الأربعاء ٢٥ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٦
بقلم إلياس محمد سعيد

عبير زكي.. القصائد حينما تُهشم الجغرافيا لتحتمي بالكون.

عمان ـ الأردن

"لا تتوقف عند حدود القارات واتجاه خطوط الطول والعرض، وتقلب الأطلس عاليه سافله، فترى الشمال أسفل الأرض والجنوب على رأس الورق، تعيد ترتيب الجهات وفق دوران الأرض لا وفق ترسيم الجغرافيا المتوهم والمصطنع"، بهذه الكلمات قدّم الصديق الشاعر موسى حوامدة الشاعرة السعودية عبير زكي في الأمسية التي استضافتها بها رابطة الكتاب الأردنيين في مقرها بعمان مساء الأحد الماضي 22 يناير 2006.

وأظن الشاعر موسى حوامدة إذ اختار الحديث عن الجغرافيا وحدود القارات، فما فعل ذلك إلاّ لمعرفته أنّ عبير زكي إنسان يقف على حواف الحدود والثقافات، فلا يمكن لها أنْ تنتمي حتى إلى لغة واحدة، ومن الجدير ذكره في هذا السياق أنّ مجموعتها الشعرية الأولى التي صدرت عن دار "يونيفرس" في الولايات المتحدة الأمريكية تحمل عنوان "شذى الشعر" Aroma Poetic صدرتْ أصلاً باللغة الإنجليزية، وهي اللغة التي تستخدمها عبير أداة لكتابتها الإبداعية.

من "شذى الشعر" راحت عبير تقرأ قصائد لم يُخْفِ الحاضرون طربهم لسماع كل منها من دون أيّ استثناء. واختارت أنْ تكون القصيدة الأولى بعنوان "من أكون"، وهي من القصائد التي لم تتوفر لها ترجمة إلى اللغة العربية (وكان ذلك شأن كثير من القصائد غيرها؛ إذْ قرأت الشاعرة اثنتين وعشرين قصيدة لم يكن مترجماً منها سوى ستِّ قصائد إحداها ــ وتحمل عنوان "في قلب المحيط" كانت بترجمة الشاعر حوامدة نفسه
في "من أكون" تصر الشاعرة على أنْ لا مكان محدداً تنتمي إليه، فهي "من اللامكان"، لكنها تدرك أنّ عليها "الإنطلاق من مكان ما".

هذه هي عبير زكي "الإنسان العالميّ الكونيّ، الذي لا يمكن أنْ تقيده السلاسل القومية أو تأسره حدود العرقية الهشة، وحين تسألها: "من أين أنتِ؟"، فلن يكون جوابها سوى: "اختر أيّ مكان من هذا العالم الصغير..

أنا من هناك!".

هكذا نجد أنّ عبير زكي تنتمي إلى "جيل يعرف إدوارد سعيد
ويتماهى معه أكثر من تماهيه مع نجيب محفوظ"، كما يقول محي الدين اللاذقاني الذي يرجع ذلك إلى أنّ هذا الجيل مثل إدوارد سعيد "صارت الإنجليزية لغته الأم".

لهذا، يرى اللاذقاني، يجب ألاّ نستغرب عندما نجد "في ديوان عبير قصيدة رثاء حارة ’’رحيل عملاق’’ لإدوارد سعيد الأب الروحيّ لهذا الجيل العربيّ الذي صارت العربية لغته الثانية".

اللغة التي تستخدمها عبير زكي يمكن اعتبارها لغة سهلة قد تميل إلى الرومانسية في كثير من الأحيان، لكنها في الوقت نفسه لغة قوية تنطوي على الإنحياز إلى الذات/ الجسد في صراعها مع الآخر بوصفه المجمتع ومنظومة مقرراته وأعرافه وترميزاتهما الثقافية. في قصيدة "جنوني هويتي" تقول الشاعرة: (جنوني/هو هدوء إعصاري، حيث تكتنفه برودة/ حمم البركان، هو الجسد الذي يحمل/ بذور الطهارة).

لا تكمن قوة اللغة التي تستخدمها عبير في هذا الجانب فقط، بل إنّ هذه اللغة تزداد قوة عندما يتعلق الأمر الآخر/ المجتمع عندما يتجلى بالفرد/ الذكر، والدوافع التى تولد أكثر رغباته غموضاً وسرية، ليس أدلّ على ذلك من قصيدة "لوليتا في داخلكَ"، أنشدت عبير: (أهو عمرك؟/ أهي تجاعيد وشيب شَعرك؟/ أم هي المرحلة حين تريد عمل بعض التغيير؟/ أم هو سحرك المتقن/ وبراعة انتقال الوقت؟/ هل هو النوم الشتويّ؟/ يمكنني أنّ أحسَّ بلوليتا/ تسري فيك كالمخدِّر.

ومعروف أنّ "لوليتا" هو عنوان الرواية التي تحمل توقيع فلاديمير نابوكوف وتدور أحداثها حول رجل يصبح مهووساً جنسياً بالفتاة الصغيرة لوليتا، وذلك بعدما يبلغ منتصف العمر

"الذهب الأسود" كانت من القصائد اللافتة التي قرأتها الشاعرة على الحاضرين ونالت إعجابهم إلى حد بعيد. وفيها تفضح عبير زكي الآلية التي يتم من خلالها استخدام الثروات سلاحاً من الفتك والتقتيل وإفناء الإنسان وطمس معالم الحياة التي تتمسك بها وبحالات تكونها الأولى:

(لقد أرهبت سلامة عقلي/ وإنسانيتي، كما شئت.. صنعتَ البنادق والقنابل/ واشتريتَ العبيد وبعتهم بسرور... لقد ملكتَ البيتَ والجريمة/ تسلب وتحتال وتقتل بفخر... وتابعتَ إمداد العالم بالدماء/ وهبت نسائم فحمك عليه/ لكنّ الشيء الوحيد/ غير المعروف ولا يمكن امتلاكه في قلبك/ هو مهد طفل صغير(.

العالم الذي تعيش فيه عبير زكي لا يعجبها ترتيبه، وترى أنّ العلاقات ــ الحسية على الأقلّ ــ ينبغي إعادة صياغتها؛ فبالنسبة للشاعرة لم يعد الجلد هو أعمق منطقة في جسد الإنسان، وحتى تستطيع الشاعرة أنْ تحسّ بوجود الآخر عليها أنْ تغور في أعماقه، "لأكنْ نسمة" قصيدة تتجلى فيها هذه الفكرة خير تجلٍّ، تقول عبير في القصيدة: (لأكن نسمة تتنشقها/ لكي أحسّ بك تماما.

ولدت الشاعرة عبير زكي في إسطنبول ــ تركيا عام 1965، وتلقت التعليم في مناطق مختلفة من العالم: باريس، بيروت، إسطنبول، مكة ، جدة، وفي كابل. حصلت على درجة الباكالوريوس في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة الملك عبد العزيز في جدة، ثم درجة الماجستير من تروي في نيويورك تعمل الآن في مركز التدريب التابع لشركة أرامكو. وكانت تطوعت لتعليم اللغة العربية للمهاجرين البوسنيين والإفريقيين في الولايات المتحدة الأميركية.

+ + +

الكلمة الاستهلالية لأمسية زكي والتي قدمها موسى حوامدة .

"أكملت حصة الوجد"

لم أقبض على جمر الغضا قبلك،لم أتلمس خطواتي في العتمة، لم تسبقني قدماي لطريق لا يفضي إليك، ولما أكملت حصة الوجد، كان المعلم قد غادر القاعة بينما سلمني ليد الأفق.

ريثما يحين موعد الصدف يترنح عامود التاريخ، يستكين بين مطارق الظلال المتدفقة، على تابوت اللغة المتهالك، يفيض رونق العمر، حاملا ظله بين يديه ويفر خلف غابة الريح، هناك يتسلق الشفق سلم السماء ويدني من شفة المبهوت، نهد الحلم السيال، يغري الظلال بالضوء والعتمة بالنور، والخفاء بالسطوع، ويغوي الشمس بالانسكاب في كتاب طالبة مربوطة الضفيريتين، تحمل رباعيات الخيام، وتلعب بالأطلس الكبير، لا تتوقف عند حدود القارات واتجاه خطوط الطول والعرض تقلب الاطلس عاليه سافله، فترى الشمال أسفل الأرض والجنوب على رأس الورق، تعيد ترتيب الجهات وفق دوران الأرض لا وفق ترسيم الجغرافيا المتوهم والمصطنع، لا تأبه لخرائط الإدريسي ولا تقسيمات الجغرافيين البررة ولا عصا المعلم المبهور بالألوان والاسماء اللاتينية.

في قلبها اكتمال الدائرة واتساع الرؤية والرؤيا وابتعاد الفكرة عن قانون النفع المباشر، وفي روحها سر جليل يدفع السماء للإستقلال عن ضيق البشر ـ ومساطر السياسيين، وفي كلماتها يتقاطر الشهد المحلى بينابيع النور، وشلالات الحزن الإنساني المعتق.

بين يديها تتحرر الخيوط والخطوط والغيوم، ولا يتم إهمال البراعم أو النسيم لعدم قدرته على شق عصا الطاعة، في دواوين السلاطين وفحول الشعر.

منتهى الحلم يرتعش مثل صفيح طائش، طيور الغواية تساقط على يديها وبين شفتيها وتشرع للضلال نوافذه المحكمة الغلق، فقد تعلقت بالنوارس والبجع ولم يخذلها طائر الفينيق عند مطلع النار، وعنفوان الجمر المتورد الخدين.

لم تدع للحكمة بستانا أو مكانا يقنن حدود النار لذا اندلعت في أتون مشتعل قبل ان يتوضأ الصبح بناره المنسكبة، لم تجفف حليب الصبا فسال نهر دافق الشهوة، وراق للشارب كأس الخلود، وتحرك في باطن الدهر زلزال الكلمات.

عمان ـ الأردن

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى