الثلاثاء ٢ تموز (يوليو) ٢٠٢٤
بقلم احمد دسوقي مرسي

تائهان

لــهثت انفاسى و انا اصعد السلم لم يبق الا دور واحد قلبى يدق فى صدرى عنيفــاً و الحرارة تتصاعد من وجهى الملتهب اخيراً وصلنا يا سلام يا أبا خليل وقفت لحظة ألملم فيها أنفاسى المبعثرة شددت أطراف سترتى الى أسفل مسحت ذقنى فى عصبية و صدرى ما زال يعلو و يهبط سعلت فى تكلف لاسلك صوتى لارد به على من يفتح لى الباب مددت اصبعى اضغط به زر الجرس رفعت يدى بعد هنيهة انتظرت قليلاً لم اسمع فى الداخل اية حركة تنم عن وجود احد استبقيت سبابتى على زر الجرس مدة اطول فلم اسمع سوى رجع الرنين مرتدا الى يعلن فى ضجيج متواصل غير مبال عن خروج الاسرة رفعت يدى تلكأت بضع لحظات كانى لا اصدق اننى سأعود فظل الصمت الصفيق خلف الباب يعلن عن فراغ الداخل و الباب الموصد فى وجهى يطردنى و يدفعنى الى النزول احسست بكابوس الضيق يجثم على صدرى كئيبا و انا انزل فى سرعة لابد انه سافر الى البلد مع زوجه – ماعلهش – لنذهب الى صديقنا"لطفى"فهو عزب مثلى و سنعرف معا كيف نمضى وقتا سعيداً و نقطع من يومنا ساعات لذيذات حشرت نفسى فى الاتوبيس..تلفت خلفى علىّ اجد مكانا صغيرا اريح فيه قدمى الاخرى فلم اجد..رحت اتسلى برؤية الناس حولى و هم يلغطون و يتحدثون و يدفعونى فى كل اتجاه نزلت مسرعا فى الميدان وقفت على الرصيف انفض (ارجل) البنطلون التى علق بها تراب من احذية الواقفين فى ذلك الاتوبيس اللعين

طرقت الباب فى قوة..لابد انك نائم انا اعلم الناس بك يا ابا الالطاف تنام حتى الظهيرة و تسهر حتى مطلع الفجر ثم تاتى الينا متعبا متجهما كانك سهرت على حراسة كل المدينة عاودت الطرق من جديد فلم اسمع صوتا مع ذلك اخرجت انت الاخر يا ابا الالطاف؟ ام انك غارق بكل جسدك فى مستنقع النوم حتى تفيق يا ابا الالطاف استيقظ فانا جئت اليك لانتشلك من وهدة النوم..انهض يا رجل انهض فانا اليوم فى اشد الاحتياج اليك انهض يا ابا الالطاف انهض دقاتى متواصلة رجع الصوت يرتد الى من الداخل سخيفا رتيبا كانه يطردنى هو الاخر قابلنى صبى و انا اقف حائرا امام الباب سالنى باستطلاع:

سيادتك تريد الاستاذ لطفى؟
نعم
خرج
خرج...الاتعرف الى اين خرج؟
لا و الله

نظرت اليه بعينين شاردتين و الخجل الثقيل يطوينى لا فائدة لم يعد فى تلكؤى اى نفع انسحبت مع مللى و حيرتى خارجا وقفت على الطوار مفكرا: الى اين المسير؟

سرت بضع خطوات انحنيت الى بقال قريب و ابتعت منه علبة سجائر اشعلت سيجارة رحت انفث دخانها فى الهواء فى غير تلذذ مضيت فى طريقى تقودنى قدماى الى حيث لا ادرى كان الزحام من حولى شديدا و الطريق تنساب امامى طويلة و خطواتى المتثاقلة تحملنى الى غير ما هدف حدثتنى نفسى ان اجلس فى اقرب مقهى و استريح لكن يا نفسى لا احس برغبة تجذبنى الى المقهى الان فسأجلس بين روادها وحيدا و تعيسا و غريبا المشكلة اننى اريد ان اكلم احدا سرت فى طريقى و الملل الفتاك يكوينى توقفت قليلا تفتحت اكمام الامل فى قلبى من جديد تنفست الصعداء يا ابا حنفى لماذا لم اتذكرك قبل الان؟ قبل هذا اللف و الدوران لماذا لم ابدأ بك انت؟ فانا لابد و اجدك فانت لا تخرج ابدا انا اعرف ذلك عنك بل انت تظل قابعا بين زوجك و اولادك حتى تلقانا فى الصباح بمرحك الفاكه و نكاتك الرائعة ستشكو لى عسر ايامك – اعلم ذلك اعلمه عنك جيدا فقط انتظر فساشكو لك ايضا و لكنك فى النهاية ستغسل حزنينا بفكاهة ضاحكة من فكاهاتك التى يفيض بها مرحك الدائم على الدوام يا الله كيف نسيتك يا رجل؟؟

القيت بقية السيجارة تشعلقت فى الاتوبيس بعد رجات عنيفة و دفع الى كل الاتجاهات نزلت اتجهت الى حارة جانبيه احتوانى مدخل البيت مدخل كئيب مظلم و رطيب صعدت الدرجات متئدا حتى تتعود عيناى عتمة الداخل ضغطت زر الجرس سمعت صوتا صغيرا لطيفا يتجاوب مع اصداء الرنين حمدا لك يا رب انا اعلم انك دائما موجود يا ابا حنفى اقسم ان اخذك بالاحضان لو خرجت لى يا ابا الاحناف

انفتح الباب..فتاة صغيرة تواجهنى بوجه جاد ابتسمت فى وجهها و الامل اللذيذ يداعب قلبى
بابا هنا يا حلوة؟

حدجتنى برهة ثم...ثم اطلقت من فيها كلمة واحدة اه لو عرفت مدى وقعها على قلبى..

خرج
خرج؟!!..يا سبحان الله

الاسى...الاسى يخنقنى حتى انت يا محمود افندى تخرج فى هذا اليوم اهذا معقول؟ محمود افندى يخرج..يا له من عقاب...ماذا حدث فى هذا اليوم اللعين هبط الحزن على قلبى ثقيلا و غليظا سالت الفتاة بصوت غير مصدق:

خرج صحيح
اه و الله
منذ متى خرج؟
من الصبح

لا فائدة لنرجع الى الطريق من جديد لعنة الله على الظروف هبطت و الضيق و السامة يملانى تعثرت فى بضع حجرات مرصوصة امام البيت كادت توقعنى ارتفع على الاثر صوت صغير يحتج:

حاسب يا عم...هديت البيت نظرت اليه..كانا صغيرين متجاورين: ولد و بنت رصا معا قوالب الطوب فى مربع صغير و جلسا فى داخله يلعبان و احسست بالحنين يتدافع الى قلبى رقراقا انحنيت اليه ربت على كتفيه الصغيرتين هو و زوجه الصغيرة قلت لهما فى حنان بالغ و انا اغبطهما فى دخيلتى:

متأسف
و ابتسمت لهما:
هل اجد عندكما شقة لى؟
ردت الصغيرة:
لا

قلت فى مداعبه:

لماذا يا ست الدار؟ انا غريب و متعب جدا و ابحث عن شقة
رد الصغير فى حسم يقطع بيننا خيوط الحديث:
( دا ) بيتنا وحدنا...لا احد يدخل فيه تابعته فى طفولته
و لكن انا ضيف
لا....انت ضيف كبير و عجوز

كبير و عجوز الله يسامحك طيب يا عم متشكر جدا السلام عليكم (بقى)

جرجرت قدمى على الطريق...كبير و عجوز اشعلت سيجارة اخرى...ووحيدا ايضا ابتلعنى الشارع الطويل
الملل يتدافع فى دمائى باردا قارسا لا ادرى اين المسير؟ يا له من خروج كئيب هل اعود الى البيت؟..لا...فانا لا احس ميلا الى ان اعود...و لكن السير اتعبنى و الحيرة تملانى...و الملل يعذبنى...ااجلس فى مقهى؟ كلا...فهذه لا اريدها ايضا اف لى يا لها من ساعات سئيمات لا تريد ان تمر ماذا حدث فى هذا اليوم؟ لا يمكن ان اعود الان ظللت افكر و الاتوبيس ينطلق بى..اين الذهاب؟ هل اذهب الى صديقى عبد المنعم..كلا.. فقد لا اجده ايضا..لن اذهب اليه حتى لا يفجعنى الحظ السيىء من جديد توقف الاتوبيس زعق الكمسارى بين الراكبين: التحرير...

نزل البعض. نزلت معهم توقفت على الرصيف افكر اعيانى التفكير و اسامنى نظرت الى نافورة الميدان و هى تدفع الماء فوقها فى اشكال سخيفة كنت اراها قبل ذلك بهيجة قلت فى نفسى:"اجلس فى الحديقة بعض الوقت ثم اعود من حيث اتيت"هبطت السلالم القليلة و اقتعدت مقعدا حجريا باردا و رحت اتسلى بالنظر الى النافورة و الى الناس من حولى و الاولاد يلعبون و يلغطون فى سرور لا يعرف الشقاء وضعت رجلا على رجل و تنهدت من اعماق مشبعة ببخار الاحزان. احتوانى الصمت الرهيب كالنكبة لم تفلح النافورة بمائها المتدفق فى تسليتى لم يشفنى الضجيج من وحدتى الصلبة الباردة اف لى ماذا اريد؟ نهضت وقفا سرت خطوات قليلة انظر الناس حولى كلهم يلغطون البعض يجلس ازواجا و هناك شباب شباب مثلى يجلس مع نساء جميلات. لا شىء يسلينى لا سلوى تعزينى ما نفع الجلوس اذن بين الناس نهضت واقفا فى تعب سرت بخطوات متثاقلة فاصطدمت بى بنت صغيرة تبكى. سالتنى من خلال دموعها:

"ما شوفتش"اخواتى يا عم؟

تبسمت من سؤالها ضاحكا. انحنيت اليها...امسكت بكتفيها:

اخواتك..لا يا حبيبتى..الا تعرفين اين ذهبوا عنك؟
لا
لابد ان يكونوا فى الحديقة يبحثون عنك..تعالى معى..نبحث عنهم

اطاعتنى و مشت معى. لكنها استمرت فى البكاء – ربت على ظهرها قلت لها فى مداعبة:
و اسم الحلوة ايه)؟

اسمى عفاف

عاشت الاسامى يا ست عفاف و لا يهمك

تجولنا فى الحديقة.. و كانت الصغيرة كلها عيون متفتحة مترقبة...قلت لها:

انظرى جيدا يا عفاف..فانا لا اعرف اخواتك قطعنا الحديقة مرات متواليات لكن عفاف لم تعثر على اخواتها فعادت تبكى من جديد مددت اليها يدى بالمنديل مسحت دموعها المنهمرة اشتريت لها قطعة من الحلوى اسمعى يا عفاف...انت عارفة عنوان البيت طبعا هزت راسها موافقة و يداها مشغولتان فى فك غلاف الحلوى:
عظيم...ما هو العنوان اذن؟

شبرا
فى اى شارع؟
مسرة
(كويس خالص) يا عفاف و نمرة البيت

توقفت يداها و نظرت الى فى سهوم ثم قالت بعد هنيهة:

اصلها صعبة على...انا انساها دايما

اضحكنى قولها:

(ما علهش) اسمعى...يعنى لو ذهبنا الى شارع مسرة تعرفى بيتكم
ابتسمت و هزت راسها طبعا اتحلت المشكلة يا ست عفاف...اطمئنى...تعالى معى و اخذت بيدها و سرت بها عبر الحديقة حتى انتهينا الى افريز الرصيف و ناديت:

تاكسى....تاكسى شدنى اليها فرحتها الطفولية بركوب السيارة اخذت تطل من النافذة فى عجب و فرحة مددت يدى اليها و قرصتها فنظرت الى ضاحكة ثم عادت بوجهها من جديد الى النافذة هكذا يا عفاف تنسين مشكلتك و ضياعك بمجرد اننى اجلس بالقرب منك حتى و لو كنت لا تعرفيننى...ما اروعكم يا كل الاطفال انتظرى يا عفاف...انتظرى
كانت تشدنى من ذراعى تحاول ان تجرى بى....البيت ( أهوه....اهوه )

انتظرى يا ست عفاف...انتظرى يا شيخة وصعدنا السلم معا هى تحاول الافلات من يدى و انا اجذبها نحوى ضاحكا طرق سمعى بكاء ضارع و ضجيج سمعت صراخ امراة يتهدد و يتوعد:

يعنى تاهت البنت منكم يا ملاعين ...و الله (لموتكم) من الضرب ثم تعالت ضجة و ارتفع نحيب ضارع نجحت عفاف فى تحرير قبضتها الصغيرة من يدى...انطلقت فى اندفاع سار الى الباب المفتوح:
انا هوه.....انا هوه

خرجت على الفور امراة نصف بسيطة الثوب مدت لى يدها المعروقة و حيتنى لاحظت انها تمسك بيسراها عصا طويلة رفيعة اسرع من خلفها اولاد ثلاثة اكبرهم لا يتجاوز السادسة عشرة تدافعوا بالمناكب وقفوا حولها صامتين و الدموع ما زالت عالقة فى ماقيهم

تفضل....تفضل يا استاذ

و ابتسمت و قد بدات اسارير وجهها الغاضبة تنفرد:

الف شكر
ابتسمت المراة و يدها تعبث فى شعر صغيرتها:

تفضل يا استاذ...تفضل و النبى...الاستاذ سوف يحضر الان...و يسره ان يتعرف على حضرتك..
متشكر جدا يا افندم و التفت الى عفاف...وهى تحاول الاختفاء بين اثواب امها:

ها انت قد عدت يا عفاف لماما...مبسوطة يا ست ثم مشيرا بسبابتى الى اخواتها الثلاثة:

و طبعا انا (زعلان) منكم جدا و انتم عارفين ليه ربنا يسترك يا رب...متشكرين جدا يا استاذ و هبطت السلم خارجا كانت الشمس قد اذنت للمغيب و استقبلنى الشارع بهواء الاصيل البارد و عاودنى الملل السئيم من جديد كيف اقضى الساعات ساعات الليل الباقيات؟

سرت متكاسلا تلكات فى سيرى و عيناى تفتشان عن تسلية لهما فى الاشياء الكثيرة خلف واجهة المحلات المنيرة عدت الى البيت يا له من خروج اشعلت المصباح البترولى فاتضحت كل اشيائى المبعثرة: السرير. الموقد. بعض الانية. كوب الشاى المتسخ من الظهيرة احسست بالبرودة اغلقت النافذة و الاشياء فى اماكنها تنظر الى فى تحد مثير خلعت سترتى القيت بها على كرسى يكاد يتحطم من كبر السن خلعت حذائى و دفعته بقدمى تحت السرير اخيرا عدت يا عفاف اما انا...اه....كبير و عجوز ما علهش و القيت بجسدى على السرير انظر سقف الحجرة و قد انساب فى اذنى صوت ( ام كلثوم) دافئا حانيا....

ح اقابله بكرة.....و بعد بكرة...و بعد بعده
فوضعت رجلا على الاخرى....و ابتسمت..

حازت هذه القصة على جائزة نادى القصة عام 1975 م من الاديب الدكتور يوسف السباعى وزير الثقافة الاسبق و الاديب يوسف الشارونى رئيس نادى القصة آن ذاك


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى