الثلاثاء ٧ حزيران (يونيو) ٢٠٠٥
بقلم عبد العزيز الرواف

البراح

الحبور والسرور يتجسدان في حركته الدائمة في كل زوايا القفص الصغير الذي أبصرالنور من خلال قضبانه ولم يدر بخلده بأن هناك براحا أرحب من تلك الاتجاهات التي كان يتحرك فيها.

يبدأ يومه بنفش ريشه وتصفيفه و العناية به ينتظر حبات يلتقطها من وعاء قابع في قاع القفص تضعها تلك اليد التي ألف و جودها من خلال دخولها الدائب من تلك الفتحة ثم يرتشف من الحين إلى الأخر قطرات من ماء القنينة الصغيرة على جانب القفص، ثم يقضي بقية يومه مغازلا شريكة وجودة في هذا القفص ، استمرت حياته على هذه الوتيرة ولم يطرأ عليها جديد سوى احتجاب رفيقته في تلك الغرفة الخشبية الصغيرة الموضوعةأعلىالقفص من الخارج محتضنة نتاج ألفتهما بين هذه القضبان ، كان يصدر في بعض الأحيان شقشقات حالمة يعقبها بقفزات توصله إلى باب الغرفة الخشبية فتستجيب لها شريكته في الحال مادة رأسها الصغير ليلتقي منقاريهما في قبلة حميمة تنتهي بلقيمات طرية يدفعها إليها بكل ود وتتقبلها بكل مودة.
في ذلك الصباح الجديد، تسللت اليد كعادتها إلى داخل القفص واضعة حبات الطعام مكانها ومعرجة على قنينة الماء لتملأها،وكعادته دائما التجأ إلى أعلى القفص مفسحا لها المجال لتقوم بعملها داخل بيته الذي لا يمنع شيئا سوى خروجه منه، خرجت اليد من المكان الذي دخلت منه ، بعد لحظات قفز من عليائه ليقف على القطعة الخشبية أمام إناء الطعام ليبدأ في التقاط حبات الطعام ولم يكد يستقر عليه حتى شعر بأمر غريب طرأ على وضع مسكنه فوعاء الطعام أصبح فوقه وحباته تناثرت متخللة ريشه، مياه القنينة انتشرت رذاذا في الأنحاء ، رفيقة دربه تخلت عن حرصها الفائق وتحوم حوله في حركات مضطربة، تاركة محتويات الغرفة تتبعثر حولهما.
قبل أن يستوعب ما حدث له و لمحيطه الصغير سكن كل شيء من حوله بعد صوت الارتطام القوي الذي لم يعهده قبلا، هدوء غريب مزعج ساد بعد تلك اللحظات ، تطلع حوله محاولا فهم ما حدث ، وقعت عيناه على شريكته ممدة على أرض القفص، قفز ناحيتها، تعجب من سكونها الغريب ، نقر على منقارها بحب بالغ، زاد تعجبه من عدم استجابتها له، قطع انهماكه في تفسير حالتها أصوات متداخلة تقترب منهما،لم تكن نبراتها مألوفة لديه، حاول اللجوء إلى أعلى سطح القفص كعادته الدائمة، فاجأه عدم وجود الحاجز الذي كان يمنعه من الابتعاد أكثر من ذلك، انطلق حيث البراح الأوسع من براح بيته الصغير، الأصوات الغريبة تطارده بإلحاح، بدأت تحاصرة من عدة جهات، حاول الهروب فجاءت محاولته خليطا بين الطيران والقفز، الأصوات تجد في طلبه شعور بالتعب والذعر يملأن نفسه من هذا الاتساع المخيف ، أيادي كثيرة تحاصره لتمسك به، استطاع الافلات منها، التجأ إلى ركن في جدار، لاحقته يد غليظة إلى داخل تلك الفجوة، حاول الافلات، لم تسعفه بقية المسافة للهروب أكثر.
قبضت عليه تلك، تذكر تلك اليد التي طالما وضعت له الطعام دون أن تمسه، حاول مقارنة شعوره الآن حيال تلك اليد وهذه التي تقبض عليه في قسوة بالغة، شعر بحنين بالغ لضيق براح القفز.
جسده الصغير يعتصر بفعل تلك القبضة القاسية ، انتفض محاولا مقاومة عملية الضغط، شعر بقلبه يصعد إلى حلقه بدأت أعضاؤه تتخدر و مقاومته تضعف ، وليفقد بعدها كل إحساس بالحياة.





طبرق في 17-3-2001


مشاركة منتدى

  • نص مفعم بشفافية غريبة تدل على امتلاك حس مرهف ، تناول الكاتب حدثا بسيطا بنى عليه تنامي حدث بقوة لا يمتلكها إلا من كانت لديه قدرة كبيرة في هذا المجال ، سعدت جدا بقراءتها وللكاتب تحية على قدر روعتها .

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب من ليبيا

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى