الأحد ١٣ آب (أغسطس) ٢٠٠٦
بقلم إسلام صالح

ظالم الحب

بدأ نسيم الحب يتسلل إلى قلبيهما الرقيقين منذ أن أصبحا في الفرقة الثانية من دراستهما الجامعية ويتبادلان نظرات الحب والغيرة ويسيرا في الطرقات تتلامس أنامل أيديهما ويعبر منهما الحب من جسده إلى جسدها ومن جسدها إلى جسده والحب يجري في عروقهما مخالطا للدم .

وفي المرحلة النهائية من الدراسة قد وصل الحب إلى ذروته بعد أن بدا لهما أنهما سوف يرى بعضهما بصعوبة بعد التخرج وقرر" باسم" أن يخطو خطوة ايجابية تجاه حبيبته "رنا" بعد أن يحصل على وظيفة وظل يحمد الله لان ليس لديه أخا وبذلك لم يلحق بالتجنيد .

ومرت الأيام وتخرج" باسم ورنا" من الجامعة وبدأ مشوار الحياة في رحلات طويلة المدى للبحث عن وظيفة وهما ينظران إلى بعضهما في كل مره يخرجا فيها للبحث عن وظيفة وكأن لسان حالهما يقول ماذا نفعل . وفي إحدى المرات وهما جالسان يتناولان الطعام في إحدى المطاعم الشعبية وواجهة حبيبته وقال لها لابد من السفر إلى الخارج حتى يستطيع أن يجمع مالا في زمن قصير حتى يستطيع التقدم إليها وخطبتها ونظرت إليه في أسى ووافقته الرأي فلابد أن يتحملا الفراق حتى يتلاقا مره أخرى وصارحته إنها لا تستطيع مقاومة ضغوط أسرتها في أن تتزوج من ممن يتقدم إليها أكثر من ذلك .

ومرت أيام وبدا باسم في بحث عن عقد عمل في الخارج حتى حالفه الحظ عندما عاد جاره الأستاذ "عبد المجيد" من إحدى دول الخليج وقد وعده عندما يعود مرة أخرى بعد أن تنتهي أجازته سوف يرسل إليه لكي يلحق به ليعمل معه إن كان هناك فرصة للعمل .
ومر شهر على سفر جاره وأرسل له لكي يذهب إليه فتهللت أساريره بهذا الخبر وأسرع إلى الهاتف ليتصل بحبيبته ويبلغها الخبر وأهم في تجهيز احتياجات السفر وقد تحدد ميعاد سفره في منتصف الشهر المقبل ففاتح أباه في خطبة زميلته على أن تستمر الخطوبة حين عودة من السفر ويجمع ما يلزم من المال لإعداد الزواج وتقبل أسرة محبوبته لهذا العرض بعد إصرار من رنا وإلحاحها الشديد على موافقة أبواها على باسم وتتم الخطوبة سريعا.

ويسافر باسم ويكون الأستاذ "عبد المجيد" في انتظاره لدى وصولة المطار ويقيم لديه في المسكن حتى يعثر على مسكن أخر بعد أن يتسلم العمل .
وفي صباح اليوم التالي يذهب باسم مع الأستاذ "عبد المجيد" إلى "الشيخ رابح" صاحب العمل الذي يعمل به الأستاذ "عبد المجيد" ويعجب به الشيخ رابح ويطلب منه أن يكون مساعدا "للشيخ حامد" مدير العمل لأنه أصبح رجل كبير ويريد من يعاونه ويوجه صاحب العمل الكلام إلى "باسم" بان هذه الوظيفة تردد كثيرا في إعطاؤها له لأنها ليست سهلة ولكن الأستاذ "عبد المجيد" زكاك لدي وقال لي انك تمتاز بذكاء كبير وسوف أعطيك الفرصة حتى تثبت جدارتك .
وتمر الأيام ويثبت باسم كفاءته في العمل ويلم ببواطن أمور العمل ويصبح الساعد الأيمن للشيخ "حامد" وبعد بضعة اشهر يمرض الشيخ "حامد" ويتسلم "باسم" العمل وحده وقد أعجب الشيخ "رابح" به كثرا .

بينما الاتصالات التليفونية والخطابات بين "باسم" وأسرته وبينه وبين حبيبته هي عزاؤه الوحيد في الغربة فتمر عليه الأعياد والمناسبات وحيدا في الغربة لا يستطيع فراق العمل كي يستطيع أن يجمع اكبر مبلغ من المال لكي يتم زواجه على الفتاه التي أحبها .

و يفارق الحياة الشيخ" حامد" وتزداد على "باسم" وتتثاقل هموم العمل والحياة فوق كتفيه في فترة قصيرة منذ سفرة فبعد عشرة اشهر أصبح مسئولا عن العمل وحده .
وفي إحدى الأيام يذهب" باسم" إلى منزل صاحب العمل لكي يحصل على توقيعه على أوراق العمل وتراه ابنة صاحب العمل وتسال والدها عنه ويقص حكايته عليها وتتعدد زياراته لصاحب العمل في المنزل وتتعد الأحاديث بينه وبين ابنته
وتعجب الفتاه به وتدب سهام الحب في قلبها وتصارح والدها بأنها تريد الزواج منه بعد أن فشلت زيجتها الأولى التي اجبرها والدها عليها ويجلس الأب حائرا في مكتبه كيف يقص على "باسم" ذلك الحوار وتدور الأفكار في رأسه ويحاور نفسه في عجب شديد ويسير في جنبات مكتبه ويضع يده خلق ظهره ويلتفت يمينا ويسارا برأسه ويطلب من مدير مكتبه إحضار "باسم" له في الحال ويقص على "باسم" الحوار ويعرض عليه الزواج من ابنته لكي يسعدها بعد أن عاشت حياه تعسة قد تسبب هو لها فيها.

ويصارحه"باسم" بخطبته لزميلته ويقول له تريد أن تسعد ابنتك وتحزن قلبان آخران فلم يجد صاحب العمل سوى الإغراءات المادية بان يصبح "باسم" مديرا لأعماله وزوج ابنته أو أن يترك منصبه في العمل إلى منصب أخر اقل منه ويجلس "باسم" في مسكنه وحيدا يجلس تارة ويقف تارة ويسير تارة أخرى في غرفته يرتشف رشفة من كوب الشاي ويضعه بعنف على المنضدة وبعد صراع طويل مع نفسه يقرر أن يقبل ذلك العرض المغري ويضحي بحبه من اجل المال بعد أن أغراه شيطانه أن ابنة صاحب العمل هي الوريثة الوحيدة لكل هذه الثروة بعد وفاة والدها ويستطيع بعد ذلك أن يحقق احلامه .

ويبعث بخطاب إلى "رنا" ينهي في قسوة علاقته بها وتصدم "رنا" فيه وتدخل المستشفى لتعالج من انهيار عصبي شديد ويذهب والدها الى والد "باسم" ويعنفه على ما فعل ابنه بهم ولن يسامحوه قط ولا يجد الأب المصدوم في ابنه أيضا سوى النظر إليه بعين تملأها الدموع ويصمت .

وتمر السنين بعد زواج "باسم" من "أميرة" ابنة الشيخ "رابح" ويصبح هو صاحب العمل بعد وفاة والدها وتأخذه الدنيا وخلال تلك السنوات كان يذهب إلى مصر ليري أبويه وأخواته البنات وكان يخشى من السؤال عن "رنا" ويرفض أن يتحدث معه احد عن ما حدث .

ويعود بعد سنين طويلة إلى مصر كي يستقر بها ويبحث عن من يؤنس وحدته بعد أن يصبح جدا لسبعة أحفاد من أبناؤه الأربعة التي أخذتهم هموم الحياة في الخارج وأصبحوا هم المديرون للعمل بعد وفاة أمهم "أميرة" .
ويذهب إلى منزل حبيبته "رنا" بعد أن ملأ الشوق قلبه وأصبح كهلا تجاوز السبعين خريفا وأصبح رأسه مليء بالخصال البيضاء لا يشوبها شعر اسود ومتكئا على عصا ويسأل حارس العقار عنها ويخبره بأنها تزوجت من رجل ثري وأنها تقطن في فيلا في منطقة راقية مع ابنها وابنتها وأحفادها بعد وفاة زوجها منذ أربعة أعوام وان هذه الشقة يعيش فيها الآن شقيقها.

ويذهب إلى المنطقة التي اخبره بها الحارس ويسال عنها حراس المساكن الموجودة حتى يصل إليها ويقف أمام الفيلا ويقرا اليافطة فيلا "الرنا" لصاحبها "أكرم رضوان" ويتردد كثيرا في الدخول إليها ويدور في مخيلته كيف سيكون اللقاء هل بلهفة أم بغضب ويقرر الدخول ويسأله الحارس عن ماذا يبحث فيسأله عن "رنا" فيدخل معه إلى باب الفيلا ويقرع الباب ويخبر الخادمة بان هناك شخصا يريد مقابلة صاحبة الفيلا وتدعوه للدخول ويقف محملقا في جميع أركان الفيلا وهو مرتكزا بيديه الاثنين على عصاه ويهز رأسه في حسرة على ما فعله بها وثم يدير رأسه ليجدها تخطو بخطوات بطيئة نحوه وتنظر إليه وتسأله من هو وهي ترتكز على عصا أيضا وبجوارها خادمتها ويقول لها في حنان ألا تعرفيني.

فتلمع عيناها ولم تصدق ذلك الصوت الذي سمعته ويدور في ذهنها الأحداث الماضية وتسال نفسها هل هو أم لا ويقرا "باسم" أفكارها ويقول لها نعم أنا أنا جئت اعتذر لك على ما حدث مني وأريد أن تسامحيني فقد أخذتني الحياة وأولادي تركوني وحيدا بعد أن أصبحوا رجال أعمال في الخارج .

وتنظر إليه وتبتسم ابتسامة خفيفة في سخريه وتقول له هذا قصاص الله منك على ما فعلته بي ويتقدم إليها ويطلب منها السماح وان تعود إليه ويكملا الباقي من عمريهما ويحيا الحب الذي قد أماتوه بداخلهم فتعطيه ظهرها وتقول له في نبرة تحدي الحب مات ...

اسلام محمد / مصر
eslamd80@hotmail.com


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى