الاثنين ٣١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٥
بقلم علي شمس الزينات

الرياح ماتت أخيرا

حيثُ كانتْ أصابِعُها تتعانقُ حزناً في حذاءِ الفضاءِ الضيقِِ، محاولةً أن تبتلعَ بأظافرها حباتِ النجومِ الفضيةِ. كانَ هو الواقفُ فوقَ عتباتِ ظلالِ حضنها العظيمْ وحيداً يصارعَ الحياةَ، يبتلعُ الوقتَ الثقيلَ ليخلقُ الصبرَ، تتلاعبُ به الصورُ، تتقاذفَه إلى كلِّ جانبْ…. لم يعدْ قادراً على الاستمرار رغمَ أنهُ لم يبلغْ خطَّ البدايةِ… يضيعُ في وسطِ البقاءْ، يمسكُ به الأملُ برهةً ثم يرميهِ إلى حيثُ لا رجوعْ ولا تقدمْ.

في كلِّ يومٍ ينامُ بين ذارعيها، يتنسمُ دفئَها، يتعلمُ منها الكثير ويبوحُ بأسرارهِ كلِّها أمامَها… تسكنهُ حالةُ الذهولِ حين يراها لا تعرفْ اليأسَ رغمَ أنها تواجهُ الموتَ في كل لحظةٍ… الرياحُ تقودُ جحافلَ الوحوشِ الجائعةِ لتجبره على الانهزام، أما هو فلا يمتلكْ إلا التفرجَ، فهو أيضاً فريسةً لأفواهٍ جائعةٍ.

كانت الأيام تمضيْ وتدوسَ جسدَ الترابِ وتلعقُ الليالي دموعَ الأبرياءِ، وهما (الشجرةُ وهو) مستمرانِ عناقهما… والقمرُ يفضحُ بعينهِ عناقهما الليليّ الطويلِ، شاهدا على صيحاتهما التي تبدأ ضعيفةً فوق عتمة الترابِ وتنتهي بآهاتٍ تنتهكُ حرمةَ السكونِ.

يُهديها في كلِّ يومٍ لوحةً لوجهِ امرأةٍ حزينةٍ… لا يعرفْهُ لكنهُ يراودهُ في أحلامهِ وخيالهِ دائماً، حيثُ الدموعُ ذاتُ اللون الأحمرِ تنسابُ فوق خديها بينما تنظرُ هي إلى الأعلى، أما شعرُها أغصانُ شجرٍ متشابكة.
تحت أغصانها يظلُ واقفاً، عيناه تغرقانِ في بحرِ الحزنِ، ويداهُ اللتان ما عَرَفتا غير صنعِ خليطٍ من الحزنِ واليأسِ مقيدتينِ، وقلبُهُ الذي يلسعُهُ بريقُ أملٍ يأتي من مكانٍ بعيدٍ ثم يختفي فجأةً… يراقبُ بصمتٍ تلكَ الأوجاعِ والآلامِ.

كان يرى في تلك الشجرةِ جنتَهُ التي هبطت من فوهةِ السماءِ، يودُّ لو تكون إنساناً كي يبادِلَها الكلامَ، كي يُفرغَ في أحضانها شلالَ الكلماتِ الحزينةِ البائسةِ.

كان يجدُها قائداً عظيماً يواجهُ حربَ الرياحِ والعاصفةِ بثباتٍ وقوةٍ، بصوتِها القويّ المدوّي كخليطٍ موسيقيٍ من الفرحِ والحزنِ.
في ذلك اليومْ… الناسُ جميعُهم نائمون، والرياحُ النائمةُ تتأهبُ لبَدءِ حَربِها من جديد، حيّاها كعادتِهِ، حيثُ أدواتُ معركتِهِ يحتضِنُها والحزنُ ابتلعَ ملامحَ وجههِ وكوّنَ الوجهَ الآخرَ، ثم جلسَ بالقربِ من عظمتِها الثابتةِ، أهداها ملامحَ المرأةِ الحزينِ النائمةِ تحتَ ألوانِهِ الداكنةِ فوقَ اللوحةِ، صلّى ركعتينْ، ثمّ وقفَ مُتَعجلاً، نظرَ إلى الوراءِ نظرةَ الوداعِ الأخيرِ، ثم هرولَ بعيداً إلى حيثُ لا يعرفْ، إلى قسمِهِ الآخرَ المفقودَ في جهنمِ المجهولِ.

كانَ الوقتَُ ينفذُ من عورةِ السماءِ التي تغمّدَها سحابٌ كثيفٌ فأصبحتْ عمياءَ، والموتُ يطاردهُ الرياحَ من جديدٍ، فتخرجُ من قميصِ الفضاءِ المتمزّقِ لتبدأ بطعنِ جسدَ الشجرةِ الهزيلِ.

مضى عامٌ على غيابهِ.. المشهدُ يزدادُ إيلاماً… والشجرةُ العجوزُ ما تزالْ تلعبُ دورَ الصامتِ تحتَ سطوةِ الرياحِ.. أغصانُها الممتدةِ بينَ الأرضِ والسماءِ، تبحثُ عن الشابِ الذي تركَها وحيدةً ورحلَ بعيداً، تحملُ بين أحضانِها الصبرَ، واللوحهْ. أيادِيها المرفوعةُ حيثُ النجومُ العاليةُ تستنشقُ منها نورَ الأملِ والقوةِ، ترتفعُ روحُها حيثُ قلبُ السماءِ، فتنتزعَهُ، وتضعُ اللوحةَ ذاتَ ملامحِ المرأةِ الحزينةِ بينَ أضلاعِ السماءِ، ثم تجعلُ القلبَ فوقَ المرأة اللوحة… فتتحركُ الملامحُ وتتحولُ إلى امرأةٍ حقيقيةٍ، تخرجُ من حيّزِ اللوحةِ ثم تطيرُ بعيداً، بأجنحتها البيضاءَ وقلبُها الأحمرُ عالياً.. عالياً، والطيفُ القزحيُّ يخرجُ نوراً من تحتِ أجنحتِها حتى افترقتْ عن روح الشجرةِ، وغابتْ بعيداً.. حيثُ الظلامُ.

مضى عامانِ على غيابهِ.. والشجرةُ ارتوتْ من تلكَ الأرضِ حدّ الثَمالة، وارتمتْ ايديِها فوقَ حُضنِها وتوقفتْ الأغصانُ عن رحلتِها الخرافيةِ.. اصبحتْ جثةً هامدةً في وسطِ النهارِ المفضوحِ.

… عادَ الشابُ الذي غابَ… والوجهُ الآخرُ لوحةً صامتةً حزينةً.. الأيدي تحولتْ إلى عيونٍ تقذِفُ حِمماً من الألوانِ.. والعينانِ تحولتا إلى حذائينِ ضيقينِ مُثْقَبينِ يسيلُ منهُما دمٌ لهُ رائحةٌ نتنه..

حينَ رأى الجُثةَ ممددةً أمامَهُ.. استلقتْ ركبتاهُ ببطءٍ فوقَ فراشِ الأرضِ، وذاكرتُهُ تسمعُ هديرَ صوتِها المحفورِ فوقَ جدارِ أذنَيهِ.. أهداها لوحتُه الأخيرة ثمّ غابَ.. ظل مستلقياً فوقَ فراشِهِ الأخيرِ، توسّدَ لوحتَهُ، ثم تكفّن برداءِ الألوانِ..
كان الناسُ جميعُهم مستيقظين.
أما الرياحُ فقد زَفرتْ زفرَتَها الأخيرة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى