الأربعاء ٥ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم نجاة بقاش

مرافعة أمام ضمير الإنسانية..

مرافعة أمام ضمير الإنسانية..

رواها البحر... وشهد بها الموتى... وكتبها التاريخ

إهداء

إلى كل أمٍّ ما زالت تحدق في الأفق، علَّ البحر يعيد إليها ابنًا لم يعد.. إلى كل أبٍ يخفي دموعه حتى لا تنهار الأسرة، ثم يبكي وحيدًا حين ينام الجميع.. إلى كل شابٍّ خرج من بيته لا يحمل حقيبة، ولا جواز سفر، ولا زادًا للطريق.. خرج بجسده فقط، وترك وراءه كل شيء.. ترك سريره الذي لم يبرد بعد، وترك فنجان القهوة الذي لم يشربه، وترك رائحة أمه، ويد أبيه، وضجيج إخوته، وطفولته، وذكرياته.. وترك قلبًا كاملًا ينتظر عودته.. لكنه لم يعد.

هذه ليست قصة، وليست مسرحية، وليست محاكمة.. إنها شهادة.. شهادة بحرٍ رفض أن يبقى متهمًا، وشهادة موتى لم يعد لديهم ما يخافون عليه، وشهادة تاريخٍ لا ينسى مهما حاول البشر أن ينسوا.. أما الحكم، فليس في يد قاضٍ، بل في يد كل إنسان ما زال يؤمن أن الكرامة حق، وأن الحياة لا ينبغي أن تكون مغامرة، وأن البحر لم يُخلق ليكون آخر الأوطان..

إلى القارئ

هذه ليست محاكمةً لبحرٍ من ماء.. بل محاكمةٌ لبحرٍ من الأسئلة.. وليست هذه الشخصيات سوى رموزٍ لما يتكرر في كل مكانٍ يصبح فيه الصمت أطول من الحقيقة، والخوف أقوى من الاعتراف، والأمل أضعف من أن يحمي أصحابه.

في هذه الصفحات، يتكلم البحر، ويشهد الموتى، ويكتب التاريخ، ويحاكم ضمير الإنسانية نفسه. وليس المقصود أن يُدان بحر، أو تُبرَّأ ضفة، أو يُوجَّه الاتهام إلى مكانٍ بعينه، بل أن يُفتح باب الأسئلة التي كثيرًا ما يخشاها البشر لأنها تُجبرهم على النظر في المرآة.

قد يجد القارئ في هذه الحكاية صدىً لوقائع عرفها، أو لأماكن مرَّ بها، أو لوجوهٍ لم تغادر ذاكرته. وذلك ليس لأن الأدب يدَّعي امتلاك الحقيقة، وإنما لأنه يحاول أن يضيء المنطقة التي يبدأ فيها السؤال، حيث تعجز الوقائع وحدها عن قول كل شيء.

هذا العمل ليس بيانًا سياسيًا، ولا تقريرًا صحفيًا، ولا وثيقةً تاريخية.. إنه شهادةٌ أدبية على وجعٍ إنساني، ومحاولةٌ لمنح صوتٍ لأولئك الذين ابتلعهم البحر قبل أن يكملوا أحلامهم..

فإذا أغلقتَ هذا الكتاب، ولم تتذكر أسماء الشخصيات، لكن بقي في داخلك سؤالٌ واحدٌ يؤرق ضميرك أكثر مما يؤرق ذاكرتك.. فإن البحر يكون قد قال ما عجز كثيرٌ من البشر عن قوله.

الفصل الأول: حين وقف البحر في قفص الاتهام

كان الزمان بعد آخر غريق، وقبل الغريق القادم.. ذلك الزمن المعلّق بين جنازتين، حيث لا أحد يجرؤ على أن يقول "الأخيرة".. لأن الجميع يعرف أن القادم سيأتي.

أما المكان، فلم يكن قاعةً ذات جدران، ولا مبنىً تعلوه راية.. كانت محكمةً قائمةً بين البحر واليابسة، سقفها السماء، وأرضها شاطئٌ ما زال يحتفظ بآثار أقدام الراحلين.. لا أعلام فيها، ولا شعارات، ولا مقاعد للمتفرجين.. فكل من يدخلها يصير شاهدًا، شاء أم أبى.

في ذلك اليوم، لم يكن الحاضرون بشرًا وحدهم.. كانت هناك وجوه لا تُرى، أرواح خرجت من أجسادها قبل أيام، وأمهات يحملن صور أبنائهن بدل أيديهم، وآباء شاخت أعينهم وهم يحدقون في الأفق، وأطفال لم يفهموا بعد لماذا صار البحر يأخذ الآباء ولا يعيدهم.

وفي الصف الأخير، جلس الصمت.. كان يرتدي ثوبًا أسود، لم يتكلم، لكن حضوره كان أثقل من كل الكلمات التي لم تُقَل.. ثم جاء التاريخ.. شيخًا يجر خلفه آلاف السنين، يحمل كتابًا ضخمًا صفحاته من الغبار وحبره من دموع الأمم.. ضرب بعصاه ثلاث مرات، فارتجف البحر، وسكتت الريح، وتوقفت النوارس عن الطيران.. وحين فتح فمه، كان صوته يشبه الزمن نفسه وهو يتكلم:

"باسم الحقيقة التي قد تتأخر لكنها لا تموت، تُفتتح اليوم جلسةٌ لم يعرفها البشر منذ أن عرفوا الظلم.. جلسةٌ لا تنتمي إلى دولة، ولا إلى محكمة، ولا إلى زمن.. إنها محكمة ضمير الإنسانية."

ثم دخل القاضي.. لم يكن شيخًا ولا شابًا، لا رجلًا ولا امرأة. كان وجهًا يحمل ملامح كل البشر.. في عينيه دموع أم، وتجاعيد أب، وارتعاشة طفل، وصمت مدينة فقدت أبناءها.. جلس على مقعد لم يكن خشبًا، بل كان كتفَ إنسانٍ أنهكه الانتظار.

نظر طويلًا إلى البحر، ثم قال بصوت ارتجت له السماء: "اليوم لن نحاكم البحر.. ولن نحاكم الذين ماتوا.. ولن نحاكم الحلم.. اليوم سنحاكم أنفسنا.. سنحاكم كل لحظة رأينا فيها المأساة ثم أدرنا وجوهنا.. سنحاكم كل كلمة لم تُقَل، وكل سؤال خاف الناس من طرحه، وكل حقيقة دُفنت قبل أن ترى النور."

ثم التفت نحو البحر.. كان البحر ساكنًا على غير عادته.. لا موج، لا زبد، لا هدير.. كأنه شيخ أرهقته القرون.. سأله القاضي: "أيها البحر، لقد اتهمك البشر طويلًا.. قالوا إنك ابتلعت أبناءهم.. وقالوا إنك قاتلٌ لا يشبع.. فما قولك؟"

ساد صمتٌ طويل، حتى ظن الجميع أن البحر لن يتكلم.. وفجأة ارتفعت موجة واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة.. لم يكن ذلك غضبًا، بل كان البحر يحاول أن يقف.. وحين وقف، كان صوته يشبه بكاء الأرض كلها:

"لا، لم أرفض الكلام.. لكنني تعبت من أن أكون المتهم الوحيد في جريمةٍ بدأت قبل أن يصل الشباب إليَّ."

الفصل الثاني: حينما ترافع البحر

وقف البحر.. لم يقف بموجة، بل وقف بتاريخٍ كامل.. كان صوته يخرج من الأعماق، كأن كل قطرة ماء تحمل ذكرى إنسان.. نظر إلى القاضي، ثم إلى التاريخ، ثم إلى الوجوه الجالسة، وأخيرًا نظر إلى الشاطئ.. هناك، حيث تبدأ الحكايات وتنتهي أحيانًا.. "أيها القاضي،" قال البحر، "قبل أن أتكلم، أريد أن أسألك: منذ متى أصبح البحر هو المتهم؟ أنا الذي حملت سفن الأنبياء.. وحفظت الصيادين، وفتحت الطرق بين القارات، كيف أصبحت فجأة قاتلًا؟ منذ متى صار الماء متهمًا واليابسة بريئة؟"

ارتجف ملحه وهو يواصل: "لقد سمعت الناس يقولون: البحر ابتلع أبناءنا.. وكلما سمعت هذه الجملة، ارتجف ملحي.. ليس خوفًا، بل حزنًا.. لأنهم لم يسألوا يومًا: من الذي دفع أبناءهم إلى البحر؟"

ثم حكى البحر ما رآه. قال إنه لا يغادر مكانه.. منذ أن خُلق وهو هناك. لم يذهب إلى مدينة، ولم يطرق باب بيت، ولم يوقظ شابًا من نومه ليقول له: تعال، فالموت عندي أجمل.. لم يفعل ذلك، ولن يفعله.

"في ذلك الصباح،" قال البحر، وصوته ينكسر مع كل كلمة، "رأيتهم يأتون.. لم يحملوا حقائب.. لم يحملوا طعامًا.. لم يحملوا ثيابًا.. لم يحملوا حتى زجاجة ماء.. جاؤوا كما يولد الإنسان، خفافًا، إلا من الحلم.. رأيتهم يخلعون أحذيتهم، وكأنهم يخلعون آخر ما يربطهم بالأرض.. ورأيت بعضهم يقبّل التراب قبل أن يركض نحوي.". صمت قليلًا، ثم أضاف: "كنت أصرخ، لكن البشر لا يسمعون لغة البحر.. كنت أرفع أمواجي لأعيدهم.. لكن الأمل كان أسرع من الموج.". حكى البحر كيف فتّش أجسادهم بعد أن أسقطهم التعب.. لم يجد ذهبًا ولا سلاحًا ولا كنوزًا.. وجد صورًا مبتلة، ومفاتيح صدئة، ومسبحةً صغيرة، ورسالةً لم تصل.. وجد أسماء أمهاتهم منقوشةً في قلوبهم.. وجد وطنًا كاملًا يحمله كل واحد منهم في صدره.. "فكيف يقولون إنهم هربوا من أوطانهم؟" تساءل البحر.. "لا، لقد كانوا يحملون أوطانهم معهم."

قال إن لا أحد منهم قال له: خذني.. كلهم كانوا يقولون: دعني أعبر.. كانوا يسبحون نحو حلم، لا نحوي.. وكانت كل ضربة يدٍ في الماء صرخةً تقول: أريد أن أعيش.. لكن التعب كان أثقل من حلمهم.

ثم جاءت اللحظة التي لا يريد البحر أن يتذكرها. قال: "ثم بدأت أسقطهم، واحدًا بعد آخر.. لا لأنني أردت ذلك، بل لأن الماء مهما اتسع لا يستطيع أن يحمل إنسانًا أنهكه اليأس.. أتدرون ما أقسى لحظة؟ ليست لحظة الغرق.. بل تلك اللحظة حين يرفع الشاب رأسه نحو السماء، كأنه يسألها: هل كنت أستحق فرصةً واحدة فقط؟ ثم يصمت.. ذلك الصمت ما زال يسكن أعماقي."

ثم رفع صوته، وكان في نبرته اتهامٌ لا يعرف الرحمة: "اتهموني لأنني ابتلعت أبناءهم، لكنهم لم يسألوا: من الذي ابتلع أحلامهم أولًا؟ اتهموني لأنني أخفيت أجسادهم، لكنهم لم يسألوا: من الذي أخفى عنهم الأمل؟ اتهموني لأنني كنت نهاية الطريق، لكن أحدًا لم يسأل: من الذي أغلق بدايات الطريق؟"

وأخيرًا، قال البحر كلماته الأخيرة في تلك المرافعة: "أنا بريء.. بريء من دمائهم.. أنا آخر من رآهم، ولست أول من خذلهم.. أنا احتضنت أجسادهم، أما أرواحهم فقد كانت تنزف قبل أن تصل إليّ.. وأقسم، لو استطعت، لرددتهم جميعًا إلى أمهاتهم.. لكن البحر مهما عظم لا يملك معجزة إعادة الأبناء.. أنا لا أصنع الموت.. أنا فقط أخفي دموعي في الموج."

وللمرة الأولى، لم ترتفع موجة.. وكأن البحر قد استنفد كل ما فيه من ماء في البكاء.

الفصل الثالث: حين تكلم الغريق

ساد الصمت حتى بدا كأن البحر نفسه يحبس أنفاسه.. رفع ضمير الإنسانية رأسه وقال بصوت خافت: "تنادي المحكمة على الشاهد الأول."

لم يتحرك أحد.. كرر النداء.. فخرج من بين الأمواج شاب.. لم يكن يمشي، كان الماء يحمله برفق.. ثيابه ما زالت مبتلة، قدماه حافيتان، وعلى كتفه الأيسر آثار ملحٍ لم يجف.. وفي يده قبضةٌ صغيرة من تراب.

وقف أمام المحكمة.. نظر إلى القاضي، ثم إلى البحر، ثم إلى الأفق الذي لم يبلغه.

سأله القاضي: "اذكر اسمك."

ابتسم الشاب ابتسامةً لم يبق فيها شيء من الحياة، وقال: "لا تنادوني باسمي.. فاسمي لم يعد يهم.. حين خرجت من بيتي كنت ابن أمي.. وعند الشاطئ صرت واحدًا من آلاف الشباب.. وحين وصلت إلى البحر صرت رقمًا.. وفي نشرات الأخبار صرت إحصائية.. أما عند أمي، فما زلت ابنها الذي لم يعد.. لا تنادوني باسمي.. نادوني كلَّ شابٍ خرج من بيته وقبّل يد أمه ثم اختفى.". سأله القاضي: "احكِ للمحكمة، لماذا ذهبت إلى البحر؟ هل كنت تبحث عن الموت؟".. ابتسم الشاب ابتسامةً موجعة، كأنها خرجت من قلبٍ أنهكه الانتظار، ثم قال: "لو كنت أبحث عن الموت، لبقيت في بيتي.. فما خرجت يومًا لأبحث عن نهاية، بل خرجت أبحث عن بداية تليق بي.. كنت أبحث عن الحياة... عن الكرامة... عن العدل... عن عملٍ أكسب منه قوتي بعرق جبيني، وعن فرصةٍ أشعر فيها أنني إنسان له مكان في هذا العالم.. لم أكن أحلم بقصور، ولا بثروة، ولا بسيارة فاخرة، ولم يكن في قلبي سوى أحلامٍ بسيطة ظننت أنها حق لكل إنسان.

كنت أحلم أن أعود مع غروب الشمس، وفي يدي رغيف خبزٍ اشتريته بعرق جبيني، فأضعه بين يدي أمي وأقول لها: ارتاحي... لقد انتهى زمن تعبك، وجاء دور ابنك ليحمل عنك أعباء الحياة.. كنت أحلم أن أحمل قيثارةً للوطن، فأغني له لا خوفًا ولا تملقًا، بل حبًا، وأن يكون نشيدي للكرامة التي لا تحتاج إلى تأشيرة عبور، وللإنسان الذي لا يُقاس بما يملك، بل بما يستحق من احترام.. وكنت أحلم أن أحمل قلمًا، فأكتب: يا بلادي... إن الحرية ليست شعارًا يُرفع، بل حياةٌ تُعاش، وإن الكرامة ليست منحةً تُمنح، بل حقٌّ يولد مع الإنسان.. كل ما أردته أن أعيش كما يعيش الناس... أن أعمل، وأن أحب، وأن أحلم، وأن أعود إلى وطني كل مساءٍ أكثر امتنانًا له، لا أكثر وجعًا منه.. فهل أصبحت هذه الأحلام بعيدةً إلى هذا الحد؟ وهل صار البحث عن حياةٍ كريمة حلمًا مستحيل المنال؟..

خفض رأسه حين سأله القاضي: "ولماذا سبحت؟".. "لأنني رأيت الناس يركضون فركضت معهم،" قال.. "ورأيت الحدود قريبة فظننت أن الحياة قريبة.. لم أفكر في البحر.. كنت أفكر فيما وراء البحر.. لم تكن عيناي على الماء، بل على الكرامة.. كنت أسبح لا نحو الضفة الأخرى فقط، بل نحو فرصة، نحو مستقبل، نحو نفسي التي أضعتها في الانتظار.." ثم صمت قليلًا، وحين تكلم كان صوته يحمل ثقل الوداع: "حين خرجت من البيت لم آخذ معي شيئًا.. لا حقيبة، لا ملابس، لا طعاما، لا مالا.. تركت كل شيء خلفي. تركت سريري، وكوب الشاي الذي لم أشربه، وتركت أمي واقفةً عند الباب.. قالت لي: إلى أين؟ قلت لها: سأعود سريعًا.. كنت أصدق ما قلت.. بل كنت مؤمنًا به.". لم نحمل معنا شيئًا،" أضاف، "لأننا كنا نظن أننا سنعود بكل شيء.. كنا نظن أننا سنعود وقد اشترينا لأمهاتنا ما حرمن أنفسهن منه.. سنعود وقد صار لآبائنا ما يستحقونه من راحة.. سنعود لنقول لوطننا: غادرناك لنبحث عن فرصة، ولم نغادرك لننساك.. لكن البحر كان أسرع من عودتنا.". ثم رفع قبضته ببطء وفتحها أمام المحكمة.. كانت حفنة التراب ما تزال في كفه.. قال: "هل تعرفون ما هذا؟ إنه تراب بيتي.. قبضت عليه قبل أن أغادر.. قلت في نفسي: سأحمله معي حتى أعود إليه.. لكن الذي عاد هو التراب.. أما أنا فبقيت في البحر.". التفت الشاب نحو البحر، اقترب منه، ووضع يده على موجة هادئة، وقال: "يا بحر، لا تبكِ.. أنا لا ألومك.. أنت آخر من رآني حيًا، ولست أول من خذلني." ثم التفت إلى ضمير الإنسانية وقال كلماته الأخيرة: "إذا أردتم أن تبحثوا عن الحقيقة، فلا تفتشوا في أعماق البحر.. فتشوا في أعماق الإنسان، حين يصل به اليأس إلى أن يرى في السباحة نحو المجهول آخر أشكال الأمل." وللمرة الأولى، لم يكن في القاعة من يبكي.. لأن الحزن كان أكبر من الدموع.

الفصل الرابع: حين تكلمت الضفة الأخرى

من بعيد، بدت اليابسة المقابلة.. لم تأتِ على هيئة دولة ولا مدينة ولا حدود.. دخلت امرأة في منتصف العمر، لم تكن ترتدي تاجًا ولا تحمل علمًا.. كان ثوبها من ضباب، وفي عينيها تعب المسافات.. تقدمت بخطوات بطيئة حتى وقفت بين البحر والقاضي.

"يسمونني الضفة الأخرى،" قالت حين سُئلت عن نفسها، "لكنني لست سوى أرض.. أرض مثل غيرها.. يولد الناس فوقها ويضحكون ويبكون ويحلمون.. ولست الجنة كما يتخيل البعض، ولا المعجزة التي ينسجون عنها الحكايات.".
سألها القاضي: "يتهمك كثيرون بأنك أغويت الشباب حتى تركوا أوطانهم وارتموا في البحر.. ما جوابك؟".. خفضت رأسها ثم قالت: "أنا لم أكتب رسالةً إلى أحد.. ولم أرسل سفينة.. ولم أدعُ شابًا واحدًا إلى عبوري.. لم أقف يومًا على الشاطئ وألوح لهم.. هم الذين جاؤوا.. لكنهم لم يأتوا إليَّ عشقًا فيَّ.. جاؤوا لأن الأمل أصبح بعيدًا.. وحين يبتعد الأمل، يصبح البعيد أقرب من القريب."

ثم التفتت نحو البحر وقالت بصوت متهدج: "أتذكرهم؟ كانوا يحدقون إليَّ ولم يكونوا يرونني.. كانوا يرون حياةً رسموها في خيالهم.. يرون أمًّا ستبتسم لأول مرة منذ سنوات.. وأبًا سيتوقف عن إخفاء وجعه.. وأختًا ستكمل دراستها.. وأخًا صغيرًا سيشتري حقيبة المدرسة.. كانوا يحملون أحلام عائلات بأكملها، فكيف لا تثقلهم المياه؟".. سألها القاضي: "وهل كانوا يريدون أن ينسوا وطنهم؟"

ارتجفت الضفة الأخرى وكأن السؤال جرحها.. ثم قالت: "لا.. وأقسم أمام ضمير الإنسانية أنني لم أسمع واحدًا منهم يقول: أريد وطنًا جديدًا.. كلهم، دون استثناء، كانوا يقولون: نريد فرصة.. سنعمل وندخر ثم نعود.. كانوا يريدون العودة لا الرحيل.. كانوا يحلمون أن يعودوا إلى أمهاتهم وقد صار في أيديهم ما يليق بتعب الأمهات.. ويعودوا إلى آبائهم وقد صار في أعينهم ما يليق بفخر الآباء.. لم يأتوا إليَّ لأنني أجمل البلدان، بل لأنهم كانوا يبحثون عن مكانٍ يستطيعون فيه أن يعودوا إلى وطنهم مرفوعي الرؤوس".

ثم التفتت إلى البحر وقالت: "أيها البحر، لا تحمل الذنب وحدك.. لقد كنت آخر من احتضنهم، أما الذين كسروا قلوبهم فلم يكونوا في الماء.". رفع البحر رأسه وقال بصوت خافت: "كنت أتمنى أن أراك تستقبلهم جميعًا.". قالت الضفة الأخرى وهي تبكي: "وأنا كنت أتمنى ألا يضطر أحد إلى السباحة نحوي.. كنت أتمنى أن يبقى كل شاب في وطنه لأن وطنه منحه ما يستحق.. فما أجمل أن يهاجر الإنسان اختيارًا، وما أقسى أن يهاجر اضطرارًا."

ولأول مرة، بكى البحر وبكت الضفة الأخرى في اللحظة نفسها.. واكتشف القاضي أن البحر لم يكن يتنافس مع اليابسة، بل كانا معًا يبكيان الإنسان.. وقبل أن تغادر، استدارت نحو المحكمة وقالت: "اكتبوا شهادتي كما هي.. لا تزيدوا فيها حرفًا ولا تنقصوا منها حرفًا.. أنا لم أدعهم ولم أرسل إليهم سفينة.. هم جاءوا لأن الأمل أصبح بعيدًا.. وكلهم كانوا يريدون العودة إلى وطنهم يومًا.. لكن البحر سبقهم إلى الغياب.". غادرت ببطء، وظل الأفق مفتوحًا كأنه ينتظر العائدين الذين لن يعودوا.

الفصل الخامس: حين وقف الصمت في قفص الاتهام

في الجلسة الأخيرة، لم يتكلم أحد.. كان البحر ساكنًا، والضفة الأخرى مطأطئة الرأس، والشاب يقف ممسكًا بحفنة التراب التي لم تفارق يده، أما التاريخ فقد أغلق سجله، ووضع قلمه فوق آخر صفحة، كأنه ينتظر الكلمة التي سيعجز الزمن عن محوها.. نهض ضمير الإنسانية ببطء.. لم يكن في ملامحه انتصار ولا هزيمة، بل وجعٌ يشبه وجع أمٍ فقدت أبناءها جميعًا.. أعلن القاضي أن المحكمة، بعد أن استمعت إلى البحر، وإلى الشاب الغريق، وإلى الضفة الأخرى، لم يعد بإمكانها أن تُبقي الاتهام في موضعه الأول.. لقد وقف البحر طويلًا في قفص الاتهام، بينما كان يحمل في أعماقه الضحايا لا الجريمة.. لم يغادر مكانه يومًا، ولم يغوِ أحدًا، ولم يطرق باب بيت، ولم يعد أحدًا بحياةٍ أفضل.. ولذلك، فإن المحكمة تعلن براءة البحر.

ساد صمتٌ ثقيل.. لكن البحر لم يبتسم.. لم ترتفع أمواجه، ولم يشعر بشيء يشبه الراحة.. رفع رأسه ببطء، وقال بصوتٍ منكسر: أيُّ براءةٍ هذه؟ وهل البراءة تعيد أمًا إلى ابنها؟ وهل تعيد شابًا كان يحلم أن يعود وفي يده هديةٌ لأبيه؟ وهل تمسح دموعًا جفّت من كثرة البكاء؟.. خفض القاضي رأسه، ثم سأله بهدوء: إذن.. من المتهم؟.. وقف البحر.. ولم يعد صوته يشبه هدير الموج، بل صار يشبه زلزالًا خرج من أعماق الأرض، يحمل غضب آلاف الأرواح التي استقرت في قاعه.. قال: اكتب يا تاريخ.. فما سأقوله الآن لن يغفره النسيان.. ليس المتهم بحرًا.. ولا موجة.. ولا ضفةً أخرى.. المتهم هو الصمت .. الصمت حين يعرف الحقيقة ثم يختار ألا ينطق بحرف.. الصمت حين يرى المأساة، ويؤجل الاعتراف بها.. الصمت حين تتحول الأسئلة إلى جنازات.. والمتهم هو كل ضميرٍ رأى الشباب يركضون نحو البحر، ثم أقنع نفسه بأن الأمر لا يعنيه..

ارتجفت القاعة.. ولم يكن ارتجافها من أثر الخوف، بل من ثقل الحقيقة التي خرجت أخيرًا إلى العلن.. وفي آخر القاعة، حيث لم يكن أحد يلتفت، كان الصمت جالسًا منذ افتتاح الجلسة.. لم يكن له وجه، ولا ملامح، ولا عمر.. كان أشبه بظلٍ يعيش في العتمة، يزداد اختباءً كلما اشتد نور الحقيقة، ويترك الآخرين يتبادلون الاتهامات بينما يخرج هو، في كل مرة، وكأنه لم يكن حاضرًا.

أشار إليه البحر، وقال إن ذلك الجالس في آخر القاعة هو شريكه الحقيقي في حمل الجثث.. لم تكن الأمواج ولا الرياح ولا التيارات هي التي أثقلت ظهره، بل ذلك الصمت الذي رأى المأساة تتكرر، وسمع صرخات الأمهات، وعرف الحقيقة، ثم اختار أن يصمت.. ولو تكلم يومًا، لما حمل البحر كل هذا العدد من الموتى.

نهض الصمت من مكانه، وقد بدا أصغر مما تخيله الجميع.. حاول أن يدافع عن نفسه، لكنه كلما فتح فمه خانته الكلمات، وكأن اللغة نفسها هجرت من جعل الصمت وطنًا لها.. أدرك الحاضرون، في تلك اللحظة، أن من يصادق الصمت طويلًا يفقد، في النهاية، القدرة على النطق بالحقيقة.

نظر ضمير الإنسانية إلى الصمت طويلًا، ثم قال بصوتٍ هادئ، لكنه نافذ كالسهم: إن هذه المحكمة لا تدين بحرًا، ولا تحاكم حلمًا، ولا تصدر حكمًا على الموتى.. إنها تدين الصمت حين يتحول إلى شريكٍ في المأساة، وتدين إنكار الحقيقة حين يصبح وسيلةً لتكرارها، وتدين تأجيل مواجهة الأسئلة حتى تعود الحقيقة، لا في هيئة جواب، بل في هيئة نعش.. فكل حقيقةٍ تُؤجَّل.. تعود يومًا.. لكنها لا تعود سؤالًا.. بل تعود نعشًا.

هكذا خيم على القاعة سكونٌ لم يكن سكون البراءة، بل سكون الإدانة.. وفي تلك اللحظة، أدرك الجميع أن البحر لم يكن يحمل في أعماقه أجساد الغرقى وحدها، بل كان يحمل أيضًا أثقال الأسئلة التي لم يجرؤ أحد على طرحها، والحقيقة التي خاف كثيرون من مواجهتها، والصمت الذي ظل، سنواتٍ طويلة، يكتب بيدٍ خفية أسماء ضحاياه على صفحة الماء.. ثم التفت القاضي إلى البحر وسأله: هل لديك كلمة أخيرة؟.. اقترب البحر من حافة المحكمة.. نظر إلى الشاطئ، حيث كانت أحذية الشباب ما تزال مبعثرة، كأن أصحابها سيعودون بعد لحظات.. ثم رفع صوته حتى ارتجت السماء: اكشفوا الحقيقة.. لا لينتصر أحد.. ولا ليُهزم أحد.. بل كي لا يصبح الموت خبرًا عاديًا.. اكشفوا الحقيقة..كي لا تبقى الأمهات معلقات بين الرجاء والفقد.. اكشفوا الحقيقة..كي لا يخرج شابٌ آخر من بيته، معتقدًا أن البحر هو أقصر الطرق إلى الكرامة.. لا أطلب منكم أن تبرئوني.. فأنا بحر.. وسأظل بحرًا.. لكن أنقذوا الذين سيأتون بعدهم.. فلم يعد في أعماقي مكانٌ لأحلامٍ أخرى.. اكشفوا الحقيقة..كي لا أصبح غدًا.. مقبرةً لأبنائكم من جديد.. ثم سكت البحر.. ولم يكن ذلك صمتًا.. بل صلاةً أخيرة.. أما التاريخ، فلم يغلق سجله.. ترك صفحته الأخيرة بيضاء، وهمس: هذه الصفحة.. ستكتبها الأجيال القادمة.

الفصل السادس: الصفحة التي تركها التاريخ بيضاء

انطفأت أضواء المحكمة.. لم يبقَ إلا نورٌ خافتٌ انساب فوق صفحة البحر، حتى بدا الماء كأنه مرآةٌ تحمل وجوه الذين لم يعودوا.. غادر الجميع.. غادر ضمير الإنسانية، وقد أثقلته الحقيقة أكثر مما أثقلته الأحكام.. وغادرت الضفة الأخرى، تجر خلفها خيبة الذين كانوا يحلمون أن يطأوا ترابها يومًا، ثم يعودوا إلى أوطانهم رافعي الرؤوس.. أما الشاب.. فلم يغادر.. لم يبقَ منه إلا حفنةُ التراب التي وضعها فوق منصة المحكمة، كأنها الوصية الوحيدة التي استطاع أن يتركها للأحياء.. ولم يغادر التاريخ.. ظل واقفًا وحده، يقلب الصفحات ببطء، كمن يبحث بين السطور عن اسمٍ نسي أن يكتبه.. ثم رفع رأسه نحو البحر وسأله: أيها البحر.. انتهت المحاكمة، وبرأك ضمير الإنسانية... فهل ارتحت؟.. ظل البحر صامتًا طويلًا.. ثم تحركت موجةٌ صغيرة، كأنها تنهيدة خرجت من صدره، وقال: أيُّ راحةٍ هذه؟ وهل تُعيد البراءة أمًّا إلى ابنها؟.. وهل تُعيد طفلًا إلى حضن أبيه؟.. وهل تُعيد شابًا خرج يبحث عن الحياة، فعاد إلى وطنه محمولًا فوق الماء؟.. لقد حملتُ في أعماقي، منذ خُلقت، سفنًا، وعشاقًا، وصيادين، ورحّالةً، وحضاراتٍ عبرتني إلى العالم.. لكنني لم أتعب من شيء كما تعبت من حمل الأحلام الغارقة.. كلُّ جسدٍ احتضنته.. كان يحمل عمرًا لم يكتمل.. وكان يحمل أمًّا ستظل تناديه.. ولا يأتيها الجواب.. اقترب التاريخ من الشاطئ.. انحنى.. وجد حذاءً صغيرًا تركه صاحبه فوق الرمل.. رفعه برفق.. نفض عنه الرمل.. فسقط الرمل.. أما صاحبه.... فلم يسقط من ذاكرة البحر.. أغمض التاريخ عينيه، وقال بصوتٍ خافت:كتبتُ حروبًا لا تُحصى.. ورأيتُ إمبراطورياتٍ تنهض ثم تسقط.. لكنني لم أرَ هزيمةً أفدح من وطنٍ يخسر أبناءه، لا في ساحة حرب، بل وهم يركضون حفاةً نحو المجهول، لأنهم لم يجدوا في وطنهم بابًا يتسع لأحلامهم.. رفع البحر بصره إلى السماء.. كان القمر يطفو فوق مياهه، كأنه شمعةٌ أوقدتها أمٌّ فوق قبرٍ لا تعرف أين يقع.. فهمس: رباه، لقد خلقتني طريقًا بين القارات.. ومهدًا للسفن.. ورزقًا للصيادين.. فكيف صار اسمي يقترن كلما غاب شاب؟.. أنا لم أُخلق لأكون مقبرة.. ولم أطلب يومًا قرابين.. كل ما أردته.. أن أبقى بحرًا.. هبّت نسمةٌ باردة.. فتطايرت أوراق سجلِّ التاريخ.. ولم يبقَ مفتوحًا إلا السطر الأخير.. قرأه التاريخ بصوتٍ مرتجف: كلُّ أمةٍ تعجز عن حماية أمل شبابها.. ستكتب أسماءهم على الماء.. بدل أن تكتبها في دفاتر المستقبل.. ثم أغلق السجل.. لكنه لم يختمه.. لأن القضية.. لم تنته.. وفي تلك اللحظة، بدأ الفجر يلوح من بعيد.. غير أن البحر لم ينظر إلى الشمس.. ظل يحدق في الشاطئ..كان يخشى أن يرى أحذيةً جديدة.. تُخلع على الرمل.. وأقدامًا أخرى.. تركض نحوه. وقبل أن يطلع النهار، رفع البحر صوته للمرة الأخيرة، لا مخاطبًا قاضيًا، ولا تاريخًا، ولا ضفةً أخرى، بل مخاطبًا البشر جميعًا: لا تلوموني بعد اليوم.. أنا لم أطلب يومًا قرابين.. لقد خُلقت طريقًا للحياة.. فلا تجعلوني بطغيانكم طريقًا إلى الموت.. ثم عاد البحر إلى صمته.. ولم يكن ذلك صمت الماء.. بل صمت العالم كله.. وفي ذلك اليوم.. لم يكن الشباب وحدهم من غرقوا.. غرق البحر معهم.. بعد أن غرقت الإنسانية.. في صمتها..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى