الأحد ١ أيار (مايو) ٢٠٠٥
بقلم هدى الدهان

قرار

"حبكِ لي، كحبي لكِ , شعور ينتابك لا إراديا فأنت لم تقررى أن تحبيني فأحببتني بل إن حبك لى دخل قلبك رغما عنك وربما دون أن تشعرى، وأنا أعرف ذلك لأن حبى لك دخل قلبى رغما عنى!!".

كصدى ضحكة طفل يشاهد أفلاما متحركة لحيوان يسقط بقشرة موز تعالى صدى ضحكاتها في شقتهما.. حين اسْمَعها تلك الكلمات.. الرجل كلمة مرادفة للغرور لا بل هى نصفها الآخر.. لم تتعرف قط على رجل متواضع ربما هما عيناها اللتان لا تريدان أن تريا هذا النوع من الرجال. وعلت صدرها زفرة لخيبة أمل فقد كانت تجزم أنه يحبها وبقدر حبه لها تكون معرفته بها. جلست على الأرض جلستها المحببة رغم وجود مقعدىّ القصب اللذين تعشق الاسترخاء على أحدهما حين تكون بمفردها وتزهد فيهما حين يكون بقربها.. فلا ألذ من ركبتيه.

افترشت الأرض ودعته للجلوس بقربها.. نظر إليها نظرة ذات مغزى أدركته على الفور ولم ترد على ابتسامته ونظرته الثاقبة بنظرتها الخجلى واستجابتها له بالنعم الصامتة وهى ككل مرة بأن ينزل حشية السرير والوسائد على الأرض.. كثيرا ما ضحك عليها فى البداية وعدّه شذوذا وغرابة أن يترك المرء سريره الوثير لينزل إلى الأرض فى أكثر اللحظات حميمية ثم اكتفى بالدهشة.. مرة تجرأ وسألها أخبرته ضاحكة أنه ما زال صغيرا وأنها ستجيبه يوما ما عندما يكبر قليل.

جلس على الأرض هو الآخر.. أخذت يديه بين يديها لتزداد قوة واعترفت..

"أبدا لم يكن حبك حبا جارفا دخل قلبى رغما عنى.. هل تتذكر كيف كنت أكتب رسالتى فى الدكتوراه وأصنف مراجعي وأحذف الأسطر غير المهمة واستعين بهذا المصدر دون ذاك وبتلك الفكرة أقدمها على الأخرى؟ هكذا كنت أفعل معك.. كان كل شىء محسوبا وما تسميه أنت حب من النظرة الأولى أجده حديثا لطلاب الإعدادية فى المقاهى المتواضعة التى يسمح بها مصروفهم.. سمها ما شئت ولكنني أحببتك بالورقة و القلم.. كنت أخط بقلمى ما أحب أن يكون رجل حياتى وليس فارس أحلامى فزمننا ليس زمن فرسان وليس لدى وقت لأحلام اليقظة.. وفرحت لأن فيك كثير مما خطه القلم وفكرت.. هل أستطيع أن أتكيف مع بقية طباعك التى لم تكن تستسلم لرغباتى؟ فكرت كثيرا.. عام كامل وأنا أفكر واكتفى بالنظر إليك من دون الرجال حولى وتتقرب إليك نظرتى يوما حتى تظن أنني أذوب إعجابا بك لترى فى مساء اليوم التالى قناعا لا تود أن تراه مرة ثانية.. ثم قررت أنني أستطيع أن أتقبل ظروفك كلها وأتعايش معك ومعها فأنا مؤمنة تماما أنه لا يمكن لرجل أن يتغير بسبب امرأة ولا أستطيع تغييرك ولا أريد وأى امرأة تظن عكس هذا إنما تخدع نفسها أولا وهى تعلم فى داخلها أنه بطاعة الرجل لها فهو فقط ينحنى لتمر العاصفة لا أكثر.

كان كل شيء محسوبا ولو اقتربتُ منك أكثر لمللتنى ولو تركتك لنسيتنى وكنت أيضا أخافك.. من ثورتك من رفضك من كل ما يمكن أن يصدر عنك فى ثورة غرور وبعد عام من التفكير والانتظار قررت أنه لابد من الخطوة الأولى.. هل تتذكر ما كانت الخطوة الأولى؟؟ رقم هاتفى.. الذى أعطيتك إياه لأرد على اتصالك لي وكأني ملكتك و.. خطواتى بعدها محسوبة حتى فنجان القهوة بالحليب الذى كنت آتيك به كان وقته محسوبا.. أن يكون بعد ساعتين من بدئنا العمل فتكون بحاجة إليه لتزداد نشاطا وأن يكون أمام أنظار الأخريات اللواتى تتفتق أذهانهن عن سيل من الأسئلة الغبية والذكية تعجز أدمغتهن عن حلها بمجرد حضورك فيمطرنك بها.

كم تقت لاحتضانك بشدة كفرحة امرأة كانت عقيما ورزقها الله بمولود وهى تقترب من أربعينياتها ولكنى خفت شرقية الرجل فيك.

نقبّت فى كتب الأدب العربى عن حياء العروس العربية وخَفْرِها لأتقٍنه أمامك ولو تركت لنفسى العنان لأريتك حنان الدنيا فىّ.. ولسألتنى بعدها كم رجلا التقيت قبلك.

سألتك مرة بغيرة الأنثى عن شيء يخصك.. عن الأخرى في حياتك.. واكتفيت أنت بنصف ابتسامة و بنظرة جعلتني لا أفكر فى إعادته ثانية وقررت أن لا أمس ولو بفكاهة أى شىء يخصك.. أحببت فىّ احترامى لخصوصيتك تلك وابتعادى عنك وأنت تفتح جهاز حاسوبك وتملأ كلماتك السرية في حقول البريد والموقع وبطاقة الاتصال ليس لأن من طبعى احترام خصوصياتك إلى هذه الدرجة وغريزة الفضول فى الأنثى وغيرتى عليك تتجاذبانى ولكنى تعلمت من دراستى لك أن حبك لى يكبر حين احترم هذا الجانب فيك واستمتعت بحب يكبر كان مكافأة مرضية على تلك التضحيات الصغيرة وجَهَلْتَ أنت أن كل شىء كان محسوبا بحرص مرابٍ يهودى.. حدثت نفسي أني حصلت عليك و لن أتركك مهما كانت ظروفك وثبت لك ما أقول فى فراقنا الذى فرضته علينا الحرب وعددت الأمر تضحية منى لك ولم تعلم أنه حب يعتمد الأوقات والأرقام أساسا له ولهذا لن أضحي به إلا بعد أن أعود إلى نقطة الصفر.. ومن التى ترضى وهى تحكم قبضتها على كنزها أن تتركه يذهب بسهولة انسياب الأعشاب في تيار المياه.

أحسست فى الأيام الأخيرة نشوة تُسكرك.. بأنك فاتن نساء العالمين اللواتى يغرقن في حبك من أول نظرة.. ربما أنت محق.. ولكن لست أنا منهن.. قررت أنك حين تعود وترتاح وعلى فنجان قهوتك المسائى أن اترُكَ قاربكَ يبحر فى الحديث ونسيتَ أن تُلقىِ نظرة على شفاهي لترى أنهما تنفخان الريح فى شِراعِه للوجهة التى تريدان حتى حصلت على بداية حديثك الذى أريد لأقول لك ما أريد.. ألا توافقني الآن أن حبا مبنيا على اللوغاريتمات متحسب سلفا لكل الاحتمالات هو أقوى و أصدق من أى حب؟؟".

اكتفى بنظرة فاجعة طويلة ومازالت أصابعه فى يدها وإن أصبحت مسترخية الآن بعد أن كانت تمسك بيدها وكأنها حبل النجاة.. داعب خدها قليلا وهو ينهض من على الأرض.. تساءلت فى سرها لِمَ نَسٍيَ هذه المرة أن يمد لها يده بحجة مساعدتها على النهوض ليشدها إليه بقوة ككل مرة ليعتصرها حتى يسمع ضحكاتها وصيحاتها بين ألم لذيذ وبين دلالها عليه أن يتركها.. ربما هو اليوم فقط متعب.. التفت إليها قائلا:

- مريم.. رأيت اليوم فى واجهة إحدى محلات الأثاث طقم لثلاث أرائك واسعة من الجلد الأسود.. أعجبتنى.. أفرغى الصالة من أثاثنا القديم.. سأذهب لأدفع القسط الأول و آتى بها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى