الأحد ١٢ تموز (يوليو) ٢٠٠٩
بقلم إسلام صالح

محطة النهاية

في احدى المناطق الراقية يعيش الطبيب حازم وهو من اسرة ميسورة الحال كما ان والده طبيب ايضا وكان حازم يعمل فى مستشفى قريب من منزله لا يبعد سوى 10 دقائق بسيارته لكنه يرفض ركوبها لانه كان يواجه المتاعب فى ركنها ويفضل ان يذهب الى موقف الميني باص الموجود خلف منزله ليركبه وكان حازم هو الراكب الوحيد الذي يتحرك به الميني باص من الموقف وقلما يركب أحد اخر، ولتكرار ركوبه الميني باص فى الساعة الثامنة والنصف صباحا فقد آلف السائق وجه حازم فأصبح يحييه كل يوم بابتسامة خفيفة مع ايماءة بالرأس .

صعدت سلوى فى احد الايام صباحا الى الميني باص قبل ان يتحرك من الموقف وكان يستقله حازم كالعادة و سلوى فتاة جميلة ترتدي ثياب محتشمة ونظارة سوداء على عينيها تاركه شعرها يداعبه الهواء.

لفتت الفتاه نظر حازم وأعجب بها من أول وهله وأخذ يفكر بينه وبين نفسه هل هى تسكن هنا فى المنطقة أم غريبة وكانت تزور أحد أقاربها وظلت تشغل باله طول الطريق حتى جاءت محطته فنزل وتركها بالميني باص وأخذ عقله يفكر فيها طوال اليوم .

تكرر اللقاء صباحا في اليوم الثاني والثالث واستمر لمدة اسبوع ففطن حازم انها تسكن في المنطقة وانها قد تكون تسلمت عمل جديد فأصبحت تركب معه يوميا ومع بداية الاسبوع الثاني استيقظ حازم مبكرا كعادته بعد أن أخذ اجازة من عمله و قرر ان يذهب وراءها ليعلم اين تعمل واين تسكن وذهب ليركب الميني باص وهو فى لهفة واستقله واخذ ينظر من النافذة وفي ساعته فقد أوشك الميني باص على التحرك وتظهر سلوى من بعيد وهى تسرع فى خطوتها لتلحق بالميني باص وعندما رأها حازم تهللت أساريره وشعر باحساس غريب لم يكن لديه من قبل وتحرك الميني باص بهما وظل حازم يتابعها بنظراته حتى جاءت محطتها ونزل ورائها وهذا الامر قد لفت نظر السائق لانه يعلم ان حازم ينزل قبل محطتين من هنا ، سار حازم خلف سلوى دون ان تدرى وتتبعها حتى وصلت الى شركة سياحة خاصة التى تعمل بها وكان من حسن حظه انه وجد مقهى امام الشركة فذهب الى مطعم ليشترى سندوتش من الفول واخر من الفلافل واشترى بعض الجرائد الحكومية والمعارضة وجلس على المقهى يتناول الطعام ويقرأ الجرائد ويراقب سلوى حتى تنتهى من عملها .

وفي الساعة الخامسة مساء تخرج سلوى من الشركة وتسلم على زملائها وتذهب الى محطة الاتوبيس تنتظر الميني باص .

ركب حازم خلفها حتى وصل المينى باص الى الموقف وتنزل سلوى ويتبعها حازم ويسير ورائها حتى تدخل سلوى احدى العمارات بعد 20 دقيقة من السير.

وفي اليوم التالي ركب الاثنان كالعادة وأعطت سلوى للسائق ورقة بخمسون جنيها ليقطع لها التذكرة لكن لم يكن لدى السائق فكة فأنتهز حازم الفرصة ودفع لها بعد محاولات رفض من سلوى لكن انتهى الامر وشكرته سلوى كثيرا ووعدته برد ثمن التذكرة اليه فى المرة القادمة حينها اغتنم حازم الفرصة واخذ يعرفها بنفسه وانه يركب معها يوميا فصارحته بانها لم تنتبه اليه من قبل .

بدأت تتعدد اللقاءات بين حازم وسلوى في الصباح داخل الميني باص وتدور الاحاديث الباسمة والضاحكة والجادة ويتابعها السائق فى المرآة حتى جاء يوم وطلب حازم من سلوى ان يقابلها فى أحد الاماكن بعيدا عن زحمة الطريق والعمل ووافقت سلوى فقد تسلل الحب الى قلبها ،صارحها حازم بانه يريد الزواج منها ارتبكت قليلا وقالت له قبل ان اوافق اريدك ان تأتي لتتعرف على اسرتي فى بادئ الامر وذهب معها الى المنزل وفوجئ بانها من اسرة فقيرة وان والدها يعمل ساعي بريد ويقطنون فى بدروم احدى العمارات فقالت سلوى له المناطق الراقية ليس كلها اثرياء .

ذهب حازم الى منزله واخذ يفكر بالامر وبعد طول تفكير قرر ان يتزوجها وعرض الامر على اسرته لكنه قوبل بالرفض ، لم ييأس حازم وامام اصراره الشديد على الزواج من سلوى وافقت اسرتها بعد ان سحب حازم رصيده من البنك الذى كان كفيلا ليؤجر له شقة قانون جديد وشراء اثاث بسيط وتم الزواج دون علم اسرته .

وبعد مرور ثلاثة اشهر من الزواج صارح حازم اسرته فقد أصبحت زوجته حامل ولا يمكن ان يخفي ذلك ، فاخبرهم انه عندما سافر الاسكندرية مع اصدقائه منذ فترة كان هذا الامر كذب فقد سافر ليقضي شهر العسل وعندما كان يخبرهم بانه سيتاخر ليلا فى العودة الى المنزل أو يبيت عند احد اصدقائه فكان يقضي هذا الوقت مع زوجته .

تقبلت اسرة حازم الامر باستياء وظلت العلاقة فاترة بينه وبينهم حتى جاءت ابنته "نور" الى الدنيا فبدأت الامور تعود الى مجراها الطبيعى لكن مع بعض التحفظات.

وبعد مرور عام على الزواج بدأت الخلافات تنشب بين حازم وسلوى وبدأ حازم يدرك الفجوة الاجتماعية بينه وبينها وظهرهذا واضحا فى اسلوب تعامل اسرتها مع ابنته الذى كان لا يرضى دائما عنه ، ووصل الخلاف فى اسلوب تعامل كل منهما للاخر، وبعد مشادة حامية بين حازم وسلوى أدرك حازم انه اخطأ فى تلك الزيجة وان اسرته كانت محقة لكنه لا يستطيع ان يعلن ذلك وانه طول هذه الفترة لم يكن يرى عيوب هذا الزواج نظرا لحبه الشديد لسلوى وتحديه لاسرته وانشغاله بحمل زوجته وابنته بعد ولادتها لكن بعد ان هدأ كل هذا باتت الامور واضحة.

أصبحت العلاقة بين حازم وسلوى فاترة وبعد ان اتمت ابنته تسعة اشهر اصيب بالتهاب رئوى مما زاد الخلاف بين حازم وسلوى واتهمها بعدم الاعتناء بابنته جيدا كما ان ذهابها المتكرر الى اسرتها فى البدروم الملئ بالرطوبة والطقس السيء أدى الى مرض ابنته نور وبعد أيام توفيت نور متأثرة بالمرض ولم يستطيع حازم علاجها رغم انه طبيب فارادة الله فوق كل شيء وكان الخبر صدمة عنيفة لحازم وسلوى ولاسرتهما، مما اسدل ستار النهاية على حياتهما الزوجية وطلق حازم سلوى وهو يحملها ذنب وفاة ابنته نور .

مرت الايام هدات الاحزان بعض الشيء بدأ يعود حازم الى حياته الاولى وذهب في الصباح الى الموقف ليستقل الميني باص وكان مرتديا نظارة سوداء على عينيه يخفي بها حزنه على ابنته لانه يشعر بذنب شديد لانه لم يستطيع ان ينقذ ابنته من المرض والموت رغم كونه طبيبا وبينما يركب حازم الميني باص وجد سلوى بداخله ترتدى هي الاخرى نظارتها السوداء فأدار وجه عنها وجلس بعيد كأنه لم يعرفها فنظر السائق اليهما فى المرآة وتعجب من الامر وتحرك بالميني باص .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى