الثلاثاء ١٧ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٣
بقلم مصطفى بشارات

الموت في فلسطين.. مقاربة سسيو-ثقافية

هل صدف أن مرّ بكم الموت؟

أنا، شخصيا، مرّ بي مرات عدة، في بعضها لم يكن متعجلا، وفي البعض الآخر مرّ سريعا كما لو كان سحابة صيف.

في بلادي، يحدث أن يمر الموت بالواحد مرات عدة، في بيته، في الشارع، في تجمع، وهو نائم، أو جالس، أو يعمل، أو يقود سيارة، أو إلى آخره من المواقف، بما فيها تلك الحميمية.. تصوروا.. نعم الحميمية: ألا يعتقل الجنود الاسرائيليين كثيرا من الفلسطينيين من غرف نومهم بعد مداهمة بيوتهم وترويع أطفالهم؟!

من غير سبب قد يباغتك الموت، مع الجنود وهم يداهمون، أو حين يقتحمون، أو أثناء قصفهم العشوائي، أو خلال تظاهرة لم تستهلك أكثر من عجل مطاطي؛ لأنه لم يكن هناك عجل آخر لإشعاله، والأنكى من ذلك، أعني المضحك المبكي، أن يكون الفاعل، من أشعل الاطار المطاطي، شخص واحد فقط، وقد يكون طفلا؛ وهنا تبلغ النهاية أقصى مشاهدها الدرامية!

لست على يقين تام بأن الموت يحتاج لسبب، مع ذلك أرى أن للموت، في بلادي بالضبط، أسباب كثيرة قد تتعثر بإحداها أو تعترضك إحداها فتكون كافية لتموت أو لتواجه الموت، لكن بعد أن تنجو بفضل أعجوبة. في الحالة الأخيرة – النجاة من الموت بأعجوبة - يصبح الخبر من نجى من موت محقق لا من مات – القاعدة الصحفية تقول "الخبر ليس أن تقول عض كلب رجلا، بل عض رجل كلبا" - كأن الموت لدينا بات هو الأصل، أما في بلدان أخرى، حين يموت الناس نتيجة ظروف مماثلة تتصل بحرب أو غزو أو احتلال أو إرهاب، يصبح موتى تلك البلدان استثناء، يتم اعتبارهم ضحايا ويندبون كثيرا وتؤلف عنهم قصص وأخبار كثيرة.

لا مشكلة لدينا فنحن أكثر من يتضامن مع هؤلاء ونقدر وضعهم جيدا، يقول الفلسطينيون ويفصلون:
لقد اكتوينا ولا نزال نكتوي بنار الاحتلال والتهجير والغزو المستمرة منذ نكبة عام 1948، لكن المشكلة بالنسبة لنا، نحن المحتلون والمنهوبون والمهجرون منذ ذلك التاريخ، أن لا أحد يلقي بالا لموتانا، نتيجة المعايير الدولية المزدوجة، كأن موتانا حمولة زائدة!

لذلك، ربما لذلك بالضبط، لا ينشغل الناس، هنا، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بالتحوط للموت، وربما لتصاريف الحياة التي باتت أكثر من باهظة ماديا وأكثر من قاتمة سياسيا، لهذا السبب من يتوفى وفاة طبيعية أو نتيجة مرض أو في حادث سير، لا يلتفت إليه أحد، فالطريقة تعني الكثير لشعب يخوض معركة مع قاتل مدجج بأعتى أنواع الأسلحة ولا هم له إلا أن يقتل، وعن سابق إصرار وترصد، ولم يسلم من ذلك كل ما يمت للفلسطينيين بصلة "لا الشجر ولا الحجر ولا البشر"!

((مداخلة ثقيلة : لا أعرف، حقيقة، إن كان من الصحيح أن أسأل: هل مرّ بكم الموت "كيفما شاء"، أم مرّ بكم، تحديدا، "لمَاماً"؟))

أنا، شخصيا، مرّ الموت بي سريعا،
من أمام سيارة تقف على جادة الطريق مر.
حنونا مرّ بجانبي،
مثل سحابة صيف مر.
لم يكن نائما، لكن بدا على جفونه بعض النعاس.
على الطريق، بين نابلس ورام الله، مر.
كم من موت يمر على هذي الطريق،
على كل حاجز ومعبر ومنعطف موت؟؟!!

وأنا أراجع في هاتفي سجل الملاحظات، اكتشفت، ويا للهول، إحدى حوادث الموت الحقيقية التي مرت بي ونجوت منها بأعجوبة، وكنت يومها أستقل سيارتي على طريق نابلس-رام الله، تحديدا في الثلث الأخير الأقرب إلى مدينة رام الله حيث أعمل.

كنت أسير وتصادف أن سيارة للشرطة الاسرائيلية كانت في الخلف، لا يفصلني عنها سوى سيارتان.

حين تجاوزت عن سيارة ثقيلة وبطيئة كانت تلزم أقصى اليمين- هذا التجاوز تسمح به قوانين السير - تجاوزني الموت، وفي المقابل تجاوزته سيارة أتت من الجهة المقابلة.

لا أعرف، هذي المرة تحديدا، من منا تجاوز الموت، أنا أم سائق السيارة المقابلة؟

لم أعرف لأني كنت أتتبع في المرآة سيارة الشرطة، كانت تنطلق بسرعة كبيرة، ترفرف عليها أعلامهم، كأنها في طريقها للمشاركة في "مسيرة الأعلام"، أعلامهم.، المسيرة التي ينظمها المستوطنون سنويا في القدس وينهونها بـ " رقصة الأعلام"، أنا أسميها "رقصة الموت".. الموت الذي يهللون له وهم يغنون "الموت للعرب"!

التجربة الأولى لي مع الموت كانت بعيدة، تعود إلى أيام الفتوة، كان ذلك عام 1987 أيام اندلاع الانتفاضة الشعبية الفلسطينية التي عرفت بـ "انتفاضة الحجارة"، يومها أجبر الجيش الاسرائيلي أبناء بلدتي طمون على مغادرة قرية الجفتلك القريبة من أريحا وألزمهم على دخولها نهارا دون المبيت فيها لمتابعة شؤون مزارعهم.
كانت التعليمات العسكرية الاسرائيلية تقضي بالسماح للمزارعين من أهالي طمون بالتواجد في القرية فقط من حوالي الساعة السادسة صباحا وحتى السادسة مساء؛ لذلك اضطروا للتعاقد مع حافلة تقلهم يوميا إلى هناك. (لدى الانسان قدرة هائلة على التكيف، ولو كانت هناك جائزة على ذلك لكانت من نصيب الفلسطينيين!. ليس)

في أحد الأيام، ودنا يومها موعد الساعة السادسة مساء المحدد للمغادرة، فوجئت بأن بالسرعة التي امتلأت فيها الحافلة بالركاب عدا مقعدين، وكان هناك عجوزان، امرأة وزوجها، لم يركبا بعد، فقلت لهما اصعدا وأنا سأتدبر أمري بالسير على قدمي وصولا إلى منطقة تدعى "فروش بيت دجن" على مشارف الجفتلك، وأصبح شغلي الشاغل حينها أن أنجز ذلك قبل الساعة السادسة مساء، لأبيت هناك في منزل أحد الأصدقاء.

بالفعل سرت بأقصى ما أوتي فتى في ريعان شبابه من سرعة ولم يتبق لي للوصول سوى بضع عشرات من الأمتار لأتفاجأ بـ "عزيزة" – سيارة عسكرية إسرائيلية أطلقنا عليها هذا الاسم كنوع من الفكاهة تلجأ إليه الضحية حين تعدم وسيلة تدافع فيها عن نفسها!.

جاءت السيارة من الجهة المقابلة، جاءت مسرعة نحوي وأنا أسير في الناحية الأخرى، كانت تندفع بقوة قاصدة دهسي، فقمت على الفور بالابتعاد عنها طلبا للنجاة.

ناداني الجندي المرافق للسائق من خلف النافذة دون أن يكلف نفسه عناء النزول، لم يكن أمامي إلا الانصياع لأوامره، فأنا بالنهاية والبداية مدني أعزل، لا حول لي ولا قوة، ومع صغر سني كنت أدرك الأوامر العسكرية الاسرائيلية التي تجيز إطلاق النار على الفلسطينيين لأتفه السباب، ولم أكن أريد أن أموت؛ تحديدا لا أريد أن أموت بشكل مجاني، ونهاية مريعة كـ "الموت المجاني" يمكن أن تواجه أي فلسطيني يقيم في الأراضي المحتلة في أي وقت، مثلا حين صعد إلى سطح منزله يتفقد قفص الحمام الموجود على السطح وتصادف ذلك مع "نشاط للجيش الاسرائيلي" - هكذا يسمون اقتحاماتهم للمناطق الفلسطينية - فأصيب برصاصة طائشة ومات أو استشهد، لا يهم، طالما أن النتيجة واحدة، ومريعة، وتمثل خسارة كبيرة؛ على الأقل بالنسبة لأهله الذين كانوا، ربما، بانتظاره في الطابق السفلي من المنزل ذاته؛ ليكملوا معا طعام الفطور أو العشاء، لا أعلم!
أين هويتك؟ سألني الجندي.

أعطيته إياها.

أنت من طمون. ماذا تفعل في هذه الساعة هنا؟ سأل الجندي مرة ثانية وصفعني على وجهي.

في طريقي إلى بيت صديق لي. أجبته وأشرت إلى بيت صديقي، وفي تلك اللحظة شعرت أن الدنيا تميد فيّ وتصغر أمام عيني، أصبح يتساوى عندي الموت فيها مع الحياة، إذ "ما نفع الحياة بلا كرامة؟" قلت في نفسي.
كاذب. أنت كاذب. أنت تقوم بوضع الحجارة على الشارع. أنت "مخرب". هكذا اتهمني وقرر دون أي اثبات، وتهمة مخرب جاهزة لأي فلسطيني!

نزل الجندي من السيارة وانهال علي ضربا بيديه وقدميه وفي عقب بندقيته. كانت الضربات مؤلمة ولم يكن أمامي أية وسيلة أخرى لمواجهته إلا صد تلك الضربات قدر ما أستطيع، وأنا أعزل، وحيد، ثم من يستطيع مهاجمة جندي مدجج بالسلاح ؟ّ!

وانصرفت السيارة العسكرية. هكذا اعتقدت في البداية، لكن يبدو أن السائق مع رفيقه كانا يلهوان بالتنمر على فلسطيني أعزل ووحيد؛ لذا رجعت سيارتهم إلى الوراء بأقصى سرعة ممكنة. هربت منها مرة ثانية. استدار السائق ولحقني، ثم استدار ثانية إلى الجهة الأخرى وانصرف.

استمر ذلك مرات لا أذكرها عددها بالضبط، وعندما تأكدت أنهم غابوا من المشهد ركضت بأقصى ما أستطيع من سرعة لأصل أخيرا إلى بيت صديقي وفوجئت بأنهم كانوا يتابعون ما يجري، ولم يكن بإمكانهم فعل شيء، وعلى حد قول الفلسطينيين "حكم القوي على الضعيف"!!

إذن نجوت لكن هناك آخرون من أبناء شعبي لم ينجوا مثل أولئك الشبان الذين شاهدهم العالم على شاشات التلفاز عندما انهال الجنود الاسرائيليون ، إبان حكومة رابين، على عظامهم ليحطموها بالحجارة، وفي هذه الأيام هناك أمثلة كثيرة من هذه الجرائم، لكن لسوء حظ الضحايا عدم وجود كاميرات توثق وقوعها!

الآن، بل كل يوم، وكل ساعة، وعلى مدار الوقت، يبدو الزمن الفلسطيني مفتوحا على الموت دون حسيب أو رقيب، ولأتفه الأسباب.

يكفي أن تتعطل سيارتك على الحاجز العسكري الاسرائيلي أو تقف في المكان الخطأ أو تبدر منك حركة تحول فيها مقود السيارة في اتجاه غير مسموح به ليطلق عليك الجنود النار والحجة جاهزة وماكينة إعلامهم مستعدة "حاول تنفيذ عملية إرهابية"! هكذا ببساطة، وربما هذه الفكرة التي زرعوها في عقول الجنود، المستوطنين، وأي إسرائيلي آخر، كانت كافية لتمتلك عليهم كل جوارحهم، ليخافوا، وليطلقوا كل الرصاص الذي عادة ما يطلقوه، تجاه طفل صغير أو شيخ كبير أو امرأة مستضعفة فيردونهم قتلى، يحدث ذلك دائما، يحدث كل يوم، يحدث على مدار الساعة، لدرجة بات فيها الموت مقيما لدينا، بات جزءا من الزمن الفلسطيني، أصبح الساعة التي تضبط إيقاعه!

بقي ما لم أقله هنا، بالأحرى كتبته ثم لجأت لمحوه نزولا عند رأي صديق لم يعجبه كلامي عن حوادث عديدة تعرضت فيها للموت، مرة عندما انغلق علي أسنسير يقود إلى الطابق الأخير في عمارة تفتقر إلى مخرج طوارئ، وكان ذلك يوم جمعة وهو يوم عطلة ما زاد الطين بلة، وأخرى عندما كدت أغرق في بركة للسباحة في الأيام الأولى لطفولتي.

اعتبر صديقي أن لا قيمة لكل ذلك أمام الموت الذي نشاهده كل يوم على شاشات التلفاز: أطفال في عمر الورود يقتلهم الجنود الاسرائيليون، وفتيان في ريعان الشباب يموتون بنفس الطريقة ..الخ من متوالية الموت التي قد يكون أي فلسطيني ضحية لها، لا لشيء، فقط لأنه فلسطيني: ألم تضع غولدا مائير قاعدة مختصرها أنَّ "الفلسطيني الجيد، هو الفلسطيني الميت"، كأنهم وهو يمارسون القتل اليوم - على الحواجز، والمعابر، وفي السجون - يؤكدون وفاءهم لهذه القاعدة!

كأن صديقي، وهو يؤنبني على الكتابة عن حادثة/شخصية/ومؤلمة ربما لا تزال ذكرياتها تحفر في نفسي عميقا، كأنه يقول لي " دعك من هذا الترف الفكري، لا تلتفت إلى الموت الطبيعي، بل إلى ذلك الذي يكون تحت زخات الرصاص"!

جذور النظرة للموت في المخيال الشعبي الفلسطيني "تشرب" من معين السردية التي يحكيها الموروث الثقافي العربي، والفلسطينيون بطبيعة الحال، هم جزء أصيل من العرب.

قديما قال أبو الطيب المتنبي، وهو من أشهر الشعراء العرب:

وَالهَجْرُ أقْتَلُ لي مِمّا أُراقِبُهُ
أنَا الغَريقُ فَما خَوْفي منَ البَلَلِ

وحديثا لا تزال مقولة غسان كنفاني الذي مات عام 1972 بعد تفجير مهول استهدف فيه الموساد – المخابرات الاسرائيلية الخارجية – سيارته " لا تمت قبل أن تكون ندا"، لا تزال تحفر في ذائقة الفلسطينيين، وهي المقولة التي لا يدعو فيها هذا الروائي والقاص والصحافي الفلسطيني الشهير إلى الموت بقدر ما يؤكد على ضرورة النضال من أجل قضية سامية، وهو هنا لا يتحدث عن الدفاع عن فكرة شخصية أو قومية ضيقتين، بل عن قضية تخص معاناة الانسان في كل مكان: كيف لا وهو القائل "الانسان قضية"؟!

لذا، ربما لذا، ومع الفارق الزمني بينهما، وهو فارق يمتد لعقود، قال القائد الشهير خالد بن الوليد، وهو من القادة العسكريين الذين عاصروا الرسول العربي محمد، قال عندما دنا منه الموت أخيرا بعد خوضه المئات من المعارك " لقد حضرتُ كذا وكذا معركة، وما في جسمي موطن شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".

الفلسطينيون لا يمجدون الموت لكن على ضوء "عمليات الاعدام" التي يشهدونها يوميا على الحواجز الاسرائيلية أو غيرها، بات للموت معنى آخر في سردية القتل التي يعيشونها، كأنهم يستعيرون للموت معنيين تماما كما كان للخيمة معنيان بعد التهجير الذي تعرضوا له أيام النكبة.

إثر النكبة إياها، وهي واحدة من أكبر عمليات التهجير التي تعرض لها شعب في التاريخ المعاصر. بعد أن كانوا يعيشون في بيوتهم، وسط أحبابهم، وفي ظل أشجار الكرمة والبرتقال التي تسيج هذه البيوت، أصبحوا مشردين لاجئين، أصبحوا يقطنون في خيم لا تقي من حر الصيف ولا برد الشتاء، لكن عندما انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965، وأقيمت الخيم لتدريب الفدائيين، قيل وقتها "خيمة عن خيمة ابتفرق"!

نعم . الفلسطينيون، بالتأكيد، لا يمجدون الموت، ليس أكثر تعبيرا عن ذلك من مأثرة محمود درويش التي يحفظونها عن ظهر قلب، ولكثرة ترديدهم إياها، غدت بمقام رنة الهاتف المحمول أو النشيد الوطني الفلسطيني، أشير هنا إلى مطلع قصيدته وهو يؤكد

"ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا".
الأكثر تأكيدا على تعلقهم بالحياة – الفلسطينيين – أن نقرأ القصيدة كاملة
وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ
وَنَرْقُصُ بَيْنَ شَهِيدْينِ نَرْفَعُ مِئْذَنَةً لِلْبَنَفْسَجِ بَيْنَهُمَا أَوْ نَخِيلاَ

نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ
وَنَسْرِقُ مِنْ دُودَةِ القَزِّ خَيْطاً لِنَبْنِي سَمَاءً لَنَا وَنُسَيِّجَ هَذَا الرَّحِيلاَ
وَنَفْتَحُ بَابَ الحَدِيقَةِ كَيْ يَخْرُجَ اليَاسَمِينُ إِلَى الطُّرُقَاتِ نَهَاراً جَمِيلاَ
نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ

وَنَزْرَعُ حَيْثُ أَقمْنَا نَبَاتاً سَريعَ النُّمُوِّ , وَنَحْصدْ حَيْثُ أَقَمْنَا قَتِيلاَ
وَنَنْفُخُ فِي النَّايِ لَوْنَ البَعِيدِ البَعِيدِ , وَنَرْسُمُ فَوْقَ تُرابِ المَمَرَّ صَهِيلاَ
وَنَكْتُبُ أَسْمَاءَنَا حَجَراً ’ أَيُّهَا البَرْقُ أَوْضِحْ لَنَا اللَّيْلَ ’ أَوْضِحْ قَلِيلاَ
نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلا...

قتلانا، يقول الفلسطينيون للعالم المتحضر، ليسوا حمولة زائدة، لهم أحلام كانوا يتوقون لتحقيقها، لهم مشاريع كانوا يتطلعون لتنفيذها، لهم أهل يحبونهم وسيفتقدونهم طويلا، ولهم بيوت فيها ذكريات عزيزة على قلوبهم.. حتى من توفوا وفاة طبيعية، أو لمرض، أو نتيجة حادث مأساوي، يستحقون الاحتفاء بموتهم كما يليق، وأن تزرع على قبورهم الورود، لكن المقبرة كبرت أكثر من أن تتسع للزهور، والأمر الملح هو دفن الموتى، "إكرام الميت دفنه"، هكذا تقول السردية الفلسطينية التي لم تعد تحتمل ما أسماه صديقي "ترفا فكريا"!

مع كل ذلك، لا يعني ذلك بتاتا أن الفلسطينيين لا يعانون موتا آخر، موتا يأخذ في طبيعته بعدا اجتماعيا، فظروف الاحتلال، والحصار، والاستيطان، والحواجز.. الخ لا تزال تحرمهم من أن يعيشوا الحياة كما يجب أن تعاش؛ لن أفصل أكثر لكن مثالا واحدا في هذا السياق الذي قدمت بعض ملامحه سالفا، سيكون سببا في حرمان فلسطيني عادي من التنزه مع أفراد عائلته على أطراف بلدته أو زيارة أرضه لقربها من مستوطنة أو لكون الجدار الذي بنته إسرائيل يطوقها أو لأنها محاطة بمنطقة اختارها الجيش الاسرائيلي لعمل تدريباته بالذخيرة الحية، وقد لا يسعف الظرف الاحتلالي الفلسطيني المسلم من زيارة القدس لأداء الصلاة في المسجد الأقصى، وكذلك الفلسطيني المسيحي من زيارتها لأداء الصلاة في كنيسة القيامة، وفي أحسن الأحوال، إذا منحته السلطات العسكرية الاسرائيلية تصريحا لذلك، لن يتيحه له هذا التصريح تجاوز مدة الزيارة المنصوص عليها فيه!

في السياق أيضا، قد يتأذى الفلسطيني من الرصاصة التي تأتيه من مواطنه، ابن بلده، وهذا ينسحب على الأفراد الفلسطينيين والسلطات الفلسطينية، ولا نعني هنا الرصاصة المادية الحقيقية، بل يشمل ذلك الظلم الذي يواجه الفلسطيني على أيدي أبناء جلدته.

قديما قال طرفة بن العبد، ولا زالت كلماته تحتفظ بجدتها

وَظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً
عَلى المَرءِ مِن وَقعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ

لا يمكن حصر المو ت بالنسبة للفلسطيني، ببواعثه السياسية المتعلقة بالصراع الفلسطيني-الاسرائيلي، بمعنى نتيجة الاشتباك معه على هذه الخلفية، وإلا ما ذنب شيرين أبو عاقلة، الأمريكية من أصل فلسطيني، والتي تشتغل بالصحافة لا بالسياسة، كي يقتلها الجيش الاسرائيلي بالطريقة التي قتلت فيها وهي ترتدي بزتها الصحافية؟؟!!

وبعد،،

أظهر تقرير - ستتغير الأرقام فيه مع الوقت - لوزارة الإعلام الفلسطينية أن السلطات الاسرائيلية " لا تزال تحتجز جثامين 105 شهداء في الثلاجات، بالإضافة لـ 256 شهيدا في مقابر الأرقام، من بينهم 9 أطفال، و3 شهيدات، و8 أسرى"..

أما قصة هؤلاء الذين حرم أهلهم من دفنهم كما ينبغي، فتلك حكاية أخرى لكنها لن تكون الأخيرة طالما بقي هناك احتلال وشعب يرزح تحت وطأته!

نصوص أدبية متفرقة♦
غياب

"إلى روح الصحافية شيرين أبو عاقلة.."

بين لوعة الأمس، وباب الغد الموصد،
تمنى النسر الجريح لو كانت المسافة وهم،
توسل للريح كي تسعفه،
وأن تحمله إليها غيمة شاردة،
وهناك يحط على رموشها المسبلات ،
ثم يلفظ أنفاسه الأخيرة.
13/5/2022

ورقة من "روشتة" يوم صعب آخر

أن يتعلق الأمر بقطرة واحدة، قطرة واحدة فقط، قطرة واحدة من الماء، قطرة واحدة من البول، قطرة واحدة من الدم، قطرة واحدة من الدواء، عليك تتبعها لتكون مطمئنا أو قلقا على حياة إنسان ما، وأن تستمر ترقب هذه القطرة، هل انداحت كما ينبغي لها، هل كبرت، هل علقت، وهل غابت، وأن "تزوغ" عيناك، وتقلق "هل ضعف بصري فلم أرها أم أنها لم تكن موجودة؟"، دليل "فاضح" على حجم هشاشة الإنسان، ودليل آخر على حجم محدودية اللغة حين لا تجد وصفا أدنى، وربما "أوضع" من هذا الوصف - "الهشاشة" - لتصف هذه الحياة "الفانية" و "البائسة" والتي "لا تساوي جناح بعوضة"، الحياة التي تصغر لتصبح بحجم قطرة!

فعلا، وكما يقول سلمان ناطور "الطريق إلى الموت، هو نفس الطريق إلى الحياة"، إنه نفس الطريق التي تقطعها تلك القطرة، نفس القطرة إياها، من جسم الإنسان أو إليه، أو ذلك الهواء الذي "يستنشقه" أو "يزفره" أو لا تواتيه القدرة كي يستنشقه أو يزفره!

أيها الألم، لا تذهب عميقا في دمي!
أيها الحزن، أغرب عن وجهي!
أيها الليل، لا تكن راية للحداد!
وأنت.. أنت أيتها الهشاشة تماسكي!
28 شباط 2022

الجنازات

مرت الجنازات مسرعة لصق بيوت العزاء

وضعت الكراسي على عجل، لكن لأمر ما، كانت على شكل أنشوطة، أشبه ما تكون بحبل المشنقة.
في كل البيوت، ترك كرسي، في مكان قصي، عاريا ويتيما، كأنه رأس حربة، في المقدمة.
انزلقت مواكب المشيعين مهرولين؛ كأنهم يهوون إلى أسفل سافلين.
تأمل الكرسي اليتيم المواكب. قال لهم: فاجؤوني.. وعودوا مهنئين!
4 آب 2019


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى