الخميس ٢٥ أيار (مايو) ٢٠٠٦
بقلم ليلى بورصاص

أوراق الخريف

... أليس من حقها أن تحلم مثل باقي البنات في مثل عمرها... لقد نالت شهادة البكالوريا... وتحلم أن تتم تعليمها في الجامعة... لكن هل يتم قبولها؟... رغم أن شهادتها بتقدير ممتاز... إلا أنها تخشى أن يرفض ملفها... اليوم العاشر من تشرين الأول... إنه يوم ميلادها... عشرون ربيعا... هي تعتبرها عشرون خريفا... إن يوم ميلادها... ليس كأيام ميلاد باقي البشر... فيوم ميلادهم هو نفس اليوم الذي ولدوا فيه... لكن يوم ميلادها هو اليوم الذي أحضرتها الشرطة فيه إلى الملجأ بعد أن وجدتها متروكة أمام باب حديقة عمومية... مهملة... كشيء عديم الفائدة... كقمامة... ملفوفة في خرق بالية... لم يفرح أحد لقدومها إلى الدنيا... لم يعمل لها "سبوع"... لم يعتبرها أحد نعمة من الله تعالى يحمد عليها... بل اعتبرت عارا... كان يجب التخلص منه... وأده... اعتبرت كالورم الخبيث... وجب استئصاله...

-  يا ترى من هو أبي... لابد أن يكون شخصا عديم المسؤولية... سكيرا... معربدا... عديم ضمير... وأمي ؟ إنها بلا شك امرأة مستهترة... عديمة الأخلاق... إذ كيف تفرط في شرفها... كلاهما شريك في جريمة شنعاء... في لحظة ضعف... رسما مصيرا مجهولا... مظلما... لمخلوقة بريئة... ارتكبا ما لا يغتفر... لتدفع هي ثمن جرم لم تقترفه... لابد انهما يعيشان الآن عيشة أخرى... متناسيان ماض ينفث رائحة كريهة... كئيبة... حزينة... خطر لها خاطر... أن تبحث عنهما... وتعريهما أمام أسرتيهما... كما يجب لأمثالهما... هذا جنون... لكنه ضرب من جنون مقدس... تريدهم أن يدفعوا ثمن كلمة اللقيطة... التي تجبر على سماعها من كل من يحيطون بها أينما حلت... عجيب أمر هؤلاء البشر يتركون المجرم ويحاسبون الضحية... قلقها ازداد... تأخرت مديرة الملجأ في العودة... لابد أنها تطرق جميع الأبواب... حتى يقبل الملف... لأنه ببساطة ملف ناقص... لا توجد به شهادة ميلاد... لقد ألقي بها منبوذة... دون حتى أن تمنح اسما... الأشياء التافهة عديمة الفائدة تحمل أسماء تعرف بها...

***

.. ظلام حالك لم يستطع المصباح الخارجي أن يبدده... فتح الباب الخارجي للملجأ محدثا صوتا مزعجا... دخل منه طيف حذر كتوم يتسلل... إنها مديرة الملجأ...

-  مساء الخير يا سيدتي...

.. ردت عليها متفاجئة.. فقد تأخرت متعمدة حتى لا تسألها عن مصير الملف..

-  مساء الخير يا أمل! ألا زلت مستيقظة؟

-  لم استطع النوم حتى اعرف إن كنت وفقت في تسجيلي بالجامعة أم لا..

.. ترددت ترددا لم يخف على أمل... ثم قررت المواجهة القاسية:

-  لا أستطيع أن اخفي عنك الحقيقة.. لا يمكنك التسجيل في التخصص الذي تريدين... لكننا سنحاول في تخصص آخر..حيث يمكنك أن تكوني منتسبة للجامعة..

... أحست أنها رميت من جديد... يا لها من هدية عيد ميلاد.. إنها تغوص في الظلمات بلا مرشد.. اجتاحها إحساس شامل بالتمرد... واشتعل رأسها بأفكار محمومة... لا يمكن أن تمضي الحياة كما مضت...

-  أنا آسفة يا أمل... لقد بذلت كل جهدي...

-  أنا لا ألومك .. كنت احن علي من والداي ..

.. لقد قررت الهروب من العذاب... ربما إلى عذاب اكبر... ستكرس ما بقي من حياتها في البحث عنهما... ستقوم بمواجهتهما بجريمتهما... ستهدم مستقبلهما كما هدما مستقبلها قبل مولدها... ستهتك حجب الظلام... وتستحضر ماضيهما المخز... أمام كل الناس...

***

-  صباح الخير يا سيدتي؟

-  صباح الخير يا عائشة... اذهبي وأيقظي أمل لدي خبر سار لها...

ذهبت الخادمة ثم عادت مسرعة:

-  سيدتي أمل غير موجودة بغرفتها.. حتى أغراضها اختفت...

... ذهلت مديرة الملجأ... و قالت بأسى:

-  مضت لتنفذ انتقامها... لو انتظرت قليلا لعلمت أنني وجدت لها مصيرا أحسن بكثير... إن تصرفها لم يصدر عن عقل أو منطق... إنما صدر عن إحساس مرير بالظلم...

.. نظرت إلى صورتها في الملف بحزن.. فخيل إليها أنها تبتسم لها ابتسامة شكر وامتنان...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى