الثلاثاء ١٩ أيار (مايو) ٢٠٠٩
الرؤية الإسلامية في القصة القصيرة جدا من خلال أضمومة
بقلم جميل حمداوي

(الخيل والليل) للحسين زروق

إضاءة:

أصدر الكاتب المغربي الحسين زروق مجموعتين إبداعيتين ضمن جنس القصة القصيرة جدا وهما:"الخيل والليل"سنة 1996م عن مطبعة النور الجديدة بالدار البيضاء في 76 صفحة من الحجم الجيبي الصغير، ومجموعة:"صريم"التي ظهرت في سلسلة منشورات المشكاة لأول مرة سنة 2002م في 63 صفحة من الحجم المتوسط مطبوعة في دار النجاح الجديدة بالدار البيضاء.

ومن المعلوم أن الحسين زروق يعد أول من كتب القصة القصيرة جدا في المغرب عن نية ووعي تجنيسي وذلك في سنة 1996م. ونحن نعرف جيدا أن إبراهيم بوعلو ومحمد زفزاف قد كتبا القصة القصيرة جدا قبل الحسين زروق إلا أنهما لم يصدرا في ذلك عن مرجعية نظرية أو وعي تأسيسي أو تجنيسي. أضف إلى ذلك أن الحسين زروق جنس مجموعتيه معا بمصطلح:"لقطات قصصية"وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى وعيه بهذا الفن المستحدث في ساحتنا الثقافية العربية بصفة عامة والمغربية بصفة خاصة.

إذا، ماهي القضايا الموضوعية الجادة والتيمات المفصلية الهامة والأساسية التي تطرحها مجموعة"الخيل والليل"للحسين زروق؟ وماهي ملامح القصة القصيرة جدا وتجلياتها البارزة في هذا العمل الإبداعي على مستوى الدلالة والصياغة والمقصدية؟

أ- بين تيمة الحرب والرؤية القومية:

لقد خصص الحسين زروق مجموعته القصصية"الخيل والليل"لتيمة الحرب تخطيبا وتمطيطا من خلال استحضار واقع الأمة المأساوي الذي يئن من وطأة الاستعمار، وبطش الغطرسة الصهيونية، وتشريد الشعب الفلسطيني، وتفرق الأمة العربية الإسلامية إلى أشلاء واهنة يلوكها غزاة الغرب ويستمتعون بلحمها الطري وغضروفها المعسول، وينهبون ثروات الأمة وخيراتها.

كما نجد مجموعة من الشعوب الإسلامية مازالت تعاني الكثير الكثير من قبضة المحتل الغاشم كأفغانستان والشيشان والبوسنة والعراق وكشمير وإيران ولبنان إضافة إلى الجرح العربي القديم ألا وهو فلسطين. لذا، تحضر في هذه المجموعة موضوعة الحرب بكل مفاهيمها ومصطلحاتها وقاموسها الذي يحيل على الصراع والمقاومة والاستشهاد والجهاد في سبيل الله.

ويؤشر عنوان المجموعة على ثنائية الليل والخيل أو ثنائية الاستعمار والفروسية، ويعني هذا أن الكاتب يرى أن الحل الوحيد للقضاء على ظلمة الليل الأسود، ومجابهة المستعمر، وتحدي الظلم، هو تمثل منطق الفروسية والتسلح بشجاعة السيف والتأهب للعدو عددا وعدة من أجل تحرير الأمة العربية من قيودها المسترسلة وتخليصها من إسار الاستعباد والاسترقاق.

1- تيمة الحرب:

يتناول الحسين زروق مجموعة من القضايا القومية التي تؤرق الإنسان العربي انسجاما مع رؤيته الإسلامية والإنسانية، فيصور بريشته التراجيدية فظاعة الحرب وشراسة غارات الأعداء وأثرها على الطفولة البريئة ونفسية الإنسان المظلوم المعتدى عليه بدون وجه حق؛ مما يضطر هذا الإنسان إلى المقاومة والجهاد والتحدي والتصدي للعدو الغاشم:

"الابن: أماه أين أبي؟
الأم: مسافر ياولدي.
الابن: ومتى سيعود أماه؟
الأم: لاأدري ياولدي.
وبعد شهور...ومع استمرار الحرب.
الابن: أماه لماذا لم يعد أبي؟
الأم: لاأدري ياولدي.
بعد سنة...والحرب تزداد شراستها...
الابن: لماذا لانسافر أيضا يا أماه؟
الأم: ربما نفعل يا ولدي.
الابن: ومتى يا أماه؟
الأم: لا أدري يا ولدي.

وفي أول غارة كان القصد منها شل الحركة الطبيعية للأحياء سافر الابن ولم تضع الأم مزيدا من الوقت... بل سارعت لشراء تذكرة سفر... صارت تملك بندقية"

وتزداد بشاعة الحرب حينما تودي بالأطفال الرضع تنكيلا وفتكا وتعرضهم للهلاك والفناء ظلما وجورا واعتداء:

"اتكأت الأم واستندت على مخدة لتمكن رضيعها من الثدي، وتراخى الرضيع ثم نام. لم يفارق فوه الثدي ولا الثدي فارق فاه. لكن الأم كانت قد سافرت... رحلت مع أول قنبلة."

وتتحول الحرب إلى هستريا وجنون بشري حينما تصبح فعلا يوميا وسلوكا طائشا وشائنا قائما على العنف والإبادة والتشريد:

""الحرب"هذا اللفظ أرقه، فكيف بعنفها؟
هو يؤمن بأن التكرار يفيد الإيلاف، ولذلك سمى ابنه الأول"حرب". رفضت الزوجة... صار يناديه متعمدا وكلما اجتاح شيئا يناديه:( ياحرب افعل كذا...لاتفعل كذا... ياحرب اذهب...اخرج)استمرت الحرب ترهق أعصابه- سمى ابنه الثاني"حرب 2"استمر الوضع على ماهو عليه، سمى ابنه الثالث حرب3"ارتاح قليلا- تخيل أنه سينعم بالسلام لكنه ما لبث أن شاهد وهو عائد من السوق دخانا يتصاعد من منزله...كانت الدار تفحمت وكان الناس ينظرون إليه بجنون."

وأغلب قصص المجموعة تدور حول تيمة الحرب، وربما يكون الكاتب قد تأثر بمشاهد الحروب العربية الإسلامية التراجيدية تأثرا كبيرا. وبالتالي، فقد تعاطف مع المظلومين والجرحى والقتلى والأطفال المشردين، فكتب هذه المجموعة في فترة التسعينيات من القرن العشرين حينما اندلعت في الشرق الأوسط مجموعة من الحروب الدامية كالحرب العراقية الإيرانية، وحرب اليمن الشمالي واليمن الجنوبي، وحرب الصحراء التي عكرت صفو اتحاد المغرب العربي، وحروب إسرائيل مع فلسطين ولبنان، وحرب الروس ضد الشيشان، وحرب الصرب ضد البوسنة والهرسك ناهيك عن حروب أفغانستان وكشمير والهند وباكستان ذات البعد الفجائعي والدرامي...

2- تيمة الفقر:

تعرض الكاتب الحسين زروق في لقطاته القصصية القصيرة جدا لظاهرة الفقر في مجتمعاتنا العربية بسبب التفاوت الاجتماعي والصراع الطبقي، وانتشار الاستبداد وطغيان الحكم المطلق، وانعدام الديمقراطية الحقيقية والعدالة الاجتماعية، والانسياق وراء الأنظمة الاقتصادية الغربية اتباعا وتمثلا دون مراعاة خصوصيات مجتمعاتنا وأعرافها ومعتقداتها:

"– لماذا نحن فقراء يا أماه؟
- لأنهم أغنياء يا ولدي
- ولماذا هم أغنياء يا أماه؟
- لأننا فقراء يا ولدي.
- لماذا نموت نحن الفقراء في الحرب أماه؟
- لأنها الحرب ياولدي.
- ولماذا هي كذلك يا أماه؟
- لأننا فقراء يا ولدي."

ويلاحظ أن الكاتب حسين زروق في أضمومته القصصية القصيرة جدا يربط الحروب بالفقر، كما يعتبر الفقر أيضا نتيجة لهذه الحروب الطائشة التي لايموت فيها سوى الفقراء والمنبوذين في المجتمعات المنكوبة بالضياع والتهميش والفاقة.

3- تيمة الاستبداد:

ينتقد الحسين زروق في مجموعته سياسة الاستبداد والتعسف السياسي عن طريق مصادرة حقوق الإنسان، واغتصاب حرياتهم العامة والخاصة، والتنكيل بهم عنفا وشراسة، والزج بالوطنيين الغيورين على مصلحة البلاد في زنازين الاعتقال وسجون التعذيب والإعدام:

""المستر جون"يجلس في حديقة وبجانبه"سي أحمد"الأحداث أمامهما تجري مجراها العادي.. شرطي يخترق هذا الصمت وينهال على رجل ضربا بالعصا. يعلق"المستر جون"
ياه...هؤلاء لايحترمون حقوق الإنسان!؟! حتى إنه ليكاد أن يتقيأ أمعاءه...ثم ينسحب حزينا"

كما يصور الكاتب بشاعة المخابرات بأجهزتها الوحشية التي تتجسس على المواطنين وتجس نبضهم، وتمنعهم من النقد والحوار والتساؤل والنقاش والاستفهام. وفي المقابل، تطالبهم بلغة الصمت والسكوت الأبدي:

"عندما نريد التدخل يمنعنا الآخرون، وعندما يريدون التدخل نمنعهم سألت والدي:
-  ماعلاقة أطفال"هناك"بخلافاتنا؟
صفعني...ثم سكت...ثم صفعني للمرة الثانية
وسكت للمرة الألف...وقال:
-  ... اللجان في كل مكان...
-  دقات قلبك محسوبة لدى الجهات الرسمية...ثم قبلني وعانقني وبكى... قال:
-  دع كل ذلك ولدي...أرجوك. من جديد...
أوقف ساعده مثلما تقف شجرة الصفصاف وصفعني ثم سكت...ثم قبلني ثم بكى."

وتزداد بشاعة الاستبداد بتأشير الكاتب على شطط السلطة والتدخل في حريات الناس، والتطفل على شؤونهم العامة والخاصة، ومحاسبة أنفاس المواطنين واعتقالهم ظلما وجورا، والكيد بالأطفال الصغار ومحاصرتهم في أفكارهم الاستشرافية وتطلعاتهم السياسية والمستقبلية، وتطويقهم ذهنيا ووجدانيا وحركيا كما في قصة:"استنطاق"و:"استخبارات":

"سئل الطفل بمجرد أن ولد:
-  يميني أنت أم يساري؟ مؤيد أم معارض؟
-  وأرغم على الاختيار ثم كان السؤال الآخر:
-  تجيد الانحناءة؟
وعندما بكى الوليد، أدار الكاتب وجهه جهة رئيسه وسأله:
-  ماذا أكتب؟
وببساطة أجاب الرئيس:
-  اكتب معارض متمرد."

ويورد الكاتب أيضا قصة بعنوان:"بتر"يحدثنا فيها عن الأسلاك الحدودية التي تفصل بين الشعوب الواحدة التي تجمع بينها مجموعة من المقومات والأواصر كآصرة الأخوة وآصرة الدين وآصرة الحضارة وآصرة التاريخ المشترك وآصرة اللغة وآصرة المصير المشترك، بيد أن هذه الحدود الوهمية لاتخدم سوى السلطان وحاكم البلاد لحماية عرشه والحفاظ على ممتلكاته الزائلة:

"التلميذ: أستاذ...أستاذ... لماذا نرسم الحدود بين دول حضارتنا؟
الأستاذ: لاستنفاذ الأسلاك الشائكة.
التلميذ: ولماذا الأسلاك الشائكة؟
الأستاذ: لأنها تسهم في خلق فرص الشغل.
التلميذ: ولماذا فرص الشغل؟
الأستاذ: حتى لاتقوم الفوضى في البلاد.
التلميذ: ولماذا الفوضى؟
الأستاذ: للإطاحة بالنظام.
التلميذ: ولماذا النظام؟
الأستاذ: لأنها رأس الحربة.
التلميذ: (يفكر ثم يسأل) ألا يمكن كسر هذه الحربة؟
الأستاذ: ( ينظر عن يمينه وعن شماله ويتلعثم) أش ش ش."

ويتهكم الكاتب من سياسة القمع والاستبداد في قصته"الشورى"التي يسخر فيها من أنظمة القهر التي لاتعترف بالشورى ولا بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان، بل تعترف بلغة واحدة وهي لغة المقصلة والتعذيب ولغة الفتك والتنكيل والتقتيل. وبالتالي، فخطابها السياسي يرتكز دائما على الإمارة والحكمة والسيف، فتوظف أجهزة الردع كل نوع حسب فئات المجتمع وطوائف الناس، وكل من سولت له نفسه أن يعارض أوامر السلطة فسيتعرض بلا محالة للتصفية الجسدية والترحيل المبكر:

"داخل بلاط من الطراز القديم والفاخر... يجلس السلطان ويحيط به الخدم...للتهوية والسخرة...والسخرية.
- السلطان: قل لي: كيف يحصل أن تجمع القوة الرادعة في اليد الواحدة؟
- الفيلسوف: الإمارة والحكمة والسيف سيدي.
- السلطان: أينفع أحدهما؟
- الفيلسوف: لاسيدي...الحكمة لسد الطرق أمام الحكماء...والإمارة لوضع حد للطامعين في عرشكم الكريم. والسيف للترهيب. والجمع بين كل ذلك فيه منفعة للسلطان..وقمع الإنسان.
- السلطان: والحرب ما تقول فيها؟
- الفيلسوف: تابعة سيدي...لامتبوعة... هي مزيج بين الحكمة والسيف والإمارة.
- السلطان: وكيف ذلك؟
- الفيلسوف: إذا لم ينفع السيف والإمارة والحكمة نفعت الحرب...هي لدفع كل مشاغب إلى الموت... لولا يكون ذلك إلا بالحكمة وأمر السلطان...والحث على الجهاد بعد السيف!!
- السلطان: والسجن ماتقول فيه؟
- الفيلسوف: تقريب الطريق..وإلغاء من لايمكن تقويمه...
فإن هو أبى إلا ذلك فهو والعتمة... وهو ومتاهات السجن.
- السلطان: فإن صادف احتجاجا؟
- الفيلسوف: يا سيدي...وما دور الحكمة والإمارة والسيف...
- ياسيدي:...السيف...السيف..."
لقد قدم الكاتب صورة كاريكاتورية ساخرة للأنظمة المستبدة، فشخصها تشخيصا سلبيا قائما على المفارقة والرمزية والتشويه والباروديا.

4- تيمة المقاومة:

تنبض قصص الحسين زروق بروح الجهاد والمقاومة والتحدي والكفاح والصمود من أجل تغيير أوضاع المجتمع إلى ما هو أفضل وأحسن، ومن أجل تحرير البلدان الإسلامية من قبضة الاحتلال كتخليص البوسنة من شرنقة الاحتلال الصربي مثلا كما في قصة:"صديقي":

"كل يوم صديقي يسألني:
متى نغادر هذا المكان؟ متى نرحل إلى هناك؟
أربت على كتفه، وأقول ساخرا:
-  إلى المقبرة؟!
يحمر وجهه... يغضب... يقول:
-  إلى البوسنة.
-  والتأشيرة.
أصدمه... فيصمت... يسب...يلعن... يبكي...يصمت... يلعن...يبكي...
يسب...يموت."

يبدو أن الكاتب يحمل في إبداعه أطروحة المقاومة والاستشهاد والجهاد من أجل تحرير الأمة من قيودها المادية والمعنوية. ومن هنا، تتسم قصص المبدع بالثورية والرفض والتمرد والميل إلى الممارسة والفعل بدلا من القول والتقاعس النظري. كما يتحلى الكاتب بالجرأة السياسية والاستهداء بالشرع الرباني والإيمان بالرسالة الإسلامية التي تدافع عن الإنسان عن طريق رد كيد الأعداء بالمقاومة والتحدي والصمود.

5- تيمة الوحدة:

يدعو الكاتب في مقابل الحرب والتمزق والتشرذم إلى الوحدة والاتحاد من أجل العيش في وئام وسلام، ومن أجل رد كل الاعتداءات الخارجية ومجابهتها بالنضال والاستشهاد والمقاومة الباسلة. وإن الوحدة هي السبيل الأوحد لتحقيق الاستقلال والازدهار الاقتصادي. لكن أين هذه الوحدة التي يحلم بها الإنسان العربي ليلا ونهارا، ويستشرفها في آلامه وأحلامه وآماله لعلها تتحقق يوما ما؟!:

"– لماذا تأخر القطار؟...قطار الوحدة؟!
-  لعله تعثر في محطة ثانوية.
-  ولكن ليست هناك محطات ثانوية؟
-  ولكن هذا ما حصل!"
- 
إذا، يحلم الكاتب في هذه القصة بالوحدة الحقيقية التي تجمع بين الإخوة العرب من أجل تحقيق السعادة والرفاهية لكل شعوب الأمة بدلا من عيشها الآني والمستمر في أزمات تلو الأزمات بدون سند أو معيل سوى توكلها على قدرة الله سبحانه وتعالى.

6- تيمة الأخوة:

لم ينس الكاتب أن يطرح موضوع الأخوة للمناقشة والنقد والتفصيل باعتبار أن الوحدة بمثابة جوهر التضامن الإسلامي وأس انتصار الأمة في مسارها المستقبلي والحضاري. بيد أن الكاتب وقف موقفا ساخرا من هذه الوحدة الشكلية الزائلة التي تتصدع بمجرد اشتعال الحروب ذات الأبعاد الدينية والحضارية والتحررية، وتكالب الأعداء على الشعوب الإسلامية الضعيفة، واندلاع حروب البسوس الزائفة بين الإخوة العرب على أتفه الأسباب:

"عندما دخلت بيت صديقي وجدته يهتف:
- عظيم...عظيم...الحمد لله...الحمد لله...
اقتربت منه وسألته:
-  ماالداعي إلى قولك؟
لم يأبه لقولي..واستمر....
-  جميل... جميل... هكذا الأخوة... عظيم... عظيم
-  وكررت السؤال...أجاب.
-  تمت مساعدة البوسنيين لأداء الحج في البوسنة هذا العام على الأقل؟
-  اقتربت منه أكثر...قلت له:
-  ولماذا ياشاطر لايكون الحج في البوسنة هذا العام على الأقل؟
-  نظر في وجهي... سبني ثم أحجم...ثم بكى وانسحب."

ويشدد الكاتب في قصصه المعروضة على الأخوة باعتبارها ملاذا للعرب من التفريق والتمزق والضياع والتشتت شذر مذر، ويورد قصة:"الثيران الثلاثة"للبرهنة على أهمية الوحدة باعتبارها مصدرا للقوة والاستقلال والحرية والاطمئنان مع الاستدلال على خطر التمزق والتفرق اللذين يعرضان الأمة للذل والمهانة والعار والهلاك والموت المحتوم:

"الأب: كيف يغلب الجمع يا أبنائي؟
ابن: يا أبي الأسد لم يأكل الثيران الثلاثة دفعة واحدة...ولكنه أكلهم واحدا واحدا... قبل كل شيء فرق الجمع ثم صار الثيران في خبر كان."

ويلاحظ أن الحسين زروق قد حصر مجموعته الأولى:"الخيل والليل"في تيمة الحرب باعتبارها شرا ميتافيزيقيا يستعمله العدو لإبادة البشرية ودك الإنسانية.
هذا، ويصدر الكاتب في أضمومته"الحربية / الجهادية"عن رؤية إسلامية قومية يدافع الكاتب من خلالها عن سيادة الأمة ووحدتها وكرامتها، ولن يتأتى لها ذلك إلا عن طريق الوحدة الحقيقية، وإعداد العدد والعدة، والمشاركة في الجهاد المبارك، وتحقيق الأخوة، وتمثل الشورى والديمقراطية الحقيقية، والقضاء على الاستبداد والشطط السياسي، وإرساء دولة القانون وحقوق الإنسان على ضوء الشرع الرباني لا على أساس قوانين السلطة الحاكمة الجائرة.

ب- من التناص إلى التقريرية المباشرة:

1- التركيب القصصي:

أورد الكاتب قصصه القصيرة جدا التي سماها بلقطات قصصية ضمن تركيبات بنائية متنوعة، حيث وظف التركيب الحواري الدرامي في شكل تساؤلات مستفزة قائمة على الاستفسار والجواب كما في قصة:"مسافر":

"التلميذ: أستاذ...أستاذ...لماذا نرسم الحدود بين دول حضارتنا؟
الأستاذ: لاستنفاذ الأسلاك الشائكة.
التلميذ: ولماذا الأسلاك الشائكة؟
الأستاذ: لأنها تسهم في خلق فرص الشغل.
التلميذ: ولماذا فرص الشغل؟
الأستاذ: حتى لاتقوم الفوضى في البلاد.
التلميذ: ولماذا الفوضى؟
الأستاذ: للإطاحة بالنظام.
التلميذ: ولماذا النظام؟
الأستاذ: لأنها رأس الحربة.
التلميذ: (يفكر ثم يسأل) ألا يمكن كسر هذه الحربة؟
الأستاذ: ( ينظر عن يمينه وعن شماله ويتلعثم) أش ش ش."

واستعان الكاتب أيضا بالتركيب السردي القصصي كما في قصة:"تصرف":

"الشيخ الذي أغمي عليه من شدة الجوع تناولته أيدي الإسعاف. ثم علا صراخ السيارة وعلا معه شهيقها وزفيرها...ولما ابتعدت عن الحي رمته في شاطئ البحر...لم يستيقظ والمقابر تفتح صدرها له. ولكن لأن البحر استدعاه للقاء خاص."

وشغل تركيب القص الخطابي كما في قصة:"صرخة":

"صعد الجبل وصرخ:"أيها الناس أليس فيكم رجل رشيد فيعفينا من الحرب؟"
صرخ مليون مرة، وبكى الشعب...بكى بمرارة...وقبل أن يشرع في النزول لاحظ أن بضع دبابات تزحف اتجاه قمة الجبل لتمطر الشعب موتا...تدحرج حتى السفح...أخبر الشعب خطب فيهم:"أيها الناس ليس والله أمامكم إلا الحرب أو البكاء. تقلد الشعب سلاحه وأسرع اتجاه القمة عله يمطر الآخر دموعا. لكن الدبابات كانت تنفث كل شيء وكان الشعب يدفع ثمن إنسانيته"

وقد تتخذ القصة طابع تقرير بوليسي أثناء الاستنطاق المخابراتي كما في قصة:"استنطاق".
وتتسم الجمل في معظم قصص المجموعة بقصر الفواصل وإيجاز العبارات والميل إلى الاقتضاب والإكثار من الجمل البسيطة ذات المحمول الواحد سواء أكان اسميا أم فعليا أم ظرفيا أم وصفيا كما في قصة:"بيت":

"الأب لابنه:
- هل ترى تلك الخريطة يا ولدي؟
- نعم يا أبتي
- (بحسرة وبنبرة معذبة ) كان لنا فيها بيت ذات يوم يا ولدي.
صحيح يا أبتي؟
نعم ياولدي."

كما تتسم الجمل القصصية والسردية بالتتابع الفعلي وتراكب الجمل وتعاقبها زمنيا ومنطقيا كما في قصة:"آذان":

"صعد الإمام الصومعة بعد أن انقطع التيار الكهربائي ليؤذن...كبر وسكت...نظر عن يمينه ويساره، وفغر فاه...حاول أن يكبر من جديد فلم يقدر.. ألجم فاه.... القرية التي يريد أن يؤذن فيها أطلالا صارت."

2- علامات الترقيم:

وظف الحسين زروق مجموعة من علامات الترقيم للتعبير عن أفكاره الثورية، وتنغيم قصصه وتبئيرها دلاليا ووظيفيا، ومن العلامات التي تحضر بشكل مهيمن الفاصلة التي تساهم في تقصير الجمل واقتضابها وتكثيفها وتلوين السياقات الإنجازية إخبارا وإنشاء. كما تحضر علامات الحذف الثلاث لتوجز المعاني وتختصر ماهو ثانوي وموسع للتأشير على الرفض والصمت والتمرد والسكوت عما هو واضح أو ترك المتلقي ليملأ بنفسه البياض النصي والدلالي كما في قصة:"استنطاق"، وقصة::"مثقفون":

"بدأت الحرب...أول المهاجرين كانوا من فئة المثقفين حاملي لواء الكلمة... سخر منهم الشعب...هو كان يعرف أن ثرثرتهم لا تعني شيئا من الشعب وفي غمرة الحرب انبثق مثقفون جدد... صفق الشعب لا لأنهم يستحمون كل يوم ألف مرة ولكن لأنهم يكتبون بالبندقية."

وعليه، فالكاتب قد شغل في مجموعته كل المكونات المتعلقة بالبناء القصصي والسردي من أحداث وشخصيات وفضاء ووصف ومنظور وتزمين وأسلبة سردية وحوارية.

3- التناص:

يستثمر الكاتب الحسين زروق في أضمومته مجموعة من المستنسخات التناصية التي تعبر عن مدى انفتاحه الثقافي، ومدى إلمامه بالنصوص الغائبة في بناء نصوصه الإبداعية، وتسلحه بالمعرفة الخلفية وأطرها الإحالية ومدوناتها التفاعلية ومخططاتها الواعية واللاواعية في تشكيل النصوص القصصية وتأطيرها فنيا وجماليا.
ومن هذه المستنسخات التناصية، نستحضر المستنسخ الأدبي كعنوان المجموعة:"الخيل والليل"الذي يحيل على أشعار المتنبي في المعارك والفروسية:

الخيل والليل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

كما يستحضر الكاتب خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي من خلال هذه العبارة المسكوكة:".... أن رؤوسا قد أينعت وتجري عملية القطاف لها"، ويستحضر النص الديني من خلال التأشير على كلمتي العدد والعدة أو استحضار قصة نوح مع فسيلته التي غرسها ليأكلها أولاده وأحفاده كما غرسها أجداده فأكلها كما في قصة:"فسيلة":

"لما بدأت الحرب كانت في يده فسيلة غرسها دون تردد... بعد سنوات، وبالضبط مباشرة بعد إنهاء الحرب لم تعد في المكان أشجار إلا مثلما تقف بضعة أغصان سوداء في لوحة زيتية جافة...
عاد إلى حيث غرس الفسيلة. كانت ثمة شجرة تتحدى الحرب. لكنها كانت تسعل وبدلا من أن تنفث البصاق كان يخرج من فيها دخان أسود."

ويلمح الكاتب في مجموعته القصصية إلى خطبة طارق بن زياد في فتح الأندلس، تلك الخطبة المشهورة في كتب تاريخ الفتوحات الإسلامية إبان العصر الوسيط والتي مطلعها:""أيها الناس: أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وأقواته موفورة. وأنتم لاوزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات لكم إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم."

وهكذا، يورد الكاتب قصة:"صرخة"مستثمرا فيها خطبة طارق امتصاصا وحوارا وتفاعلا ليعبر عن راهن الأمة العربية الذي يتسم بالاستبداد والتقاعس والتواكل:

"صعد الجبل وصرخ:"أيها الناس أليس فيكم رجل رشيد فيعفينا من الحرب؟"
صرخ مليون مرة، وبكى الشعب...بكى بمرارة...وقبل أن يشرع في النزول لاحظ أن بضع دبابات تزحف اتجاه قمة الجبل لتمطر الشعب موتا...تدحرج حتى السفح...أخبر الشعب خطب فيهم:"أيها الناس ليس والله أمامكم إلا الحرب أو البكاء. تقلد الشعب سلاحه وأسرع اتجاه القمة عله يمطر الآخر دموعا- لكن الدبابات كانت تنفث كل شيء وكان الشعب يدفع ثمن إنسانيته"

ويشير الكاتب تناصيا إلى نظرية مالتوس التي ترى أن السكان يتزايدون بنسبة حسابية أكثر من نسبة الإنتاج، لذا، فالحل الوحيد للحد من التزايد السكاني هو إشعال الحروب، وهذا ما تلمح إليه قصة:"الحرب":

"– نسبة الولادات تفوق نسبة الوفيات.
- (...)
- ونسبة التكاثر الطبيعي تفوق نسبة النمو الصناعي...
- والحل؟
- الحرب."

وعلى أي، فالمجموعة مليئة بالمؤشرات التناصية والمستنسخات الإحالية التي تبين لنا مدى سعة الاطلاع لدى الكاتب المثقف الحسين زروق.

4- المفارقة الساخرة:

لم يتخل الكاتب عن السخرية الكاريكاتورية والتلاعب بالمفارقات الصارخة على الرغم من جدية مواقفه السياسية والتزامه بالرؤية القومية الإسلامية والتركيز على الرسالة الأطروحة التي تحث على الجهاد والمقاومة والتخلي عن التهاون والتقاعس والكسل، وخير مثال لهذه المفارقة الساخرة قصة:"حل":

"القائد العام: الدبابات تجتاح البلاد...وليس لدينا أي خيار لتفادي ذلك.
الكاتب: يمكن تفادي ذلك...لدينا فائض في البيض...لماذا لانستعمله ضدها؟...
القائد العام: ( وقد اكفهر وجهه صرخ في بعض حراسه ليمسكوا بالكاتب ويحبسوه في الزنزانة العسكرية بتهمة الهزل في موضع الجد)
أحد الحراس اقترب منه وأول له الحل بطريقته الخاصة:
- يعني بالبيض بعض التنازلات مؤقتا...فقط مؤقتا.
أعجب القائد العام بالفكرة. للتو أمر بالإفراج عن الكاتب والاعتذار له. لكن الكاتب خيب ظنه عندما قال له:
- لم اقصد ذلك قط. وإنما قصدت أننا في الوقت الذي كانوا يفكرون في كيفية صنع آلات الحرب كنا نفكر في كيفية"تبييض"الديكة.
حاربونا بما لديهم، وصار من المنطقي أن نحاربهم بما لدينا.
لم يستطع أحد أن يتكلم...ولا حتى أن يأخذ فكرة عن ملامح الآخر ما دام خبر وصول الدبابات المدينة اخترق الأسوار المنيعة."

وتتمظهر أيضا هذه المفارقة الساخرة والكوميديا الكاريكاتورية في الاستهزاء من الأمم المتحدة التي تضيع أوقاها في الأمور الشكلية والمتاهات القانونية وإعداد اللجان وتركيب لجيناتها على حساب صرخات الإنسانية حتى يفوت الأوان، وتحصد الحرب ما تحصده من الأرواح، فتضيع صرخات الأطفال بدون جدوى:

"أصدر الطفل صرخة...صرختين...وقبل أن يصرخ للمرة الثالثة كانت قوات الأمم المتحدة قد سارعت في شد الرحال...تموقعت في الشمال والجنوب...في الشرق والغرب...انتظر الطفل تدخلا لإنقاذه...لإعادة الرضاعة له دون جدوى...وفي الشهر الخامس من الصرخة الألف قررت الأمم المتحدة مناقشة الوضع...اجتمعت اللجان وافترقت...افترقت واجتمعت...أجمعت كلمتها على أن تؤخر مناقشة الموضوع."

ويمكن القول: إن قصص الحسين زروق هي لقطات ساخرة من البداية حتى النهاية إلى درجة تتحول فيها هذه السخرية الحربية إلى جنون هستيري أو هذيان سريالي.

3- التصوير البلاغي والأسلوبي:

يستعمل الكاتب في قصصه الصور السردية القائمة على التوتر الدرامي والتشخيص المجازي والاستعاري والكنائي، كما تتحول لقطاته القصصية إلى رموز موحية وتعابير انزياحية على مستوى الخرق التركيبي أو الدلالي. كما يستعمل الكاتب لغة بسيطة واضحة وأسلوبا سهلا مألوف الاستعمال والتداول. والسبب في بساطة هذه اللغة يعود إلى السقوط في كثير من الأحيان في التقريرية والمباشرة والوضوح الدلالي والابتعاد عن الغموض والترميز والتجريد. لذا، تصبح لقطاته القصصية خطابا سياسيا يحمل أطروحة الاستشهاد والمقاومة مع نبذ التقاعس والتماطل والتخلف عن الجهاد في سبيل الله من أجل تحرير الأمة الإسلامية من الجهل والتخلف والاستبداد والاحتلال الأجنبي، وتخليصه من مركب النقص وعقدة الانبهار والانسياق وراء التغريب والانغماس الأعمى في بوتقة الحضارة الغربية المستلبة.

استنتاج:

وعلى العموم، فالكاتب المغربي الحسين زروق في مجموعته الأولى:"الخيل والليل"يطرح قضية الحرب والجهاد من رؤية قومية إسلامية يدافع من خلالها عن الأمة العربية الإسلامية، وفي نفس الوقت، ينبذ العدوان الأجنبي ويكره الظلم والاحتلال والتسلط.

ومن هنا، فقد شغل الكاتب في مجموعته أسلوبا واضحا خاليا من المساحيق البديعية والبيانية؛ لأن تبليغ الرسالة عنده أهم من التجريد والانزياح الغامض. وهذا، ما جعل قصصه تتسم بالتقريرية والمباشرة على الرغم من ثراء قصصه بالإحالات التناصية وغنى المعرفة الخلفية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى