

هناك وقت دائما للغناء
قراءة في ديوان «أسميك حلما وأنتظر ليلي» للشاعر ماجد أبو غوش
{{}}
في غزة كما في بيروت هناك وقت دائما للغناء، في غزة كما في بغداد، طفلة تبحث عما تبقى من براءتها وسيدة تعود إلى ما تبقى من القلب.
في غزة كما في قانا كما في بغداد هناك دائما شاعر شهيد يسمى نصر أبو شاور.
ما الذي يكتبه ماجد أبو غوش؟؟ هل يبكي من مضوا؟ أم يبكي ما تبقى من الحلم؟
يفتتح الشاعر ديوانه «أسميك حلما وأنتظر ليلي» بمشهد اخباري تعودنا رؤيته بعد كل مذبحة.
«كانت المرأة تجر قدميهاوما تبقى من أطفالهاباتجاه ما تبقى من البيتباتجاه ما تبقى من البحر»
في هذا المشهد الشعري من قصيدة «عودة» دلل الشاعر على قسوة الحدث وهوله باستخدام كلمتين، «تجر» و«ما تبقى» مختزلا بذلك أفعالا عدة، الركض، الهرب، الخوف «تجر قدميها» ربما من تعب وارهاق ولكنها مصرة على مواصلة المشي و " تجر ما تبقى من أطفالها" وهم أيضا في ذات الحالة، ثم يكرر «ماتبقى» كلازمة موحيا بحجم الدمار.
ويستمر الشاعر بنسج المشهد، فينتقل من هذه اللقطة إلى أخرى جامعا المرأة بمذيعة جميلة تسألها إلى أين تعود.
«رفعت يدها بهدوءومسحت دمعة تدحرجت على خدهاوابتسمت حين اعترضت طريقها المذيعة الجميلة وسألتهاإلى أين تعودين؟.................................»
تصمت المرأة وتصمت المذيعة يصمت كل شيء، فإلى أين ستعود؟ ومالذي تبقى لتعود إليه؟ تعمد الشاعر ترك المذيعة على سجيتها تطرح سؤالا ربما ساذجا ولايتناسب وحجم المأساة ولعل هذا أيضا أحد الأسباب الذي دفع المراة للصمت، لتنفض عنها غبار المأساة وتجيب
«لأروي شجرة الياسمينحتى تظلل أسماء الشهداء»
لا نقول أن الشاعر أنطق شخصيتي المشهد الشعري بما يريده فالحدث طبيعي وغير مصطنع، وعلى الرغم من بساطة المشهد الشعري، إلا أن الشاعر اتخذ موقفا انسانيا تقدميا من المأساة، فدوره كشاعر تصوير المشهد والتعبير عما يجول في الخاطر ولا تظهره كاميرا الاعلام فينزل إلى الشارع ولا يتعالى عليه، بنسج مشهد تقليدي مستخدما عبارات الدمار التقليدية والمستهلكة، ينزل إلى موقع الحدث ليرفعه إلى المستوى الفني المطلوب ويعبر عنه بحرفية الشاعر.
في غزة كما في بيروت كما في بغداد، ويعرج الشاعر على مقهى الروضة في الشام حيث تتحرر الروح من سجن الجسد، ومع اغراق الشاعر في الهم الجماعي ومشاهد الدمار في الأقانيم المقاومة الثلاث الا أنه ترك روحه تحلق في فضاءات أخرى، يهرب من المجزرة وتفاصيلها إلى الحب إلى التسكع ليلا في شوارع المدينة تائها متعمدا.
«كنت أمشي يداي في جيوبيوكنتُ معيفي كل ليلة تنهض قدمايوتمشيان دوني»
حتى قوله...
«كأنني أتوق لبعض الجنون»
فالشاعر بحاجة لبعض الجنون، ومن غير الجنون يعين شاعرا على الحياة؟ في ظل القتل والدمار ولون الطائفية الثقيل؟
ففي قصيدة «موت رياض العويسي» يتحدث عن محاولته كتابة أغنية عاطفية ولكن جنون الحرب أقوى من جنونه الفردي ويذهب في رحلات عدة للبحث عن البيئة المناسبة لهذا الجنون والتحرر من سجن الجسد، فيذهب إلى الشام وغرناطة ليحاكي تعب روح الغجر الشبيه بتعب روحه ومأساته.
«االغجر مروا من هناوكانت اغانيهم حزينةالغجر مروا من هناوكانت روحهم متعبة»
وفي قصيدة «سُكر» كان المناخ الأكثر خصوبة نسبيا لبوح الشاعر، يتقمص شخصية الذئب منتظرا اكتمال القمر ليحتسي كأسه الأخير مسميا الأشياء بأسمائها وليكون أكثر حبا وجرأة.
«سأسمي الموت موتاالحزن حزناالحب حبا»
ويذهب بتسمية الأشياء ويقف عند ماذا سيسمي السلطان ولا ندري لماذا بالرغم من حدوث المواجهة والمكاشفة بينهما في قصيدة «كش ملك»، التي اودع بها كل أسباب الهزيمة، هزيمة النظام السياسي.
ونلاحظ في قراءة أعمال ماجد ابوغوش ذلك المنهج الموازي لشعر الشاعر العربي المصري " أمل دنقل" من حيث استخدامه للكلمات والجمل العادية وادراجها بأسلوب السهل الممتنع شعرا
لا تصالحْ!ولو منحوك الذهبْأترى حين أفقأ عينيكَثم أثبت جوهرتين مكانهما..هل ترى..؟هي أشياء لا تشترى..:......
– كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
........
(لا تصالح امل دنقل)
في غزَّةَ هُناكَ امرأةٌ تَحْلمُأنْ تَغسلَ قَدَميها في ماءِ البحرْأنْ تَسيرَ حافِيَةً على الرَّملِ الأصْفَرْأن تُسْلِمَ شَعْرَها لِلرّيحِوأنْ تَشْرَبَ قَهْوَتَها الصَّباحِيَّةمع نصر أبو شاور
(كان اسمي نصر أبو شاور ماجد ابو غوش)
البوح، الحب، السخرية المرة، الجنون، أسماء الشهداء والمدن، مفردات ديوان «أسميك حلما وانتظر ليلي» ومفردات الامل والوفاء لدى ماجد أبو غوش، الامل بالحرية والدولة التي كان وما زال أبوغوش أحد المناضلين لأجلها شعرا وعملا سياسيا وحزبيا،ووفاءا لأسماء الشهداء ووردة خلودهم التي تعودنا قراءتها في أعماله الشعرية.