الاثنين ٢١ شباط (فبراير) ٢٠٠٥
بقلم أشرف عبد العزيز حنفي منصور

غرفة الانتظار

ما هي إلا دقائق قليلة حتى تشير الساعة إلى تمام الساعة الثامنة مساءً في حجرة الاستقبال متوسطة الحجم توزعت مجموعة من الكراسي المريحة بعناية فائقة ، تتوسطها طاولة زجاجية فوقها كومة متناثرة من المجلات باللغتين العربية و الإنجليزية، و في كل ركن من أركان الغرفة حجزت نباتات الزينة لنفسها مكاناً استراتيجياً على رقعة غرفة الانتظار.

مضت نصف ساعة و فؤاد ينتظر دوره للدخول على طبيب العيون و اجراء الفحص الدوري للنظر و التأكد من ملاءمة النظارات، كان فؤاد طالباً في المرحلة الجامعية يدرس التصميم الداخلي، كان متوسط القامة ، حسن البنية، شعره ناعم أسود متفحم التقى بحاجباه الغليظان في وقار وهدوء، وسيم الملامح.

أخذ فؤاد يتفحص المكان بحثاً عن مرض أو ورم في بنية التصميم و الديكور في غرفة الانتظار، لقد جال بمبضعه الديكوري كل أنحاء الغرفة محاولاً نقد حسن التوزيع الأثاث، أو اجهاض كل شعور بالرضى عن هذا التوزيع، مستعيناً في ذلك على مافي أدراج ذاكرته من نظريات التصميم الداخلي.

أعيته الحيلة بعد مرور فترة من الزمن على أن يجد ثغرة في توزيع الديكور الخاص بغرفة الاستقبال، فآثر الاستسلام و اعترف بداخله بحسن تصميم الغرفة و تدفق العناصر فيها.

أخذ يتفحص المجلات المتوفرة و المتبعثرة أمامه، و التي يعود تاريخ بعضها إلى سنين مضت، يقلب بين أبواب المجلة بسرعة فائقة، و كلف عينه اليمنى بفحص الصفحات اليمنى من المجلة و العين اليسرى بتفحص الأجزاء اليسرى من المجلة، كأنه لم يكن يعول كثيراً على أن يجد مادة مناسبة للقراءة تذوب بسهولة و يسر في عقله العضوي.أحس بألم في عينيه سرعان ما استنتج أنه بسبب الإضاءة الخافتة نسبياً في الغرفة والغير مناسبة للقراءة، سره أنه و بعد الاستسلام تمكن من اكتشاف الورم الديكوري الخبيث و ابتسم ابتسامة نصر و تمنى لو ان معه سيجاراً كوبياً أنيقاً يشعله احتفالاً بنصره المؤزر. ثم اعاد المجلة إلى مكانها على المنضدة الزجاجية و باعد بين قدميه و الكرسي الذي يجلس عليه و و أعاد ظهره إلى الوراء في وضعية الاسترخاء.

تجاوزت الساعة الثامنة و النصف مساءاً ، و لم يتجاوز فؤاد جموع المنتظرين لأدوارهم. لقد كانت عيادة الدكتور وجدي من أشهر العيادات في المنطقة، و صاحبها دكتور وجدي طبيب عيون من الطراز الأول.
تخوف المنتظرون من أن تؤذيهم عقارب الساعة بسمومها البطيئة التي "تتمختر" على ساعة الحائط. و بدأ الناس يشعرون بالملل و اليأس، حتى الأطفال اعترضوا على هذا الانتظار الطويل و عبر أحدهم عن احتجاجه بالبكاء و ازاحة المجال للدموع لعلها تشفع له و لأمه فتسرع موظفة الاستقبال في ادخالهما.

و فجأة تخلل غرفة الانتظار نسيم زهور ربيعية، اختلط ببرق و رعد عند مدخل غرفة الانتظار، تشبث الناس في كراسيهم خوفاً أن يجرفهم هذا التيار إلى دوامة لا نجاة منها. و خطت العاصفة أول خطواتها الرشيقة على أرضية قاعة الانتظار، لقد كانت متزنة في خطواتها الموقوتة، و المنتظرون يحدقون في تردداتها و اتجاهتها وكان يرافقها سائقها الشخصي. اقتربت من موظفة الاستقبال التي بدا معرفتها بها جيداً قالت الموظفة: - مرحباً يا آنسة أمل، ألديك موعد ؟ لعلك تتجاوزيين جموع المنتظرين.

و همت الفتاة بالرد فباعدت بين شفتيها و كأنه انفجر نبع ماء، ثم أتبعتها بسلسلة من الزلازل "التكتونية" عندما رأى فؤاد و المنتظرون زرقة عينها و انتثرت رائحة عطرها الكونية مفترسة لكل شيء حولها. و أجابت مبتسمة: نعم لحسن الحظ ، بعد نصف ساعة.

و طلبت منها موظفة الاستقبال الجلوس في الكرسي المجاور لها، فجلست لأقرب كرسي لها على بعد خطوات من فؤاد، و أشارت لسائق السيارة لينتظرها في الخارج.

حدد رادار فؤاد الهدف الذي كان في مرماه، و أعلن الاستنفار الداخلي فارتفعت نبضات القلب إلى أعلى مستوياتها ، و زادت كمية الجلوكوز المشحون إلى العقل أضعافاً مضاعفة و أخذ فؤاد يراجع المعطيات التي حصل عليها حتى الآن: اسمها أمل و هي آنسة، جميلة كآلهة اغريقية خرافية، رشيقة كقطرات ماء على أغصان الشجر، قدر فؤاد أنها في المرحلة الجامعية أيضاً و ربما صغرته بأشهر قليلة. كانت مبتسمة لم تفارقها ابتسامتها أبداً.

تحولت عينا فؤاد إلى مجهر ضوئي ، و أطلق أشعته السينية كعادته نقداً في حسن اختيارها لثيابها. معتقداً أنه حق قانوني من حقوقه بصفته مهندس – أو مشروع مهندس- للديكور فالأزياء ليست مختلفة كثيراً عن مجاله.

-  للنساء القدرة على الجمع بين كل الفصول الربيع، و الخريف، و الشتاء، و الصيف قال فؤاد لنفسه.

فقد كانت ابنة للشتاء شهادة نسبها عيناها الزرقاويين، و شعرها الأسود الملبد بالضباب الكثيف و بشرتها الأشد بياضاً من مزارع القطن. و كانت ترتدي ملابس ربيعية بلون الورود و الزهور، و عطرها خريفي كرائحة أوراق الشجر المتساقط و تيجان الزهور المتطايرة. اما حقيبتها فكانت صيفية خفيفة بدت ناعمة الملمس و لونها الأحمر الحار يبعث الدفء على مجموعة فصولها.

- ياريتني كنت حقيبة، تمتم فؤاد في نفسه.

و طأطأ رأسه أرضاً ، عندما أكدت له تحليلاته النفسية للفتاة، صعوبة مهمته بل و استحالتها فآثر الاستسلام و الرضاء بالقضاء و القدر. وأثناء انهماكه بممارسة طقوس الندم و حرق كل أفكاره السابقة، أحس فؤاد بطيف أزرق اللون يداعب خلايا جلده الحسية، و عندما التف برأسه ناحية الطيف رأى الفتاة محدقة في وجهه !
مبتسمة ما بين شفافها سحب بيضاء لامعة ، لم ترمش عيناها و لم ترفع نظرها عنه حتى كاد فؤاد أن يصعق!

-  يالها من فتاة جريئة . تمتم فؤاد.
-  مالذي يدفعها للنظر إليّ هكذا ؟ أأعجبت بي ؟ ربما، أو ربما أرادت أن تخضعني لمجالات جاذبيتها الفوق مغناطيسية ؟

و أحس فؤاد و هو ينظر إلى عينها كانها تنومه أو ربما "تفيقه" مغناطيسياً.
-  لا أستطيع الصمود طويلاً، ان لم أفعل شيء فسيبلعني مجال هذا الثقب الأزرق !
و استجمع قواه مرة أخرى ، و أعاد ترتيب أفكاره
-  ماهي إلا فتاة قد أعجبتها هذا مؤكد من نظرتها إليّ و ابتسامتها المتدفقة. و أنا أيضاً شاب وسيم، يجب أن استعيد ثقتي بنفسي و أحكم نفسي بنفسي!
ورفع فؤاد راية الحرب، و اشتعلت خزانات الوقود في عقله و عاد قطار التفكير إلى مساره باحثاً عن وسيلة لإتمام المخطط. خطى فؤاد أول خطواته و من حقيبة ذخائره اختار ابتسامة ! ابتسم لها فؤاد في هدوء و ووقار.

-  لطالما قيل ليّ أن لدي ابتسامة رائعة، قال فؤاد لنفسه مشجعاً نفسه.
لقد ابتسم لها هو الآخر ، و كانت ابتسامته احدى أقوى أسلحته و لم يعتد على استعمالها إلا عند الضرورة القصوى.
و هذه ضرورة قصوى بل هي أم الضرورات !
-  ما علي الآن سوى أن انتظر ردها. كالصياد يلقي الطعم و ينتظر الصيد.
ما غيرت ابتسامته من شيء ، و مازالت أمل تحدق فيه و هي مبتسمة ؟!
اتهم فؤاد نفسه قائلاً : يالي من أحمق، حاولت أن أجذبها بابتسامة ؟
لقد أقنعت نفسي كذباً، فكيف يجاري سلاحي الأبيض (الابتسامة) سلاح نظراتها و ابتسامتها الواجب حظرهما دولياً! ربما كانت تنظر لأحد غيري ؟
و بخفة أدار فؤاد رأسه و لم يجد أحداً خلفه، كما لاحظ أن أكوام المنتظريين لم تتزحزح من اماكنها ، و كان هذا خبراً ساراً لفؤاد لقد تمنى لو أن يبقى بجانبها للأبد ناهلاً من طيف حضورها، و باحثاً عن جذورها.
انتبه فؤاد إلى أن موظفة الاستقبال في الغرفة تتابع ما يجري في فصول مسرحيته مع أمل ، و تترصد نتائج هذه المبارزة غير المتكافئة، و رسمت على وجهها ابتسامة.
-  ما هذا لم هي مبتسمة ؟ سأل فؤاد نفسه
-  أتراها لاحظت ما يجري بيننا منذ مدة ؟ و لم هي مبتسمة ؟
أهي ابتسامة سخرية ؟ أم ابتسامة مباركة و تشجيع ؟ أم ابتسامة يقتضيها عملها ؟

انتبهت موظفة الاستقبال إلى أن فؤاد قد لمحها فلجات بوجهها إلى مجموعة من الأوراق مدعية تفحصها و ازداد قطر ابتسامتها اتساعاً.
-  هذه ابتسامة تشجيع و مباركة لا يمكن أن تكون غير ذلك.
و هم فؤاد بالتحدث إلى أمل، و في أثناء استجماعه لمفرداته و كلماته قالت موظفة الاستقبال متجاهلة النظر إليه و متجهة إلى حيث تجلس أمل: آنسة أمل تفضلي معي، ان الطبيب في انتظارك و أحس فؤاد بسكينة حادة تذبحه
-  أيعقل أن ينتهي الأمر هكذا، لقد خذلت الفتاة انها معجبة بي و لكني لم أقم بأي تحرك، ماذا أفعل عندما تخرج من غرفة الطبيب ؟
نهضت أمل من كرسيها في انسيابية فائقة و تحركت ببطئ شديد ناحية غرفة الطبيب برفقة الموظفة، و أحس فؤاد بأتها قد امتصت كل طاقته و بأن الكرسي الذي كانت تجلس عليه حزن على فراقها هو أيضاً.
وفي طريقها ما لبثت أمل إلا ان ارتطمت بقدم فؤاد.
-  و قالت له: متأسفة متأسفة جداً.
-  لا عليك . رد فؤاد
و تابع فؤاد خطواتها و هي متجهة مع موظفة الاستقبال إلى غرفة الطبيب و رأى غروب .. غروب القمر.
كانت أحاسيسه مختلطة ، فقد أضاع فرصته و لم يحسن استغلالها، و جعل أشهى نساء الأرض ترغب عنه لتردده و سوء حكمه. و في نفس الوقت كان يعزي نفسه بأن قدمه لامست قدمها ! بالرغم من كونه مرتدياً حذاءه فهو لم يلامسها حرفيا انما نظرياً فقط ، كانت هذه اللمسة كافية له ، فقد شحنته بطاقة تشجيعية عالية، لقد تقصدت ملامسته، فهذه اشارة! و الحر يفهم بالإشارة !

-  سأذهب لأتحدث اليها عندما تخرج من غرفة الطبيب، قال فؤاد لنفسه.

اتخذ فؤاد قراره، و أخذ يتدرب على الأوبرا التي سينفذها لها، على العرض المسرحي الذي سيؤديه ، و أخذ يتدرب على الكلمات، يعيد صياغتها، يدقق الأفكار، و تدرب على الايماءات فهي الاطار المبرز لجمال مسرحيته الفنية، التي تجاوزت في حبكتها و نصها تلك التي تعرض على مسارح البرودواي!

نصب فؤاد قرون استشعاره و أحال أذنيه إلى أجهزة انذار مبكر، حتى يلاحظ أمل و هي تخرج من غرفة الطبيب
وقعت عينيه على الساعة لقد كانت تشير إلى التاسعة و الربع مساءاً لقد حان موعده مع الطبيب
-  أستاذ فؤاد، هل يمكنك الانتظار خمس دقائق اضافية حتى تخرج الفتاة من عند الطبيب؟
-  بالتأكيد. أجاب باقتضاب لم يكن يريد أن تشتت الموظفة انتباهه عن الفتاة
-  أستاذ فؤاد أعرف فيما تفكر و هي ليست فكرة حسنة. اقتربت الموظفة إليه و تحدثت بصوت منخفض
-  هه ؟
-  انك تنتظر الآنسة أمل لقد رأيتك، و أنا لا أنصحك أن تنفذ ماتفكر فيه.
-  شكراً على النصيحة لكني قررت أن أنفذه.
-  و مالذي يجعلك مصراُ هكذا؟
-  أ أضيع فتاة كهذه !
-  أكل فتاة تقابلها تحاول التقرب منها هكذا ؟؟
-  لا ، و لكنها ليست أي فتاة، كما أنها معجبة بي.
-  و مالذي جعلك واثقاً هكذا ؟
-  لقد كانت تحدق بي طول اليوم ، و لم يرمش لها جفن ، كما انها اصطدمت بي و هي في طريقها إلى غرفة الطبيب عن قصد.
-  ماذا ؟
-  مابك ؟
و ابتسمت الموظفة و اتبعتها بانفجار ضاحك
-  ما بك ؟ مالمضحك ؟
-  اعذرني لكني لا أستطيع ان أتحكم في نفسي.
-  ما بك ؟؟!
و استمرت في الضحك حتى اتجهت أنظار المنتظرين إليها فتوقفت عن الضحك، و ابتسمت
ثم دنت من فؤاد و همست له قائلة:
-  اتعرف لم أعجبت بك أمل ؟
-  لم ؟
-  لأنها عمياء.
-  لم ؟ أنا لست بدميم الصورة و وحسن الشكل الحمد لله و لدي ......
-  لا يا أستاذ فؤاد انها عمياء فعلاً انها لاترى أي شيء لقد فقدت بصرها منذ عدة سنوات مضت، لذا كان يهيء إليك أنها تحدق فيك، و ارتطمت بك.

انصدم فؤاد، و أحس بأن قصوره الرملية قد جرفت بتيارات الحقيقة، أحس بأنه بنى أبراجاً من سراب، خطط مدناً من أوهام، و ألف مسرحيات من رماد، لقد كانت كلماتها حبراً سكب على أوراقه و بقّعها بخيبات أمل، بعدما رغبت بأمل فقدت أمل.

لقد سرقت أحلامي، من قبل مافيا الأوهام، و سقطت راياتي من على سواريها، كنت أدعي المعرفة بعلم النساء، فنان في التجريح، و عالم في التشريح، و لكن سقطت نظرياتي كلها من قبل امرأة، وأودعت في متحف أظافرها، لتستخدمها طوابع و مظاريف.

و صمت فؤاد، و حاول أن يرسم على وجهه ابتسامة ركيكة
- هل أنت بخير يا أستاذ فؤاد؟
- نعم شكرا لك على اخباري.
- آمل ألا تكون قد عولت كثيراً عليها.
- لا أنا بخير، أيمكنني أن أؤجل موعدي؟
- بالتأكيد.
- شكرا لك .. مع السلامة.
- مع السلامة.
و اتجه فؤاد نحو الباب و تمرد عليه صوته الداخلي قائلاً له:
- اخرج .. اخرج من هذه العيادة أيها الأحمق !


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب سوداني مقيم في الإمارات

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى