السبت ٢٢ آذار (مارس) ٢٠٢٥
بقلم أيمن عبد الحميد الوريدات

مواطن عربيّ مع سبق الإصرار

هذا المشهد يرسمه يوميًّا شخص يعيش بيننا أو فينا اسمه حمدان أو قحطان أو عدنان أو... سمّه أيًّا شئت، المهمّ أنّه منّا وفينا، فهو مواطن عربيّ مع سبق الإصرار.

مبكّرًا يصحو، فيؤدّي ما عليه من صلاة مكتوبة، ثم يشرب قهوته العربيّة المستوردة من البرازيل، يشربها محلاّة أحيانًا أو مُرّة أحيانًا أخرى مصحوبة بسيجارة أمريكيّة أو غير مصحوبة، ثم يتناول إفطاره المعتاد ويتوجّه إلى عمله متثاقل الخطى كأنّما يُدع إلى الموت، يباشرعمله يلعن ويسبّ الزّمن والظّروف وغلاء الأسعار وكثرة العمل وجاره وجارته وبائع الغاز الّذي يزعجه و... حتّى يصلّ الأمر به فيسبّ نفسه واليوم الّذي وُلد فيه، يُنهي عمله كما بدأه وهو يتأفّف وينظر إلى السّاعة وما فيها من ثوانٍ لأنّها كالجمرات في دمّه، يغادر عمله عائدًا إلى بيته حيثُ تنتظره روائح الطعام الّتي اشتاق إليها فيملأ معدته حتّى ينقلب على أحد جنبيه، فيمسك (الريموت) بيده ويبدأ بتقليب القنوات الفضائيّة مبتدِئًا بقنوات الأخبار، يشاهد نشرة الأخبار؛ رائحة موت في العراق، غارات إسرائيليّة متواصلة على غزّة، غارات للنظام على حلب، اضطرابات في اليمن غلاء أسعار في كلّ مكان، جرائم شرف وجرائم ثأر وجرائم لا تصنّف و... يعود للّعن والشّتم وبأننا أمّة غير قادرة على شيء، أمّة مستهدفة من البشر والحجر... يبكي من شدّة ما يتعرّض له العرب والمسلمون هنا وهناك، ويشرح لأبنائه بإسهاب أنّنا مستهدفون ونتعرّض للمؤامرة من كلّ العالم، كلّ هذا في دقائق، ثمّ يُقلّب على قنوات روتانا وميلودي وشبيهاتها فيشاهد (هيفاء ونانسي ودومنيك وتامر ودانا...) وأسماء وأجساد عارية وأجساد أكثر من عارية شيء لا يُحصى، فيهتزّ طربًا ويتراقص فرحًا معلّقًا مُبحْلِقًا مُدقّقًا في كلّ التّفاصيل، من الأخمس حتّى أعلى الرأس، من الفستان وتفصيله وتأنيقه وفيما خفي تحته وفيما جسّده، لا تفوته شاردة ولا واردة، ويقول: ((هيك النسوان ولاّ بلاش))، ثم يسبّ أبناءه بعد لحظات قليلة بسرعة يا بجم فاتتنا نشرة الأخبار، فيشاهد نشرة الأخبار فتدمع عيناه من جديد وبيده كأس الشّاي أو علبة المشروبات الغازيّة الّتي يقاطعها مرّة ثم يشتاق إليها مرّة أخرى فلا يقدر على فراقها، يقاطعها إذا رأى ما يُسفك من دم عربيّ فيصرّ على المقاومة والنّضال، ويعود إليها إذا شاهدها في مادّة دعائيّة بيد شبه عارية ممّن يروق له تمايلهن وطعجهن وغنجهن فلا يستطيع المقاومة ويلغيها من قاموسه، ويتوالى يومه الحافل بالجدّ والنّشاط بين قناة للأفلام وقناة للأخبار وأخرى للغناء ورابعة لفنّ الطّبخ والأبراج والشّعوذة وخامسة للوعظ، مسكين يبكي تارة ويرقص تارة ويطبخ تارة أخرى، يحضر أفلام النّهار واللّيل وما بينهما، ثم يختم يومه بدعاء النّوم فيموت لساعات ليباشر مهمته ذاتها في يومه التّالي، كلّ هذا وهو متوازن لا تهزّه ريح فهو عربيّ أبيّ حرّ مع سبق الإصرار.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى