الندم… حين يصل متأخّرًا
أندمُ
ليس على قلبٍ أحببتُهُ ومضى،
بل على العُمرِ كلِّه
حين مرَّ بجانبي
كقطارٍ
لم ألوّحْ لهُ كما يجب.
على صباحاتٍ استيقظتُها متأخرةً
عن أحلامي،
على ضحكاتٍ اختصرتُها
خوفًا من أن أبدو صاخبة،
وعلى دموعٍ ابتلعتُها
حتى صارت حجرًا
في حنجرتي.
أندمُ
على كلِّ مرّةٍ
قلتُ فيها: “لا بأس”
بينما كان كلُّ شيءٍ
يصرخُ في داخلي:
ليس بخير.
على الأبوابِ التي لم أطرقها
لأن يدي كانت ترتجف،
وعلى الطرقِ التي سلكتُها
فقط لأن الجميع
كانوا يسيرون هناك.
كم مرّةً
خنتُ صوتي الداخليّ
كي لا أُخيّبَ توقّعاتِ الآخرين؟
وكم مرّةً
صفّقتُ لهم
بينما روحي
كانت تجلسُ في الصفِّ الأخير
تبكي بصمت.
أندمُ
على الوقتِ الذي ظننتهُ وفيرًا،
فاستهلكتُهُ في التردّد،
كأن الحياةَ
بنكٌ كريمٌ
لا يُغلقُ أبوابَهُ أبدًا.
أندمُ
على الأشخاصِ الذين أحبّوني بصدق
فمنحتُهم نصفَ انتباهي،
وعلى نفسي
حين احتاجتني كاملًا
فتركتُها تنتظر.
أندمُ
لأنني لم أُعانقكِ أكثر يا أمي،
ولم أُخبركِ كلَّ صباح
كم أحبكِ.
ولأنني لم أقتربْ منك أكثر يا أبي
كما كان ينبغي لقلبٍ
يخافُ الفقد.
أندمُ
على خلافاتي الصغيرة مع أختي،
فأنا—مهما كبرت—
سأبقى الطفلةَ المدللة
في غُربتنا الطويلة.
أندمُ
لأنني تركتُ مخدّتي
تُصارعُ أسراري وحدها،
ولعبتي التي أهدتني إيّاها أمي
يوم نجحتُ في المدرسة،
لم آخذها معي
لتُعينني
إلى جانب دعاءِ أمي
في غُربتي.
أندمُ
لأنني لم أطلب من بابا نويل
أن يُبقيني طفلة،
لا تعرفُ من الحياة
سوى جمعِ الشوكولا
لأخيها الصغير.
يا لهذا الندم—
ليس سكينًا،
بل مرآة؛
كلما نظرتُ فيها
رأيتُ النسخَ الكثيرةَ مني
التي كان يمكنُ أن أكونها
لو امتلكتُ
قليلًا من الجرأة.
لكنني اليوم
لا أندمُ كي أبكي،
بل كي أفهم:
أن العمرَ لا يُقاسُ
بعددِ السنوات،
بل بعددِ المرّات
التي عشناها
كما نريد…
لا كما يُرادُ لنا.
لذلك،
إن طرقَ الندمُ بابي مجددًا
سأفتحُ لهُ بهدوء،
أُقدّمُ لهُ فنجانَ وعي،
وأقول:
شكرًا لأنك تأخّرتَ كفاية
كي أتعلّم
أن ما تبقّى من حياتي
يستحقُّ
أن يُعاش
بلا اعتذار.
