على توقيت البيت
منذُ جئتُ إلى هذه البلادِ البعيدة
وأنا أشعرُ أنني وصلتُ…
لكن روحي
لم تصل.
وضعتُ ثيابي في الخزانة،
وتركتُ قلبي
معلّقًا خلف باب بيتنا.
الصمتُ هنا ليس هدوءًا،
الصمتُ غرفةٌ واسعة
وأنا
الكرسيُّ الوحيد فيها.
أفتحُ الصباح،
فتدخلُ الريحُ ،
تصفّرُ في صدري
كأنها تفتّش عن أحد.
أخرجُ إلى الشارع،
أرتّب وجهي،
وأبعثر داخلي،
أضعُ يدي في جيبي
و أبحثُ
عن يدِ أمي.
الناسُ يمشون بدقّةِ الساعات،
وأنا أمشي
بتأخيرِ قلب.
الهواءُ هنا نظيفٌ جدًا
لدرجةِ أنه لا يحمل
رائحةَ خبز،
ولا صوتَ خُطى.
لم أكن اجتماعيةً يومًا،
لكن الوحدة
تعلّم الإنسان
كيف يطرقُ الأبوابَ الخطأ.
صرتُ أتحدثُ أكثر مما ينبغي،
أضحكُ أكثر مما أشعر،
أسألُ البائعةَ سؤالين
كي لا أرجع بصمتٍ كامل،
وأشكرُ سائقَ الحافلة
كأنه أنقذ حياتي.
أستعيرُ دفئًا صغيرًا
من أحاديثٍ عابرة،
كمن يستعيرُ معطفًا
ولا يملكُ شتاءه.
مساءً
تزورني حياتي الحقيقية:
حين أعود
إلى الذين لا يعيشون هنا.
أمي تفتحُ درجَ الملاعق في رأسي،
أبي يسألني إن عدت،
ورائحةُ البيت
تمشي حافيةً في الغرفة.
أتدفأ بالذكريات
كما يتدفأ طفلٌ
بوعدِ هدية.
أقول: سأعتادُ الوحدة…
لكن الحنين
حيوانٌ بري
لا يُروَّض.
أحلمُ بالمطار،
بلقاء الأحبة،
بالركض نحوهم
بلا أناقة،
بلا لغةٍ أجنبية،
بلا تماسك.
أحلمُ أن تسقطَ حقيبتي
ولا يسقط قلبي.
أن أصل
أقول لأبي: اشتقتُ
كأن الكلمة وُلدت الآن،
لا بعد كل هذه المسافات.
أن أبكي في حضن أمي
حتى تتوقف الغربة
عن التنفّس داخلي.
هنا
كلُّ شيءٍ يعمل كما يجب:
القطارات،
الإشارات،
الساعات…
إلا قلبي
ما زال
على توقيت البيت.
