الخميس ١٨ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢١
بقلم أمينة شرادي

ندم

كان جالسا يحتسي قهوته، مهموما، نظره مشتت، ينظر الى الفراغ الذي أمامه. منذ مدة وهو على هذه الحالة. لا يجالس أحدا وليس لديه أصدقاء. سافرت به ذاكرته الى ذلك اليوم البعيد، الذي زار فيه طليقته من أجل أن يرى ابنته الوحيدة ويحضنها ويحاول أن يفهمها رغم صغر سنها، بأنه سيظل يزورها دائما ولن يتخل عنها مهما حصل. سقطت دمعة من عينه ثم توالت الدمعات كأنها في سباق. غرقت وسط فنجان قهوته وأحدثت بلبلة صغيرة، تطايرت منه بعض القطرات كأنها تثور على هذا الضجيج غير المعهود. شعر بأنه لم يكن وفيا لوعده، وأنه لم يزرها منذ سنوات. وحاول أن يعيد شريط آخر زيارة له. انتفض ساعتها بقوة كمن يريد أن يمسح شريط ذكرياته التي تؤلمه وجعلته ينسى أو يتناسى ابنته الوحيدة والتي كان يقول لها "أنت حياتي". لم يدرك كيف أنه أصبح سجين حياة بديلة جعلت منه عبدا لا يستطيع أن يخرج من صندوقها. ترك كل شيء وراءه وقرر أن يصلح ما سرقه منه الزمن. فقرر أن يزور ابنته في ذلك اليوم. وتكون مفاجأة سارة بالنسبة اليها. وأنه سيحكي لها عن سبب غيابه، وأنها كانت دائما نائمة في قلبه.

وجد البيت كما تركه آخر مرة. النافدة كما هي، مفتوحة كأنها ستطل منها. فرح كثيرا واعتلت وجهه سعادة كبيرة جعلته يرقص فرحا. كانت هناك، طليقته، بالبيت وحيدة. صامتة، تخيط بعض الأثواب التي تكومت الى جانبها. ظل واقفا يسأل بعينيه عن ابنته، ويبتسم كأنه يقول، لقد تأخرت لكن عدت. قامت طليقته صامتة، الحزن يستوطن كل جزء من جسدها وملامحها. وقالت له "لقد تأخرت كثيرا" لم يفهم، جلس أرضا وهو يحاول أن يفهم. قالت ونظراتها لا تفارق النافذة: "منذ آخر زيارة لك لها، كانت عند كل صباح، تقوم وتفتح النافذة وتنتظر قدومك. لا تفارقها حتى يأتي المساء. ويسدل الليل عباءته السوداء على كل أرجاء المدينة. ساعتها تلتفت الي بحزن شديد وتذهب الى سريرها وتنام. وهكذا استمرت على هذه الحالة. كانت دائما تقول لي " لقد وعدني بابا، سياتي لزيارتي."

في يوم، خرجت لقضاء بعض الحاجيات، لم أكن أحب أن أتركها لوحدها، طلبت منها أن تأتي معي. قالت لي "أريد البقاء بالبيت، أنتظر بابا". ذهبت بسرعة شديدة وعقلي معها. لما عدت وجدت تجمهر كثيف قرب البيت. اقتربت لكي أفهم ما يحصل. وهنا صمتت وانهارت وبكت بكاءا مريرا. وهو يتابع، لا يتكلم، كاد قلبه أن يغادر جسده. تابعت" كانت هناك، حبيبتي، على الأرض وهي تبتسم."شاهد من المارة، اقترب مني وقال لي" كانت تتمايل بجسدها الصغير قرب النافذة، كأنها تنادي على أحد. اختل توازنها وسقطت". انفجر بالبكاء بشكل شديد، نام على سريرها، احتضن وسادتها، قال لها كأنه كان يشعر بوجودها الى جانبه "لقد عدت يا حبيبتي، لقد عدت اليك لكي أمسح عنك غياب سنين من الألم والوجع. لقد عدت لكي أحضنك وأحملك بين يدي. لقد كنت أحلم أراك تكبرين.سامحيني يا حبيبتي، لقد تأخرت كثيرا". نهض واقترب من النافذة وجلس قربها ونظره مشتت في الفضاء الخارجي، يبحث عنها في زمنه الذي كان هناك.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى