الأربعاء ٣٠ آذار (مارس) ٢٠١١
في لقاء مع شاعر ثورة مصر عبد الرحمان يوسف:

لا توجد جائزة تستحق شعري!

حوار: نبيل السجيني

  شاركت فى ثورة 25 منذ سنوات فأنت اول من قلت للرئيس السابق فى اوج سلطته من خلال اشعارك ارحل؟
 من فضل الله عليّ أن ألهمني الموقف الصحيح، وألهمني أن أقوله دون مواربة أوتوازنات، وألهمني الصبر على هذا الموقف سنوات حتى خلع مبارك.

ولولا فضل الله عليّ في هذا الأمر لكنت قد سقطت كما سقط الآخرون.

 وهل سقط الآخرون؟
 هناك من أيَّدَ مبارك علانية، وأخذ منه الجوائز والأوسمة، وحضر مؤتمراته هو وزوجته، وهناك من أيَّدَهُ بالسكوت، وهناك من قدم التنازلات مقابل الاستمرار في موقعه في بعض مؤسسات الدولة، وهناك من لعق الأحذية من أجل بعض الفتات.

المشكلة أن أغلبية هؤلاء ينظـِّرون للثورة الآن، ويحاولون الظهور بمظهر الأدباء الأحرار المتمردين على الظلم، وهم في حقيقة الأمر من حاشية السلطان!

وهذا الأمر ينطبق على شعراء بلغوا الثمانين، وشعرا لمّا يبلغوا الثلاثين، الجميع يحاول أن يظهر بمظهر المقاوم للفرعون، والحقيقة أنهم قد (فرعنوه) بالتأييد، أوبالسكوت.

 هل كنت تريد من الجميع أن يقف صراحة في وجه السلطان؟ ليس كل الناس مؤهلا لذلك!
 هذا صحيح، وأنا أعذر الجميع، ولكني لا أستطيع أن أبلع هذا الكذب!

إنه لأمر مضحك...!

ادعاء البطولة بأثر رجعي، لقد حكمنا مبارك ثلاثين عاما، وكانت فرصة التمرد متاحة للجميع، وبالتالي لا يجوز لمن سكت أن يزعم (كاذبا) أنه قد نطق، هذا أمر يضحكني ويؤلمني.

لقد نعم هؤلاء بجميع مزايا (الشيطان الأخرس)، والآن يريدون التمتع بمميزات (البطولة).

 هل تقول ذلك لكي تنفرد بصدارة المشهد؟
 بل أقول ذلك لأني قد دفعت الثمن!

ولأن هؤلاء الشعراء مؤهلون للنفاق مع أي رئيس آخر، ومع كل رئيس آخر، بل إنهم مؤهلون لتدبيج قصائد المديح في مبارك إذا عاد هو أو ابنه للسلطة!

لقد صدّرْت ديواني السياسي الذي صدر في 2004 بكلمة مختصرة كان من ضمنها أنني اخترت نشر هذا الديوان الآن لأني لست المقاتل الذي يطلق النار بعد انتهاء المعركة!

 ما معنى هجاء مبارك الآن؟
 كل الشعراء تجرؤوا بعد أن رحل، وأصبحت أسمع كلاما سخيفا عنه!

بطولات مزعومة، تأخرت ثلاثة عقود!

لقد كانت مصر في أشد الحاجة لهؤلاء الشعراء أثناء حكم الرجل، لا بعد خلعه!

لماذا لم ينطقوا بالحق ساعتها...؟

لماذا ادعاء البطولة الآن...؟

لقد أكلوا من الوليمة حتى امتلاء كروشهم، ثم ها هم يتفلون في الصحن بعد أن شبعوا!

 هل يعيب الشاعر أن يحصل على جائزة من الرئيس؟
 في بعض الأحيان يعيبه!

هناك نوع من الرؤساء لا يصح لأديب محترم أن يصافحه، أوأن يقبل منه جائزة، ومن ضمن هؤلاء مبارك!

إنه ديكتاتور، والكل يعلم ذلك، وغالبية من ألهوه يقولون عنه ذلك الآن!

 هل حصلت أنت على جوائز؟
 لا توجد جائزة تستحق شعري!

أنا أعلم كل الجوائز الموجودة على الساحة، ولم أسمع عن جائزة محترمة حتى الآن (تقريبا)، والاستثناءات في هذا الأمر ليست إلا شذوذا يثبت القاعدة.

يكفي أن تستعرض أسماء النقاد الموجودين في لجان تحكيم هذه الجوائز لتعرف عن أي نوع من اللجان نتحدث!

  هل ستتقدم للحصول على جائزة نزيهة لووجدت؟
 هذا أيضا أمر صعب جدا، لأن فكرة الجائزة في حد ذاتها مهينة!

للأسف، الحياة الأدبية في الوطن العربي تحول الأدباء إلى صيادي جوائز، تحولهم إلى مرتزقة!

أعرف من الأدباء من لا يكتب إلا من أجل الجوائز...!

لذلك أنصح كل الأدباء الشباب بالابتعاد عن هذه الجوائز، وإذا اشتركوا فعليهم أن لا يعتبروا نتائجها مقياسا حقيقيا لجودة النص الأدبي، أولمكانة الأديب.

 ولكن للجوائز دورها في تحميس الإدباء وتحفيزهم للإنتاج؟
 هناك ألف طريقة لتحميس الأدباء على الإنتاج بدون إهانتهم، وبدون استغلال احتياجاتهم وهم في بداية الطريق، وبدون مداعبة غرائز حب الظهور، وبدون توظيف الأدباء الصغار في مواءمات سياسية مخزية، تظل تلاحقهم بقية حياتهم بسبب مواقف اتخذوها في بداية حياتهم الأدبية!

 ألا تود الحصول على أي جائزة؟
 الجائزة التي أريدها حصلت عليها، وهي حسن ظن الناس فيّ، حين أذهب إلى أي مكان في الوطن العربي أجد القاعة ممتلئة!

منذ يومين حين أقيمت ندوتي في المسرح الكبير بدار الأوبرا، امتلأ المسرح عن آخره!

هذه جائزتي، ولا أظن أن هناك جائزة أكبر.

 ماذا تقول عن رموز العهد السابق شعرا؟
 قلت فيهم الكثير، من ضمن ذلك ما قلته في قصيدة (عبدالمأمور):

أنـَا عَبْدُالمَأمُورْ...

وأَبي عَبْدُالمَأمُورْ...

وكَذلـِكَ جَـدِّي الأَكبَرُ كـَانَ

– كَمـَا يَرْوي لي جَـدِّي العَاشـِرُ –

في المَاضـِي...

عَبْدَالمَأمُورْ...!

أَحْيـَا في مـِنـْطـَـقـَـةٍ وُسْطـَى

مـَا بَيـْنَ الشـَّاكِـر ِ والمَشْكـُورْ...

مَا بَيـْنَ الآسـِر ِ والمـَأْسـُورْ...

عَمَلـِي في لـَجْنـَةِ تَسْويـق ِ المَاخـُورْ...

أوْ تـَنـْظـِيفِ الأَوْسـَاخ ِ لِـتـُصْـبـحَ

كـَالبَـلـُّورْ...

أوْ دَفـْن ِ بَقـَايـَا أعـْضَاءِ الأسـَدِ

المَـنـْحـُورْ!

وإذا رُقـِّـيـتُ بـِيـَوْم ٍ...

أُمْسـِكُ بالسَّاطـُورْ...!

 هل أنت متفائل بمستقبل مصر السياسي؟
 جدا جدا جد!

 ما سبب تفاؤلك؟
 باختصار، أنا أثق في الناس، وقد راهنت على الناس طيلة حياتي.

مصر ستتقدم بشعبها العظيم، ومن يعتقد أن التقدم مرهون بزعيم، وبجماعة، أوبحزب أوبكتلة... يخطئ في قراءته السياسية خطأ كبيرا!

 ما هى علاقة الشعر بالسياسة؟
 السياسة قد تسبب ألما يُنتج شعرا.

وقد تسبب انشغالا ذهنيا يطرد الشعر.

على الشاعر أن ينغمس في السياسة بقدر ما يعينه ذلك عن الكتابة.

وعليه كذلك أن يبتعد عن الغرق في عالم السياسة لكي لا تجف قريحته.

 هل نجحت أنت في هذه المعادلة؟
 نجحت في أحيان، وأخفقت في أحيان أخرى.

وأنا الآن في اختبار الخروج من دوامة السياسة، لكي أعود إلى كوكب الشعر.

 البعض يراك زعيما سياسيا يلهم الشباب؟
 وأنا لا أرى نفسي إلا شاعرا!

أمنياتي في الحياة أن أجلس على ترعة في الريف المصري، لأكتب الشعر!

بهذا أكون سيد الزمان والمكان!

 ألا ترى أنه من الواجب عليك أن تعمل بالسياسة لكي ترشد هذه الثورة؟
 بالعكس، أنا أعتقد أنني قد خدمت هذه الثورة بكتاباتي أكثر بكثير مما خدمتها كناشط سياسي!

وما زلت معتقدا أن الكلمة سيكون لها دور أكبر في الفترة القادمة، فترة الجهاد الأكبر.

 هل ستنشئ حزبا؟ أوستنضم لحزب؟
 بل سأحافظ على حيادي واستقلالي لأكون شاعرا لكل المصريين، وللعرب جميعا إذا استطعت.

الشعر ينحت الحلم في السماء، والانتماء الحزبي يقلل من قدرة الشاعر على التحليق!

 إذن، انتهت مساهماتك في الثورة إلى هذا الحد؟
 الثورة فعل أكثر عمقا من هبة مدتها شهر أوشهران.

الثورة فعل البناء العاقل الحكيم، وبعض أهداف الثورة ستقتضي منا عملا دؤوبا يمتد سنوات وسنوات، لذلك أقول لكل من لم يشترك في الثورة، إن فرصة المشاركة في الثورة ما زالت متاحة، وستظل متاحة لمدة عشرين سنة قادمة!

 سؤال أخير: ما رأيك في نتيجة استفتاء تعديلات الدستور؟
 ليس المهم نتيجة الاستفتاء، المهم – بالنسبة لي – أمران:

الأول: نسبة المشاركة. والحمدلله كانت مرتفعة

الثاني: نزاهة عملية التصويت. والتقارير التي أمامنا توضح أن المخالفات لم تكن جسيمة.

 هل لديك نصيحة أوكلمة أخيرة؟
 كلمة أوجهها لنفسي ولكل العاملين بالسياسة خصوصا من الشباب، خلاصتها: العمل السياسي عمل طويل الأجل، لذلك لا تنظروا للبرلمان، بل انزلوا إلى المحليات، واخدموا الناس.

انتخابات المحليات هي الطريق السليم لإنقاذ وإصلاح مصر، صحيح أنه الطريق الأطول والأصعب، ولكنه الطريق الذي يخلق زعامات سياسية حقيقية تحمل هم الناس، وتمثلهم بالفعل.

حوار: نبيل السجيني

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى