الاثنين ١٠ شباط (فبراير) ٢٠٢٥
بقلم آلاء محمد الأمين

سنلتقي في السماء

ذات صباح، كنتُ أعمل كعادتي في مكاني الخاص، حيث أقوم بعمل قصّات وتصفيفات شعر مختلفة للنساء.

قدِمت إليّ فتاة تبدو في سنّ المراهقة، كانت جميلة، بيضاء اللون، وتبتسم منذ دخولها لكل شخص تراه.

كنتُ أراقبها من بعيد، وما إن وصلت عندي حتى ألقت السلام وسألتني عن حالي، وكأنها تعرفني. أجبتها بأنني بخير وسألتها عن حالها أيضًا، فكانت إجابتها كإجابتي.

كان لدينا عروض وتخفيضات بمناسبة حلول شهر رمضان، فطلبتُ منها أن ترفع الحجاب عن رأسها لأرى شعرها، إذ نعتمد على نوعية الشعر في تحديد التخفيضات.

وما إن رفعت الحجاب، حتى انسدل شعرها بأكمله على ظهرها ووجهها. كان شعرها جميلًا، أسود، وناعمًا كالحرير، بل أكثر، إن لم أكن أبالغ. كان طويلًا جدًا.

قلت لها: "ما شاء الله! لديكِ شعر جميل جدًا، لم أرَ مثله من قبل. بالتأكيد تودّين قصّ الأطراف قليلًا."

كانت تكتفي بالنظر إلى نفسها في المرآة وتبتسم، ثم قالت لي: "أودّ تجربة جميع تصفيفات الشعر الجميلة التي تناسب وجهي."

كنتُ أعبث بشعرها وأبعده عن عينيها الجميلتين، وقلت لها بحماس: "بكل تأكيد! سنقوم بعمل تصفيفات لم تري مثلها من قبل."

وبالفعل، بدأنا العمل، وكانت الفتاة تكتفي بالابتسامة. في كل مرة ننتهي من تصفيفة، تطلب منا تصويرها بها بهاتفها الذكي. لم نأخذ وقتًا طويلًا، فقد ساعدنا شعرها الناعم كثيرًا. أنجزنا ثلاثة عشر تسريحة مختلفة، وكانت جميعها تلائم وجهها.

فقلت لها: "لن نأخذ منكِ مالًا، رغم أننا نعمل هنا منذ ثلاثة عشر عامًا، إلا أننا لم نستمتع يومًا كما استمتعنا اليوم، ونحن نختار التصفيفات لشعرك الجميل."

شكرتنا كثيرًا وأثنت على عملنا، ثم قالت: "الآن أريد حلاقة شعري بأكمله."

فوجئنا جميعًا من طلبها، ونظرنا لبعضنا بتعجّب. قلت لها وأنا أضع يدي على رأسها بحيرة: "تقصدين حلاقة جزء منه مثل الممثلات الأجنبيات؟"

قالت لي بعفوية: "لا، أريد أن أكون صلعاء تمامًا."

انصدمتُ من قولها وسألتها عن السبب، فأجابتني بهدوء: "لأنني عاجلًا أم آجلًا سأبدو هكذا بلا شعر، فمن الأفضل لي أن أبادر."

ذُهلتُ من قولها، ولم أفهم بعد، فقلت لها بتعجّب: "ولماذا ستبدين صلعاء؟!"

وكانت إجابتها الصادمة: "أنا مصابة بمرض السرطان الذي لا علاج له. أنا في المرحلة الرابعة من المرض، أي المرحلة الأخيرة. شعري بدأ يتساقط، ويؤلمني كثيرًا في كل مرة يتساقط فيها. لا أقدر على تحمّل ألم العلاج الكيماوي وألم تساقط شعري، فقريبًا ستسقط رموشي وحاجباي أيضًا. لذلك كنتُ أجرب تصفيفات الشعر لأرى ملامح وجهي قبل أن يتغير."

بكينا جميعنا، أنا وزميلاتي، بعد أن سمعنا قصتها. كانت هي من تقوم بمواساتنا بدلًا من أن نقوم نحن بذلك. لم تتجرأ أي واحدة منا على حلاقة شعرها، إلى أن أخذت هي المقص وبدأت تقص شعرها من الأسفل. حين رأيتها تفعل ذلك، أخذتُ آلة الحلاقة وبدأتُ أحلق لها شعرها الحريري. لم يكن قلبي يطاوعني، إلا أنني أجبرتُ على ذلك حين رأيتها.

وما إن انتهيتُ من حلاقة شعرها، كانت ملامحها كما هي، جميلة ولم تتغير.

سبحان الله! من جعل فيها جمالًا داخليًا وخارجيًا في آن واحد. دعونا لها بالشفاء العاجل، فقالت لنا قبل أن تغادر:
"قد تكون هذه آخر مرة لي هنا، لذلك أودّ أن أشكركنّ على لطفكنّ معي وتعاملكنّ الجميل. لا تحزنوا من أجلي، فأنا راضية تمامًا بقدري. الله لا يريد لعباده سوى الخير، لذلك أنا مطمئنة كثيرًا وأحمد الله على حلو القضاء ومرّه، فالمسلم مأجور على ألمه وحزنه."

قالت كلماتها الأخيرة وهي تبتسم، وكأنها خُلقت هكذا، دائمة الابتسام.

ومنذ مغادرتها إلى يومنا هذا، بعد مرور شهر كامل، لم أسمع عنها أي خبر. بحثتُ عنها في المدينة، ولم أجدها.

لم يكن لديّ خيار سوى الذهاب إلى المقبرة. ذهبنا أنا وزميلاتي، وبدأنا نبحث في القبور الجديدة، إلى أن رأيتُ صورتها عند حافة القبر.

أجهشنا بالبكاء، لكننا تمالكنا أنفسنا احترامًا للموتى. جلسنا نقرأ القرآن وندعو لها.

كنتُ وما زلتُ أتذكر وجهها الباسم، وأسمع صدى كلماتها في أذني.

فسبحان الله! أدركتُ أن الذين يغادرون مبكرًا من هذه الفانية هم الصالحون. وسيعوضها الله بجسد، وشعر، وصحة أجمل في الجنة، إن شاء الله. ولنا لقاء في السماء.

سنلتقي مجددًا في الجنة، وسنتحدث، ولكن سيكون حديثًا مختلفًا هذه المرة، حيث لا ألم، ولا أحزان، ولا هموم، حيث سننعم بنعيم الجنة إلى الأبد.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى