الثلاثاء ٢٤ آب (أغسطس) ٢٠١٠
بقلم بشير خلف

نعمة الطبيعة وجمالها

"مرجع الإحساس الجمال هو التأثر النفسي بالشيء الجميل، سواء كان لونًا أو رائحة أو لحنًا، فهناك قاسم مشترك بين اللون واللحن، أما الرائحة فهي الموسيقى الصامتة"
(الكندي)

إنّ الإحساسَ بالجمال شعورٌ موجودٌ لدى الإنسان البدائي مثلما هو عند الناس الأكثر تحضّرا .. فالإنسان يتأمّل بسرور وبهجة مكنونات الطبيعة من الزهور، والأشجار، والسماء وزينتها، والجبال وقممها، والبحار والمحيطات، وكل ما خلقه الله وأبدع فيه ..الإنسان استخدم أدواته منذ أزمنة بعيدة مُوغِلةٍ في القدم .. أدواته المُتاحة ليرسم مناظر للطبيعة، أو لحركيته مع غيره في الحياة وصراعه اليومي، أو لرسم مناظر من إلهام خياله وإبداعه.

إن الجمال الطبيعي، وحلاوة أيام الشباب يعتبران ثروة لهما قيمتهما لدى جيل الشباب، والمرء عندما يبلغ هذه المرحلة يكتسب جسمه القوة والنشاط ، وتتفتح عواطفه ومشاعره، ويصبح جماله وعظمته بمثابة جوهرة ثمينة تُـضفي على صاحبها روعة، وإبداعاً لهما وقعهما في قلوب الناس.

إن مرحلة الشباب هي إحدى المظاهر المهمة للجمال الطبيعي الذي يمتاز به جيل اليوم، فالإنسان إذا هرم فقد القدرة التي كان يتمتع بها في شبابه، وزال عنه جمال الشباب، وفقد الوجه بريقه ونعومته، لذا فإن الشباب هو مرحلة لها عظمتها، وجمالها، ولها الأثر البالغ في تكامل حياة الإنسان ومستقبله. إن الأمم والشعوب تفتخر بنسبة الشباب من بين مجموع سكانها ..فقوتها وحيويتها من قوة وحيوية الشباب، وجمالها من جمالهم ..افتخارها مستمدٌّ من تقدير هذه القوة الهائلة التي توظّف في عمليات التنمية الشاملة لبناء المجتمع، والمحافظة على كينونته، وبالتالي تحسن توظيف هذه الطاقة الجبارة، عكس شعوب أخرى تهدر هذه الطاقات، وتسعى إلى تمييع قدراتها، وتجاهل إبداعاتها ممّا يخلق فجوات خطيرة بين الشباب والمجتمع ترجع بالوبال على الشباب الذي قد يجرّه الشعور بالاغتراب إلى الانزواء على الذات وما ينجرّ عن ذلك من خسارة لفردانيته، وخسارة المجتمع، أو الهجرة الخارجية حيث يجد التشجيع، واحتضان مواهبه.

عطاءٌ من فيْضٍ إلهيٍّ ..

مرحلة الشباب والفتوّة من أحلى مراحل عمُر الإنسان ..عطاء ربّاني من ربٍّ كريم ورحيم!!

أين نحن من هذا العطاء الربّاني ؟ هل نحسّ بهذا الجمال الفياض في سلوكنا اليومي؟ هل نتذوق القليل أو الكثير في يومياتنا وليالينا ؟ ...هي أسئلة مطروحة علينا أفرادا وجماعات، ولا أعتقد أننا نجهل واقعنا وسلوكنا الذي يجهل ويتجاهل في أغلب الحالات كُنه الجمال ومفهومه، ومعاداتنا لكل ما هو جميل؛ وإنْ جَـهِلْنا التذوقَ الجماليَّ فإننا في نفس الوقت نترفع عن تعلّم التذوق الجمالي، ونرى بأنه من الصغائر التي من العيب أن ننزل إليها، والبعض يراه أنه من الضعف والدونية.. نحن أغلبنا معطوبٌ من الداخل. لكن كيف السبيل إلى إصلاح هذا العطب؟[1]

صُور الجمال في الكون والحياة، دليل على قدرة الله تعالى وعظمته وحكمته، والقيم العليا في الديانات السماوية، سيّـما في الدين الإسلامي الحنيف، ترمز إلى نواحٍ جمالية مثلى، لأنها ينبوع السعادة الحقيقية المتمثلة في الحق والخير والجمال للبشر في كل زمان ومكان ؛ فالخير والفضيلة، والحب والصدق، والعدل والرحمة، والتآخي والبرّ، والطهر والعفاف، وغيرها من الصفات والسُـلوكات الإنسانية الحميدة التي تبعث في النفس الطمأنينة والأمن والأمان ..جميعها ينابيع للخير والوفاق وجمال النفس، والكون في شموليته الواسعة، والبيئة المحيطة بالإنسان .

ورد في القرآن الكريم " مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ "[2] إن الانسجام بين الأشياء وفيها هو سر جمالها، وهو المحور المطلق لفهم الجمال الطبيعي بوجهه الحق، وفكرة الانسجام أول ما يأتي عند الفنان الذي ينسجم أول ما ينسجم مع ذاته حتى يتم له الانسجام التام مع الكون فيرى بعينه الناقدة الباصرة ما لا تستطيع الذوات الأخرى أن تراه. وإن من أقدم المفاهيم التي أثرت في صياغة النظرية الجمالية لدى فلاسفة المسلمين هو مفهوم التناسق (المرئي بين مجرات الكون وأجرامه وذراته، والنظام الدقيق الذي تخضع له جميعها من السير الدائري المنتظم والجاذبية الموجودة بتقدير إلهي لا يعرف الزلل أو الحؤول، كما أنه لا يعرف الكسل ولا الخمول).

وقال الله تعالى في بداية سورة النحل: " وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ "، وفي تفسيرها وتوضيح معنى الجمال. يقول الزمخشري في تفسيره: (منّ الله بالتجمل بها كما منّ بالانتفاع بها، لأنه من أغراض أصحاب المواشي، بل هو من معاظمها، لأن الرعيان إذا روحوها بالعشي وسرحوها بالغداة - فزينت بإراحتها وتسريحها الأفنية وتجاوب فيها الثغاء والرغاء - آنست أهلها وفرحت أربابها، وأجلتهم في عيون الناظرين إليها، وأكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس)[3]

وفي السياق ذاته يعبر العلامة الأديب سيد قطب رحمه الله عن الجمال فيقول: (جمال الاستمتاع بمنظرها فارهة رائعة صحيحة سمينة، وفي الخيل والبغال والحمير تلبية للضرورة في الركوب وتلبية لحاسة الجمال في الزينة (لتركبوها وزينة).

وهذه اللفتة لها قيمتها في بيان نظرة القرآن ونظرة الإسلام للحياة، فالجمال عنصر أصيل في هذه النظرة، وليست النعمة هي مجرد تلبية الضرورات من طعام وشراب وركوب خيل، بل تلبية الأشواق الزائدة على الضرورات، تلبية حاسة الجمال، ووجدان الفرح، والشعور الإنساني المرتفع على ميل الحيوان وحاجة الحيوان)[4]

وفي تعليق القرطبي على هذه الآية يقول: (قال علماؤنا: الجمال يكون في الصورة وتركيب الخلقة، ويكون في الأخلاق الباطنة، ويكون في الأفعال. فأما جمال الخلقة: فهو أمر يدركه البصر ويلقيه إلى القلب متلائمًا، فتتعلق به النفس من غير معرفة بوجه ذلك ولا نسبته لأحد من البشر، وأما جمال الأخلاق: فكونها على الصفات المحمودة، من العلم والحكمة، وكظم الغيظ، وإرادة الخير لكل أحد، وأما جمال الأفعال: فهو وجودها ملائمة لمصالح الخلق، وقاضية لجلب المنافع فيهم وصرف الشر عنهم)[5]

إن الجمال يعني القدرة على تذوق حلاوة الأشياء، وطلاوة الأجرام، وعذوبة الأجسام، برهافة الحس وصدق المنظر ودقة التمييز، حتى لكأن صاحب الرؤية الصائبة يشعر بتأثير الجميل ينساب معبقًا حلقه، ميسمنًا لسانه، معطرًا منخريه، مطربًا أذنيه، مشجيًا شَعرًا يكسو جلده، وممتعًا دماءً تسير في عروقه، ومهدئًا روعًا يكتنف الوجدان، ومطمئنًا حالة مضطربة من المحتمل وقوعها في زمان ما وأي آن.[6]

من الطبيعة بنى فيلسوف منهجه التربوي

جان جاك روسو صرخ بقوة بان كل شيء يأتي من الطبيعة، فهو جميل وحسن وخير طالما لم تمتد إلية يد الإنسان، وكانت المدرسة الطبيعية التي كان رائدها، تتبنى اتجاها يدعو للعودة إلى الطبيعة، والبعد عن المدنية والحضارة المعاصرة ، فهو يدعو إلى العودة إلى الطبيعة من حيث البساطة وتحاشي اللا تعقيد، والعودة إلى الحياة البدائية أي إلى المجتمع الطبيعي.

الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (28 يونيو 1712-2 يوليو 1778) يعتقد أن دراسة الجانب اللا عقلي هو الفلسفة الحقيقية لفهم جمال الطبيعة، والانتفاع بها.. روسو اهتم بالإنسان الطبيعي الذي يفعل الخير بطبيعته، وقد أراد أن يجعل من الإنسان إنسانا قبل أن يجعله فيلسوفا، وعلى هذا قال روسو:

« أن العقل يفسد الطبيعة الإنسانية وإن التأمل يعمل على تأصيلها»

ومن هذا المنطلق ابرز روسو أهمية الجانب الوجداني في عملية التعليم وقال:« إن تنمية الشخصية لا تقتصر على الجانب المعرفي فقط بقدر ما تعتمد على المعرفة والجانب الوجداني معا.»

كما نادي روسو بان الإنسان لابد أن يعمل وفق نظام الطبيعة، وان يهتم كثيرا بالمشاعر، والإحساسات والمشاركة الوجدانية؛ ولذلك ابرز روسو أهمية الجانب الوجداني في التعليم، وقال أن تنمية الشخصية لا تقتصر على الجانب المعلوماتي فحسب، أو الجانب الفكري فحسب، وإنما لابد أن ترتبط أيضا بالمشاعر والوجدان. ولقد ربط روسو بين الفن والحياة، فربط الفن بالواقع، ذلك الفن الذي يمتلك القدرة على التأثير على عواطفنا وانفعالاتنا، كما انتقد روسو الفنون المصطنعة مثل فنون الصالونات الارستقراطية ، وتبنّى في مقابل ذلك الفن المتسم بالبساطة والطبيعية والقوة والجمال.. أي الفن الحقيقي المرتبط بحياة الناس، فهو إذا لم يكن ضد الفن على الإطلاق، بل كان ضد الفن المتصنع السائد في عصره.

جمال الطبيعة نعمة أفاء الله بها على الجميع

مَنْ مِنَ البشر يستطيع أن لا يقول كلمة (الله) بكل عفوية وهو يرى جمال الخالق سبحانه وتعالى في صنع مناظر الطبيعة الأسرة للقلوب قبل الأنظار؟

إن رؤية الطبيعة على حال روعتها تجعل المتذوقين يستمتعون حتى بمناظر الصحراء حين يشاهدون أفق السماء الزرقاء، وكأنه في مؤخرة نهاياتها وقد أسدل انحناءته على شكل دائري يمس أفق السماء بأفق الأرض الصحراوية.. والصحراء هنا كمثل مساق لصورة ناطقة بجماليات الخالق كل شيء.

أما على الأرض المزوعة فالطبيعة فيها تبدو كـبساط سندس أخضر وأخاذ للناظرين.

إن كل البلدان على وجه المعمورة لها خصوصية تحدد طبيعتها الجغرافية، فبلدان السهول وبلدان الجبال، وبلدان الصحارى مثلاً لكل منها ميزة تختلف عن الأخرى؛ لكنها تلتقي جميعاً تحت صفة التمتع بالجمال، وغالباً ما ينعكس هذا الجمال في بلد ما بنسبة وبأخرى على جمال أهله، ولعل استقرار البلدان سياسياً يتيح أمامها فرصة البناء الجمالي، ويجعل من الطابع الأخلاقي على أهالي كل بلد منها سمة واضحة متفرّدة، ويغلب عليهم التفكير بعقلية جمالية تظهر بدءًا من إتقان عملهم، وانتهاءً بلطف معاملتهم مع الآخرين.

الجزائر هبة الله ...!!

الجزائر هبة الله العظمى، أبدع فيها ونوّع الجمال..فأنت من أم الطبول بالحدود الشرقية إلى قرية العقيد لطفي بالحدود الغربية، وأنت تقطع المسافة تسحرك روعة البحر وأمواجه، وزرقته، وخلجانه، ورماله الذهبية، وصخوره المتنوعة، وإن شئت ركّزتَ ناظريْك على هذا الأطلس التلّي بشموخه، وعظمته، وأنفته وهو يستعصي على كلّ الغزّاة عبْر التاريخ، تجلله هامات خضراء داكنة، تجللّها غلالات هي في غاية السحر والبهاء، أو تعمّمه برفق طبقات فضية تنساب من حناياها جداول رقراقة يرتوي منها الإنسان، والحيوان، والتربة فتعطي الغلال التي يتعيّش منها الجميع..وعلى سفوحه تلك السهول الفسيحة التي تنوّعت فيها النعم والخيرات الإلهية.

كل منطقة تتفرّد بالجمال الطبيعي الذي يشدّك ويأسرك، ولا يسعك في النهاية إلاّ أن تقول : ما أعظمك يا ربنا، وما أبدعك، وما أعطفك على مخلوقاتك ..عن ماذا أحدثك أيها القارئ الكريم عن جمال القالة وحضيرتها ..عن سحر منطقة عنابة وسكيكدة..عن طبيعة منطقة جيجل وجبالها، وكهوفها العجيبة ..عن وعن..إن المقام هنا لا يسمح بأن أتحدث عن جمال الهضاب، وما تفضّل الله به عليها من سحْرٍ وكنوز على وجهها، وفي باطنها، وهل بإمكاني أن أحدثك عن طبيعة الصحراء وجمالها التي هام بها الرحّالون، والمكتشفون والمخبرون الذين حتى وإنْ كان قدومهم الأولي تقديم خدمات لبلدانهم التي استعمرت هذه الديار؛ إلاّ أن هذه الصحراء آسرتهم بطبيعتها الساحرة، وكنوزها التي تنوّعت.

هذه الجزائر التي تنوّع فيها الجمال الطبيعي بتنوّع تركيبتها الجغرافية، وأودع الله فيها كل ما يُشبع نهم هذا الإنسان الجزائري، أتستحقّ هذه الجزائر جحود أبنائها، ونكرانهم لجميلها بالتوجه إلى بلدان أخرى شرقا وغربا، وشمالا في كل عطلة، وتشويه صورتها الجميلة عند أؤلئك الأقوام..متى ندرك بالعقل أولا، وبالروح ثانيا قيمة هذا البلد، ونكتشف بالبصيرة لا بالبصر روعته؟ متى يحصل ذلك؟ وهل يمدّ الله في أعمارنا ونعيش زمنًا جميلا يحتضن الكلّ فيه هذا البلد؟

هوامش:

[1] ـ أ.بشير خلف. الجمال فينا وحولنا.ص 30 ط1 2007 وزارة الثقافة الجزائرية

[2] ـ سورة الملك .الآية: 3

[3] ـ الكشاف للزمخشري (ج2/571)

[4] ـ الظلال لسيد قطب (ج4/2161)

[5] ـ الجامع لأحكام القرآن (ج10/47-48)

[6] ـ أ. محمد علــي عوض. تنقيـــح الأقـوال في فهم فلسفـــة الجمــال ـ دراسة ـ ص14


مشاركة منتدى

  • بينما انا اتامل هادا العالم الساحر وجدت نفسي في احضان الاشجار الخضراء والسماء الزرقاء والنهار والوديان من حولي والتفت من حولي وجدت فراشة زاهية الالوان فرحة مسرورة وكانها تستقبل فصل الربيع بشتى الالحان والطيور تغرد والشاعر يكتب القاصد والمغنى يشدو بالحان نعم لقد شاهت كل هادا هادل هو الجمال الطبيعي الدي خلقه الله لنا لننعم به ونستمتع

  • سماء الخري بألوانها السحرية المختلفة التي تتعاقب عليها بتعاقب الليل والنهار ،تنطبق على أرض كرقعة الفردوس،لا ترى فيها خاء ولا عراء ولا وحشة ،ولا تسمع فيها لغوا ولا تأثيما،إلا هتافات الطير الحائمة على أعذاق النخل اليانعة وسنابل الرة النضرة ،وإلا شدوات الرعاة قد كوموا الحشيش أمام الماشية،وتتحلقوا حول النار المشبوبة،يشوون عليها أكواز الذرة وصغار السمك؟ثم يأكلون ويغنون في لذة وبهج متناسين مشقات الحياة،ناعمين بالسكينة والطمأنينة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى