر مالكاً إلا القليل.. كيف لا، وهو الإمام الكبير، والفقيه الكبير، والمحدث الأكبر.

كدأب الشيخ في تراجمه لبعض عظماء أمتنا، تحدث عن عصر الإمام، ثم عن حياته من المولد حتى الوفاة، وذكر صفاته وأموره الخاصة، وتحدث عن طلبه للعلم، ثم عن مالك العالم الذي شهد له سبعون من العلماء الكبار الذين تُثنى لهم الأعناق، فأحلّته شهاداتهم مجلساً رفيعاً للعلم في المسجد النبوي الشريف. ووصف ذلك المجلس السامي، وأنه أعظم من مجالس شيوخه، يتحلق الناس حوله، ليسمعوا منه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفقهه العميق لتلك الأحاديث التي لا ينبغي أن تتعدى العشرة في المجلس الواحد، وليتفقهوا في الدين من هذا العالم الشاب، الذي جمع بين الحديث والفقه، فكان أكبر وأشهر محدث في عصره، كما هو أكبر فقيه.

تحدث عن مالك المحدث، وعن(الموطأ) وعن أصول مالك الكتاب، والسنة، والإجماع، وعمل أهل المدينة، والقياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والعرف، والعادات، وسد الذرائع، والاستصحاب) وتحدث عن الرواة عن الإمام، من شيوخه ومن تلاميذه، ومنهم الخليفة العباسي: هارون الرشيد، كما تحدث عن انتشار مذهبه، وعن عقيدته، وآرائه في عدد من القضايا، وعن هيبة مالك، وجاهه، ودخوله على الملوك والأمراء، ومحنته مع المنصور الخليفة العباسي الذي أمر بضربه لأنه أفتى بعدم وقوع طلاق المُكرَه، لأن كثيراً ممن بايعوا المنصور وغيره من الخلفاء العباسيين كانوا قد أُكرهوا على الأيمان بالطلاق والعتاق إن هم نقضوا بيعتهم، فكان مالك يروي الحديث:" ليس على مستكره طلاق" وتابعه في فتواه الشافعي وأحمد، وقرر الأحناف وقوع طلاق المكره.

وعلق المؤلف على ضرب الإمام بقوله:

" أمثل مالك يُضرَب، وقد ملأ الدنيا علماً وحديثاً وفقهاً؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

أَمثله يُضرَب، وقد مهّد الأحكام، ليحكم فيها الناس والحكام؟

أَمثله يُضرَب، وهو العالم الجليل ذو القدر الكبير؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

رجل في جوار رسول الله صلي الله عليه وسلم يأمر بسنته، ويدافع عن صحبه، وينشر حديثه، أمثل هذا يُضرَب ويُخلَع كتفه؟‍.

ويلكم ما أقبح فعلتكم!"

6- سفيان بن عيينة: شيخ شيوخ مكة في عصره. وهو من ضمن سلسلة( أعلام المسلمين) التي تصدرها دار القلم بدمشق. صدر سنة 1412هـ- 1992م في 143 صفحة من القطع العادي. وسار فيه على النهج الذي اختطه لأعلامه السابقين.

7- الإمام سفيان الثوري: أمير المؤمنين في الحديث، صدر عن دار القلم بدمشق ضمن سلسلة (أعلام المسلمين) سنة 1415هـ- 1994م. ونهجه فيه هو نهجه في سائر ما تقدّم من هذه السلسلة.

8- تاريخ مدينة دمشق، حماها الله وذكر فضلها، وتسمية من حلها من الأماثل، أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها.

وهذا هو الجزء السابع من الكتاب الموسوعي: تاريخ دمشق، لابن عساكر المتوفى سنة 571هـ. حققه الشيخ عبد الغني وقال في مقدمته:" كان يؤم دمشق، من فجر التاريخ، من الأنبياء والعظماء، ثم الخلفاء والصحابة وكبار العلماء والمحدثين، والملوك والأمراء، والشعراء والأطباء، من لم يُتَح لأحد أن يحصيهم ببراعة وقدرة، مثل ما أتيح لمحدث العصر، ومؤرخ الدهر، العلامة الجليل الإمام.. ابن عساكر، في تاريخه الكبير لدمشق، ومن نبغ منها، أو أَمّها - ولو مروراً بها- فلم يذر أحداً ممن شرف عن العامة، إلى من بلغ الإمامة في علم، أو حديث، أو صلاح، أو حكم، أو شعر، وكل صنف ممن به نبوغ أو براعة.."

9- معجم النحو: وهو "أول كتاب في النحو، أكبر من متوسط، صُنّف على الترتيب المعجمي" وكان ذلك عام 1395هـ- 1975م وهو مأخوذ من كتب المتأخرين التي لا تخلو من ضعف صدر عن المكتبة العربية بدمشق.

10- معجم القواعد العربية، في النحو والتصريف. وذيل بالإملاء، صدرت طبعته الأولى عام 1404هـ-1984م عن دار القلم بدمشق، ثم طبعته الثالثة سنة 1423هـ - 2001م في 672 صفحة من القطع الكبير، ثم تتالت الطبعات وقد اعتمد فيه على(الكتاب) لسيبويه، (والمقتضب) للمبرد، وعلى الكثير مما كتبه تلاميذ سيبويه وتلاميذ تلاميذه. رتبه على الطريقة المعجمية "فلم يعد الوقت يتسع ليخوض المرء في كتب النحو والتصريف وشروحها وحواشيها ليله ونهاره، ليظفر ببغيته وجواب مسألته".

وقد يبلغ أن يكون هذا الكتاب من أعظم المراجع في كتب العربية جميعها، ففيها غناء عن الكثير منها، وفيه علم غزير، وفوائد جمة، وهو مرجع ميسر نافع بإذن الله تعالى، أسهم فيه المؤلف برفع شأن اللغة العربية، لغة القرآن الكريم.

وإني لأدعو- مخلصاً- العلماء وأرباب الأقلام إلى أن يكون هذا الكتاب أمامهم دائماً، وأن يرجعوا إليه كل يوم، لعلنا نتخلص ونخلص عيوننا وآذاننا من الأغلاط النحوية، والصرفية، واللغوية، والإملائية، فقد فشا الخطأ والغلط فشواً مؤذياً جداً جداً لدى الكتاب والخطباء والوعاظ وسواهم، والشكوى إلى الله.

11- شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، صدر عن دار الكتب العربية بدمشق في 654 صفحة من القطع الكبير. وكان المؤلف قد دَرّس كتاب (شذور الذهب) عدة مرات في معهد العلوم الشرعية التابع للجمعية الغراء، وفي المساجد بدمشق، ثم شرحه وأصدره في حلة جديدة.

12- محاضرات في الدين والتاريخ والاجتماع، وهو أول كتاب صدر للشيخ عبد الغني عام 1372هـ- 1953م بتشجيع من (الجمعية الغراء) بدمشق. والكتاب عبارة عن ثمان وعشرين محاضرة ألقاها في المجمع العلمي العربي بدمشق، وفي الإذاعة السورية، وفي المساجد، ونشر بعضها في الصحف.

13- لمحات من الكتاب والنبوة والحكمة، صدر عن دار اليمامة بدمشق في 303 صفحة عام 1406هـ-1986م.

14- صحيح الأدعية والأذكار، صدرت طبعته الأولى عن دار القلم بدمشق سنة 1397هـ-1977م في 132صفحة من القطع الصغير.

ثم أخرجه في طبعة ثانية في مئتي صفحة، بعد أن ذيله بمختصر أحكام الحج وأدعيته.

15- قصة إبليس والراهب.: صدرت عن دار الهجرة سنة 1398هـ-1978م في 52 صفحة.

16- الدعوة من القرآن وإلى القرآن، صدر عن دار الهجرة سنة 1406هـ- 1986م في سبعين صفحة.

17- فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية- الفقه الشافعي، صدر عن المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1383هـ 1963م في 355صفحة.

18- تحقيق كتاب: قواعد الأحكام في مصالح الأنام تأليف العز بن عبد السلام.

صدر عن دار الطباع بدمشق سنة 1412هـ- 1992م.

19- تحقيق كتاب: تحرير ألفاظ التنبيه، أو لغة الفقه للإمام النووي.

20- له ديوان شعر مخطوط: بقي أن نعرف، أن الشيخ عبد الغني توفي في دمشق مساء يوم الخميس، الخامس عشر من شوال 1423هـ- التاسع عشر من كانون الأول عام 2002م ودفن في مقبرة باب الصغير، رحمه الله رحمة واسعة.

بقلم الأستاذ الأديب : عبد الله الطنطاوي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى