الأحد ٧ حزيران (يونيو) ٢٠٠٩
ضعف الإخراج والتشخيص في مسرحية
بقلم جميل حمداوي

شوف مزيان

توطئة:

عرضت فرقة مسرح الحياة القادمة من مدينة جرادة مسرحيتها الجديدة:"شوف مزيان" بالمركب الثقافي بالناظور يوم السبت 30 مايو 2009م ضمن المهرجان الثقافي والفني لجمعية التربية والتنمية الذي كان هذه السنة تحت شعار:" الفرجة المسرحية تعبير حضاري للتنمية". وقد شارك في تشخيص هذه المسرحية كل من: نهاد بزوعي، ولويزة ربيع، وبنيونس بنبراهيم، وياسين حبودي، وسفيان أجعضاب. أما تأليف المسرحية وإخراجها فكان من نصيب أحسنة إسماعيل عصمان، بينما التوضيب الموسيقي والإنارة فكان من نصيب صالح بركاد والطيب حبودي، في حين كانت السينوغرافيا والمحافظة العامة من اختصاص محمد لمسلم.

المستوى الدلالي للمسرحية:

تتحدث المسرحية عن سفر افتراضي داخل البحر عبر سفينة تمخر عباب الأمواج، تحمل فوق ظهرها الذابل المتقاعس ربانها المتسلط الباحث عن عوالم الوهم والسراب مع مجموعة من الملاحين الهاربين والتائهين الذين يبحثون عن السعادة المفقودة.

هذا، ويسرد كل ملاح تائه عبر مجموعة من المشاهد المسرحية واللوحات الكوميدية الصادمة المشاكل التي يعاني منها ، ذاكرا الإحباطات التي واجهته ومازالت تواجهه في هذه الحياة السيزيفية المعذبة . ومن هنا، فقد اختار هؤلاء الملاحون الحالمون الهجرة إلى الضفة الأخرى بمثابة ملاذ للنجاة من ضنك العيش القاسي وأيضا بمثابة معبر إيجابي لتحقيق أحلامهم وآمالهم الطوباوية. بيد أن السفينة في مسارها الهائم كانت تعترض لهزات عاصفية عنيفة واضطرابات طبيعية خطيرة تؤثر على استقرارهم العضوي وتوازنهم النفسي وتواجدهم الظرفي فوق السفينة الشراعية المعطوبة التي كانت تترنح تمزقا وخرابا من شدة الرياح العاوية والرعود الصارخة والبروق الضاربة بشدة في انسجام تام مع صخب الأمواج العاتية وكثرة الأمطار الغاضبة.

زد على ذلك، فإن الشخصيات كانت تتعرض فوق السفينة لضغوطات العمل اللاإنساني المشين والاستغلال البشع من قبل ربان السفينة الذي كان يفرض عليهم نظاما قاسيا وانضباطا صارما، فيستعبدهم استلابا واسترقاقا وازدراء واحتقارا. ومن ثم، نرى الممثلين يستسلمون للهذيان والخوف وفوبيا القلق والانهيار والذوبان والتآكل الوجودي؛ مما أسقطهم ذلك في شرنقة الهوس وهستيريا الصداع والتمزق النفسي والانحلال الأخلاقي والضياع الوجودي والإفلاس الحضاري. ويعني هذا أن ممثلي المسرحية المعروضة لم يكونوا فوق خشبة الركح سوى كائنات عبثية ممزقة كينونيا ووجوديا بين ذاتين: ذات باحثة عن الأمل والسعادة، وذات خائبة منكسرة من شدة التصدع الواقعي والانبطاح القيمي والنفسي.

ويلاحظ أن العرض المسرحي في عمومه مفكك دلاليا ومنطقيا، من الصعب استجماع دلالاته الدرامية وبناء أحداثه منطقيا. والسبب في ذلك أن المؤلف لم يركب المسرحية تركيبا جيدا ، ولم يخط الأحداث واللوحات المشهدية والسينوغرافية خياطة محكمة لتحقيق اتساقها وانسجامها وتوفير بنائها الحجاجي والاستدلالي. وقد ترتب عن هذا التفكك وقوع المسرحية في نشاز دلالي وغموض إيحائي بسبب الاختلالات الفنية والدراماتورجية التي مست تركيب المشاهد والفصول.

المستوى الجمالي والفنـــي:

من الصعب - إذا - فهم مضامين المسرحية ودلالاتها بسبب الإبهام والنشاز الدلالي الناتج عن الخلل الفني في بناء الفصول ومشاهد المسرحية بناء موضوعيا وعضويا، وتركيب لوحاتها الدرامية تركيبا منسقا ومحكما. لذا، ننصح المؤلف بأن يقرأ الكثير من المسرحيات العالمية والعربية الناجحة من أجل أن يعرف طرائق الكتابة الدرامية ومستويات البناء وكيفية البناء الدراماتورجي.

أما من حيث التشخيص، فالعرض المسرحي ضعيف جدا وهش من الناحية الصياغة الفنية والمعالجة الدراماتورجية ؛ لأن الممثلين ليست لهم دراية كافية بفن المسرح. وبالتالي، فقد كان تمثيلهم المسرحي تمثيلا خارجيا كوكلانيا سطحيا خاليا من حرارة العاطفة وفاقدا للعاطفة الصادقة والمعايشة الوجدانية النابعة من أعماق الذات. بل كنا نرى الممثلين يحفظون أدوارهم بشكل خارجي يتسم أداؤهم بالرتابة وتكرار المشاهد وروتينية الحوار.

ولاغرو أن نقول: إن التشخيص كان في خدمة المؤثرات الموسيقية التي كان يتكلف بها صالح بركاد الذي كان يتقن الغناء ولم يكن على إلمام تام ومقنع بفن التمثيل؛ لأنه كان يتمشى مثلا فوق الركح بكل برودة سطحية لا علاقة لمشيته العادية بالتمثيل المسرحي لامن قريب ولامن بعيد، ولم يكن يحسن التموقع جيدا؛ لأن المخرج أقحمه في العرض من أجل صوته الرائع ، ولم يعين له أماكن التحرك كما لم يبين له أنواع الاتجاه وكيفية مواجهة الجمهور. وهذا ينطبق كذلك على باقي الممثلين المسرحيين الآخرين الذين شاركوا في المسرحية. ويعني هذا أن الممثلين كانوا يتصنعون في أدائهم التشخيصي، ويحفظون أدوارهم الدرامية ليس إلا. أضف إلى ذلك أن المخرج أخضع تركيب المسرحية لمقتضيات الغناء والموسيقى، ولم يخضع الغناء لمقتضيات التشخيص المسرحي.

ويلاحظ أيضا أن المؤثرات الصوتية والموسيقية ووسائل الإضاءة لم تكن منسجمة مع المشاهد الدرامية واللوحات الركحية، بل كنا نحس بأعطاب تقنية على مستوى التوضيب الموسيقي وعدم التوافق الهرموني بين التشخيص والموسيقا، كما أن الإضاءة كانت ضعيفة التوظيف وبدون حمولات دلالية مقنعة. أما السينوغرافيا الديكورية والجسدية فكانت مختلة وغير وظيفية تنقصها الجودة والإتقان والبعد السيميائي. أي إن العرض المسرحي معطل دلاليا وعلاماتيا وجسديا، يفتقد داخل هذا العرض المسرحي كل مكوناته الجمالية والفنية ، وتنقصه المتعة والفائدة.

أضف إلى ذلك أن خشبة المسرح قد تم تضييقها بديكورات في عمومها مهترئة بالية معيقة للممثلين الذين كانوا يجدون صعوبات كثيرة فوق الركح أثناء التنقل والتواصل والتموقع. أما التحرك التشخيصي فقد كان أفقيا وعموديا وملتويا ومتقاطعا، في حين كانت نظرات الممثلين أمامية مباشرة وخلفية وجانبية في شكل ثلاثة أرباع أو في شكل زاوية يلاحظها الراصد على مستوى التموقع والمنظور.

خاتمة:

وعليه، فمسرحية" شوف مزيان" ضعيفة من حيث الإخراج والتشخيص والسينوغرافيا، تستلزم من مخرجها أن يقرأ الكثير الكثير من كتب الإخراج والتمثيل والسينوغرافيا، وأن يرى العديد العديد من العروض المسرحية الناجحة محليا ووطنيا وعربيا ودوليا، وأن يبحث جادا عن أشكال درامية جيدة للاستفادة منها والاقتداء بها في بداية الأمر حتى ينتقل المخرج بعد ذلك إلى مرحلة الإبداع والاجتهاد والتميز. وعليه أن يستفيد أيما استفادة من مسرحية زميله الجرادي حفيظ موساوي الذي نجح في عرضه الدرامي " الصرخة" أيما نجاح دلاليا وفنيا وسينوغرافيا على الرغم من بساطة التقنيات التي لم تؤثر أدنى تأثير على جودة العرض المسرحي المقدم.

ومن هنا، ننصح المخرج أحسنة إسماعيل عصمان أن يختار الممثلين البارزين الأكفاء الذين لهم موهبة وكفاءة وإمكانيات التشخيص الفطري والأداء الطبيعي، وألا يغامر بشبان خجولين تنقصهم التجربة والدراية المسرحية، ويمكن أن نحمل المخرج كامل المسؤولية في هذا التقصير والإهمال والتسيب السلبي في انتقاء الممثلين وتكوينهم تكوينا جيدا وتأطيرهم تأطيرا سليما.

وعلى الرغم من هذه الملاحظات الموضوعية القاسية، فالمخرج له داخل العرض المسرحي الذي قدمه في مدينة الناظور بعض الرتوش الفنية والجمالية الإيجابية، ونتمنى له بكل صدق من أعماق قلبنا مستقبلا زاهرا في مجال الإخراج المسرحي، وهذا الصديق العزيز علينا مايزال شابا يافعا في بداية الطريق، و ماعليه سوى استيعاب كتب التمثيل والإخراج وتمثل مصنفات الديكور والسينوغرافيا المعاصرة بذكاء ودراية وحذق ليصل في أقرب الأوقات إلى هدفه الأعلى


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى