الاثنين ٩ آذار (مارس) ٢٠٢٠
بقلم الحسان عشاق

الحصار


القرص الملتهب ينحني نحو الأفق البعيد متهالكا، مستسلما في بلادة، ينسلخ لونه يتحول إلى برتقالة كبيرة مشدودة في الهواء بقدرة قادر، تهبط في تثاقل داخل قعر عميق، ثمة عصافير تسبح في الفضاء الواسع، تتجه جماعات وفرادى نحو الشرق، تسرع إلى أوكارها، الظلام ينشر ملاءته يلبسها قهرا للمدينة الرابضة، سيارات تنهب الطريق، راجلون يركضون في كل اتجاه، الأعمدة الكهربائية القليلة عند مدخل المدينة فترت مصابيحها عن ضوء خافت، بعضها معطل مند زمن بعيد إصلاحها مرتبط بمناسبة ما....مزابل منتشرة على جنبات الطرقات والأزقة يقتات منها الإنسان والحيوان...

الظلام غلف المدينة، الشوارع لم يعد لها معنى في هذه الأوقات، الخوف يسكنها يتجول فيها لابسا أقنعة قاسية، صوت الأحذية تسرقه الجدران المتلصصة، دقات القلب أحسها أجراس كنائس معلقة على الصدر، أجساد مكومة، الإسفلت والبرودة تأكل أشلاءها المتحللة، من ثقب الأغطية البالية والبيوت المهجورة والأزقة المعتمة عيون ماكرة تعريني بشدة، تنفد في خبت إلى ملابسي الداخلية، دمي يغلي يفور، أفكار عميقة تعبر مخيلتي، أفكار في حجم حبات القرنفل تكبر وتكبر حتى تصبح بركانا مائيا ينزه جسدي.

من رصيف إلى رصيف، انقل بصري في كل جهة، أدمن الالتفات إلى الخلف، اعرف أن الالتفات إلى الخلف يؤكد عجزي وخوفي، احتمي بالأضواء الخافتة في هذه المدينة، أحسها تبتلعني، تجرني من التفاحة إلى اللزوجة وبرك الدم، الطريق مظلم وطويل، كل يوم أعايش نفس المخاوف، خائف من لا شيء، من المصابيح من الليل، والحركة المجهولة، من الراجل الذي لا اعرفه، أتفادى النظرات العابسة، أتخيل ظلالا طويلة تلا حقني، في راسي تنموا آلاف التصورات لحادث مباغت يضع حدا لحياتي، شيء مقرف أن تظل قسامتنا تحمل أختام الخوف وغشاوة العبوس.

في ممر جانبي التقت عيوني بغتة بعيون فولاذية طأطأة راسي، عادة ألفناها مند القديم نخاف ولا نحشم، محطة الأتوبيس مقفرة إلا من بعض الوجوه، وقفت انتظر، ما أصعب الانتظار في زمن السفالة والغدر، كل شيء فيه يمشي في اتجاه معاكس لا رادتنا، نبتت في راسي فكرة، أن ادخل في حديث هامشي مع الشخص الواقف على مقربة مني، نذيب حرقة الانتظار، خواطر غريبة انزلقت إلى جمجمتي، لجمت لساني وزمت شفتي، الاحتمالات الخبيثة تتأرجح في صلابة نيران الخوف تستعر في دواخلي، الشخص الواقف بقربي تبدو على محياه حالات التوتر يبدد مخاوفه بالضربات المتلاحقة للجريدة على فخده، شخص آخر غير بعيد، يدخن بعصبية، كلنا يمضغ مخاوفه في صمت، الخوف يحاصرنا مند عام الفيل، في الأساطير في حكايات الجدة، في كتب التاريخ في الراديو في التلفزة في جرائد الفضائح والدخان المر في متاهات تحديد النسل ومنظفات الغسيل ومساحيق التجميل.

أصوات الحافلات القليلة يقتل وحشة المكان، تقيأ الأتوبيس بعض الأجساد المتهالكة، لم نكن سوى ثلاثة ركاب، نراقب حركات بعضنا، الجابي يمسك جيوبه بشدة، يبحلق في وجوهنا ينفد إلى أعماقنا، السائق ينقل نظره موزعا بين الطريق والمرآة الداخلية، مثلما ابتلعنا الحصان الحديدي تقيانا، لامست قدماي الإسفلت، صفعني فراغ الصمت بالظنون، قدماي متعبتان من كثرة المشي، تلامسان الأرض برفق وحذر، في الهواء احسبني امشي، مع الفراشات أطير، هدير السيارات يأتيني متقطعا، ثمة عربة يجرها حصان غير بعيد، صراخ الحوذي يرتفع، تطمسه قعقعة العجلات، صورة أعادت إلى دهني وضع العمال داخل المعمل، الماكنات تصم أصواتها الآذان، الحديث مع عامل يصبح عسيرا، غالبا ما اخرج وبي بحة، صوت المدير ينفذ إلى عمق الجمجمة، يخدشها، يتسلقها بفجور، تهديدات ووعيد، خصم في المرتبات الهزيلة، توقيف طرد جماعي، كل يوم تنمو في مخيلتي آلاف الأسئلة الحارقة، الكلمات القبيحة تتكور في سريرتي بلوعة وفجيعة، تكبر مثل سيقان النبتات الوحشية، وتغدو كوابيس تلاحقني أتناء خلوتي وممارستي لأبسط حق من حقوقي الطبيعية، انتشلني من شرودي وتيهاني مواء قطة، شبيه ببكاء رضيع، ارتعدت فرائصي تخمر الدم في عروقي، راودتني فكرة الهرب، تخيلت أن ثمة مومس تخلصت من وليدها للتو، تهرب من الفضيحة لترتكب فضيحة اكبر، رايتها منبطحة على الأرض تنقلب يمنة ويسرة، غير بعيد قط اسود فاحم غاص في صفيحة القمامة، ذيله يتراقص في الهواء، يحركه ذات اليمين وذات الشمال، مثل ثعبان يتدلى من الصفيحة، انسحب بخفة ونشاط عندما أحس بوقع خطواتي ظل واقفا متسمرا في مكانه وعيناه تعدان حركاتي.

صرير الباب له وقع خاص في أذني يشعرني بالأمان المؤقت أوصدته بعناية قبل أن اخلع حذائي ارتميت فوق السرير ليس سريرا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، قطع كبيرة من الكارتون لمنتجات صناعية متنوعة أكياس قديمة للقمح والدقيق وضعت فوق ألواح خشبية جلبتها من الدور المهجورة لففت الجميع في غطاء صوفي بعناية واستعنت ببعض الأحجار المستطيلة لخلق التوازن كل شهر امني نفسي بشيئين سرير حقيقي من خشب الاكاجو وحشايا من أجود ما يوجد في السوق لأريح ضلوعي ودراجة عادية تنقلني الى المعمل لكن ولا أمل المشاكل الكبرى أثقلت كاهلي في دائرة مغلقة أراني أدور يصفعني المكري والبقال وتكبس علي فواتير الكهرباء والماء ويجلد خلدي المدير بوقاحة أما الزقاق فتلك أم المشاكل، أولاد الحرام يتربصون في كل زاوية، لا أولاد لي عزفت عن الزواج حتى لا أزيد من معدل البطالة والجريمة ثم من هي المرأة التي تقبل أن تعيش مع رجل مثقوبة جيوبه أثاث رخيص راتب شهري هزيل جامد وحتى لو افترضنا أن المرأة موجودة فمادا سنقدم لذلك القادم من الغيب..؟ أراقب السقف فوق جبيني تركض أشرطة بالية وحيد أراني مند زمن المخاض أقاتل الزمن والزمن يقاتلني بشراسة وبأساليب متطورة موصوم جبيني بالهزيمة رايتي منكصة جراحي احملها بين ضلوعي أعرضها في مقاهي النسيان، النسيان بلسم، ضمادة مؤقتة، تنكاها الهزات العصبية.

في العام الماضي أدمنت المخدرات، تعلقت بالسيجارة وقبلات السيجارة، إلى حد الذوبان لفافات الحشيش دفعت إليها دفعا دون مقاومة وجوه خفية وأفواه مطاطية تشبه فروج الحيوانات الأسنان الصدئة تجيد في الوصف وغسل الدماغ أوصاف رائعة لمفعول اللفافة جنات عدن تفتح دون عناء حيوية ونشاط مخاوفي تذوب في لحظات أحاسيس رائعة تأرجحني، عوالم خرافية أسافر إليها، بحور وشطآن، مدن فاضلة أفض بكارتها، وجوه عابسة تبتسم، كلمات أكثر رقة وعذوبة، الورود تملا بأريجها وجه المدينة، تغسلها، شجرات توزع التمور على المارة، أياد حنونة تمسح الحزن على الحزانى، الذئاب تحرس الأغنام، المدير يربت على أكتاف العمال، يخاطبهم برفق، يوزع الابتسامات يمينا وشمالا،جوائز تحفيزية، الليل يغازلني يدعوني الى شرب انخاب الفرح على شرف الايام السعيدة القادمة من الغيب.

أفقت في الصباح صدري لم يعد مني، كل شبر من جسدي يتمزق، الحمى تأكلني، تقضمني، لم أبدل لها مطارف ولا حشايا، لأني لا املكها، أسبوع كامل احمل جراثيم الوباء في خلايا الجسد، ابتلعت عقاقير لا حصر لها، منشطات، مهدئات، منومات، مقويات، بدون فائدة، في السماء أتمدد على السرير، ارمق السقف، انتظر الملاك الذي سيمر في تلك اللحظات، أبث له شكواي، لعله يخلصني من العذاب والفوران الذي يتسلقني من أخمص قدمي حتى راسي، أسبوع واحد خس فيه وزني، وجهي شاحب مثل تفاحة سقطت مند زمن بعيد في حقل مهجور، كان سنين عديدة مرت عليه، الدوار يصيبني عند كل حركة، بعد أيام وجدتني أشيد معبدا من الكتب، ادخله مدججا بالخوف، واخرج منه متعافي إلى حين.

تسللت يدي إلى حذائي، أرحت قدمي، ارقب السقف في تهور، في الليل حلمت بمخلوق غريب ينفث الدخان والنار من فمه يلاحقني، خطواته تحدث دويا عاليا، الأرض ترتج تميد، الإسفلت يتهاوى، قلبي ينقبض، كان يدا خفية تضغط عليه، تعتصره، العرق يغسلني بشدة، اندس بين البنايات العالية، يدكها المخلوق الغريب دكا، السيارات تسرع في كل اتجاه، الهلع يلبس المدينة، بعض الوجوه تركض حائرة دون معرفة الأسباب، الوحش يقذف بكل ما يعرقل تقدمه، عشرات الأجساد تهشمت عظامها، نيران تلتهم الأخضر واليابس، مصانع وما معامل تحترق، أجساد تختنق، تسقط تموت، قذفتني رجلاي إلى محطة القطار، وجوه محنطة، أفواه فاغرة فزعة، بعض الرجال والنساء في ثوب ادم وحواء، عيون جاحظة تخرج من محاجرها، تبتلع مخاوفها في صمت، صفير مدو، اشرأبت الأعناق، عينان تنفثان النار بقوة، اخترقتا الظلمة، صوت شبيه بصوت الرعد، الساعة المعلقة على الحائط أطلقت العنان لجرسها، الجرس طمس كل الأصوات، امتدت يدي نحو الزر، ضغطت عليه، هدوء تام خيم على المكان، حلقي ناشف، فرائصي ترتعد، دقات قلبي تنتظم، فركت عيني بقوة، فتحتهما، تقدمت نحو الصنبور، اغتسلت، ارتديت ملابسي، استقبلتني محطة الأتوبيس بوجه عابس، أمواج البشر تنتظر الحصان الحديدي في تذمر.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى