الاثنين ٢١ شباط (فبراير) ٢٠٠٥
بقلم إبراهيم العامري

محاولة للطيران

معظم الذين يسكنون هذا الحي ذا البنايات المرتفعة وشقق الإيجار المتعددة من الطلاب فهم يفضلونه لأنه الأقرب للجامعة انهم يتميزون بالفوضى وعدم الاستقرار يقفزون بثقل كالضفادع بدفاترهم وأكياس ملابسهم لذلك لا بد ان تجد لهم اثر : جوارب ، أوراق ، أو حتى قطع من ملابسهم الداخلية .

"طالعة من بيت أبوها رايحه لبيت الجيران " يرددون بنغم الأغاني العراقية التي اصبح لها شكلا آخر غير ذاك الشكل الذي اعتادوا سماعة على أجهزة المذياع كان يفوح منها جنود وبنادق وقنابل ذكية . كانت أعينهم ترقب شاحنة رخيصة الأجر أو حتى حافلة يقبل صاحبها ان يحملهم بأمتعتهم الكثيرة .

انه ذات النهار الذي رأيت به ذاك الشاب كان نحيل الجسم اسمر البشرة على وجهه قروي تائه يحمل حقيبة بنية ومستغرقا في سؤال حارس العمارة التي اسكن عن غرفة بحمام ومطبخ صغير ان وجد فهو جديد على هذه المدينة لا يعرف فيها سوى الحافلة التي تمر من جانب حرم الجامعة التي التحق بها .

قال للحارس : أريد غرفة بسيطة بحمام ونوافذ واسعة وحبذا لو تكون مطلة على الشارع

أجابه الحارس : يا لحظك السعيد لقد فرغت الغرفة الرابعة في الطابق العاشر إنها ستعجبك تركها المستأجر ليلة البارحة ( لقد تخرج وعاد إلى دياره ).

- الشاب: لا باس وماذا عن الأجرة ؟
- الحارس : لا تقلق ، نحن نراعي حال الطلاب ولهم عندنا خصم خاص " الحال من بعضة يا عمي "
- ألا تريد ان ترى الغرفة ؟
- الشاب : بالتأكيد ، هيا بنا

ارتقى الحارس وتبعه الشاب بخطوات تعبة فلقد بحث كثيرا قبل ان يهتدي إلى تلك العمارة . في طريقهم إلى الغرفة ثمة ضوء خافت يضفي على عتمة الدرج صفة النهار أبواب على طول الصالة تفتح وتغلق بصمت وأكياس النفايات السوداء تجثم في الزوايا دون رائحة بدت الرطوبة المغلفة بشيء من العفن وكأنها ترافقهم على طول الطريق إلى الطابق العاشر . نباتات الزينة الآيلة للموت التي تحول معظما إلى أعواد و الباقي أضفى عليه الأخضر الباهت نوع من الاستسلام تركت في نفس الشاب شيء لم يعرفه.

عندما وصلا الطابق العاشر صاح الحارس لقد وصلنا إنها الغرفة الوحيدة التي لم وتبق فارغة لمدة يوم واحد فهي الأفضل هنا قالها وهو يمد يديه إلى جيبه ويخرج مجموعة من المفاتيح ( واحد فقط لم يربطه بباقي المفاتيح ) تناوله وفتح الباب . انظر يا عزيزي إنها غرفة واسعة ، نافذة طويلة باتجاه الشارع والى يمينك المطبخ ثم الحمام أما بشان الستائر سأحضر لك واحدة غدا المستأجر الذي سبقك طلاب مني ان انزعها لان لونها يعجبه ، لا يهم ، المهم شرفتنا هنا … على فكره المستأجر الذي سبقك كان شخصا مهذبا ولطيفا كان يدفع لي الأجرة مقدما ولم يتأخر في مرة واحدة ثم أردف قائلا : لقد صمم صاحب العمارة النوافذ طويلة بهذا الشكل لكي تدخل الشمس بشكل اكبر إلى الغرفة لقد جرب حياة الطلاب ويعرف كم يعانون من الرطوبة .أما الحمام …. قاطعه الشاب قائلا: نعم نعم يا سيدي إنها غرفة مريحة ونظيفة ولكني مشيت الكثير اليوم أريد ان ارتاح الآن .نعم نعم يا بني على راحتك أنا في الأسفل بإمكانك ان تزعجني وقتما تشاء . نسيت ان أخبرك لقد وضعت قبل قليل قطعة جديدة من الصابون لم استعملها سوى مرة واحدة بإمكانك ان تجدها على المغسلة قلها ثم انصرف .

كانت الغرفة تفوح بعطر جميل النافذة مفتوحة وثمة جوارب رمادية ملقاة اسفل السرير كانت جديدة وكأنها لبست لمرة واحدة وهناك منشفة بيضاء وفرشاة أسنان .

اغلق الباب ثم استلقى على السرير أخذت عيناه تحدقان بالسقف كان متآكلا من الرطوبة وبدا لونه مختلف سمع به صوت الحافلة المزعج وأكوام الناس يقاتلون من اجل حجز مكان في الحافلة الوحيدة التي تعود إلى القرية …. ثم أزاح عينيه إلى خزانة البيضاء التي رأى فيها أمه وقريته تنام بهدوء هي وأطفالها الأشقياء الذين عبثوا طوال اليوم وكسروا زند الليمونة وتراشقوا بثمار اللوز وانهوا يومهم بعمل فخ لحارس المزرعة . ابتسم ثم أزاح نظره نحو المرآة الدائرية التي انعكس عليها ضوء المصباح الكهربائي كانت مليئة بفجر قريته عصافير تغادر أعشاشها بحثا عن الحياة ، فلاحين يمضون مدججين بمناجل ومجاريف ووجبات من خبز وملح أمل أيادي نسائهم ودعوات الأمهات.

ودارت به الغرفة أحس بان ما يحدث له في هذه الغرفة جدير ان يدون ، انتصب وجلس على ذاك الكرسي الخشبي الذي وضع خلف طاولة مستطيلة التصقت بالنافذة الطويلة العارية من أي ستائر . اخذ يحدق بمشهد المدينة المطرب بينما يداه تفتحان جرار الطاولة الممتلئ بالأوراق وقلم وحيد . أوراق كتب عليها و اوراق فارغة . أخرجها ووضعها أمامه تناول حقيبته البنية واخرج منها زجاجة العطر الثمينة التي اهدته إياها والدته تعطر ثم خلع جواربه الجديدة ووضعها اسفل السرير تناول واحدة من تلك الأوراق واخذ يقراها ، كان مكتوبا عليها بخط جميل ما يأتي :

اليوم الأول يا أمي خارج منزلنا .

اليوم الأول الذي ادخل فيه الجامعة ، استأجرت غرفة في بناية كبيرة ذات طوابق متعددة لقد اخترت غرفة تطل على الشارع في الطابق العاشر فلم أجد سواها لان الحارس اخبرني إنها الوحيدة التي فرغت منذ يوم واحد … اجلس الآن يا أمي وحيدا فيها أحاول تدوين ما حصل لي اليوم ولكن القلم لا يستجيب انه مستلق أمامي كبحار قديم فقد الأمل بان يصطاد ما يسد به رمق أبنائه لقد ذكرني بوالدي حين وجدنا ه ميتا بين أشجار البرتقال و أوراقي فارغة كبحر خاو حتى من رائحة الملح وصوت النوارس لذلك فكرت ان اشغل نفسي بهوايتي المفضلة : الطيران كما كنت افعل في البيت على شباك غرفتي في الطابق الأرضي فهي الطريق الوحيدة التي أستطيع فيها ان أكون عصفورا ولو للحظات لا لشيء ولكن لان المساءات الجميلة مخبأة في مكان ما من هذ1 الكون ولا أحد يعرفه سوى العصافير هكذا قال لي والدي قبل ان يموت . دعيني اصف لك الطريقة التي أمارس فيها هذه الهواية ولكن اغفري لي فطالما اتسخت الستائر بسببها .

أو لا انزل الستارة ، امسكها من الأطراف ، أضعها على كتفي ، أضع قدمي على حافة النافذة افتح ذراعي مسترخيا ، اغمض عيني ، ثم انطلق .

عندما اكمل قراءته للورقة ابتسم وكأنه وجد ضالته لم يكن هناك ستائر لذا تناول رداء السرير ، على حافة النافذة ، فتح ذراعيه مسترخيا ، اغمض عينيه … ثم انطلق

في ذلك الوقت كان صراخ صاحب البناية يملا غرفة الحارس فلقد كان يؤنبه على تأجيره الغرفة الرابعة في الطابق العاشر دون ان ينظفها من أمتعة المستأجر الذي انتحر ليلة البارحة .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب أردني

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى