الأحد ٦ أيار (مايو) ٢٠٠٧
بقلم حلمي الزواتي

وَتَنْشُرُ بَيْرُوتُ أَسْرَارَهَا

ألقيت في مَهرجان ِالأمة ِالشّعري الأول ِالمنعقدِ في قصر ِالمؤتمراتِ، في بَغداد المنصورة أبداً، بين العشرينَ و الثلاثينَ من نيسان/إبريل 1984.

عَيْنَانِ مِنْ زَيْتٍ وَ زَعْتَرْ
وَ يَدَانِ نَاعِسَتانِ كَالحُلم ِالجَميلْ
أَوَّاهِ يَا بَيْروتُ يَا لَيْلاً تَفَجَّرْ
لَحْماً عَلى الجُدْرَانْ
طِفْلاً تَتَوَّجَ بِالشَّظَايَا وَ النَّخِيلْ
جُرْحاً يَسيلْ
وَطَناً خُرَافِيَّاً يُحَزُّ مِنَ الوَريدِ إِلى الوَريدْ
مَوْتاً أَ كيدْ
شَعْباً يُـكَبَّلُ بِالحَديدِ وَ لاَ حَديدْ
أَمَلاً يُحَاصَرُ بِالوَعيدِ
لاَ لاَ جَديدْ...
لاَ لاَ جَديدْ !
****
لاَ تَقْلَقُوا...
بَيْروتُ مَا زَالَتْ
وَ شَمْسُ اللّهِ تَفْقِدُ لَوْنَهَا
وَ المَوْتُ فِي الطُّرُقَاتِ
يَبْحَثُ عَنْ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ بَلَدٍ بَعيدْ
لاَ تَحْزَنُوا...
بَيْرُوتُ مَاضِيهَا تَليدْ...
بَيْرُوتُ تُبْعَثُ مِنْ جَديدْ
****
لاَ تَقْلَقُوا...
جِسْمٌ تَطايَرَ فِي السَّمَاءْ
لَحْمٌ عَلى الطُّرُقَاتِ
صَمْتٌ يَحْتَذي كُلَّ العَوَاصِمْ
بَيْرُوتُ عَاصِمَةُ العَوَاصِمْ
بَيْرُوتُ إِنْ سَقَطَتْ
سَتَسْقُطُ عَنْ وُجُوهِكُمُ المَعَالِمْ
قَصْفٌ غَزيرْ...
وَ الطَائِرَاتُ تَجُولُ فِي لَحْم ِالوَطَنْ
فَلْتَصْمِدوا
فَلْتَصْمِدُوا... فَلْتَصْمِدُوا
البَحْرُ مِنْ أَمَامِكُمْ
وَ "العُرْبُ" مِنْ وَرَائِكُمْ
فَلْتَصْمِدُوا... فَلْتَصْمِدُوا
****
لاَ تَحْزَنُوا...
سَنَظَلُّ نُبْحِرُ فِي الحِصَارْ
إِنَّا احْتَكَرْنَا المَوْتَ مِنْ أَيْلوُلَ
مِنْ عَهْدِ الدَّمَارْ
سَنُعَبِّئُ الكَلِمَاتِ بَارُوداً وَ نَارْ
إِنَّا عَرَفْنَا المَوْتَ فِي ضَوْءِ النَّهَارْ
كَمْ مَاتَ مِنَّا فِي السُّجُونِ
وَ فِي الشَّوَارِع ِ وَ البِحَارْ ؟
كَمْ مَاتَ مِنَّا فِي الصَّحَارِي وَ القِفَارْ ؟
****
ضَاقَ الحِصَارْ...
طَالَ الحِصَارْ...
وَ عَوَاصِمُ الوَطَنِ الأَغَرْ
مِنَ المُحِيطِ إِلَى الخَليِج ِعَمَّهَا الغَضَبْ
فَأَشْعَلوا الخُطَبْ
وَ أَخْمَدُوا اللَّهَبْ
يَا أَيُّهَا "العَرَبْ"
كَفَى صَخَبْ!
تَبَتْ يَدَا أَبِيكُمُ وَتَبْ !
لَمْ يُغْنِ عَنْكُمْ نَفْطُـكُمْ وَ لاَ الذَّهَبْ
لاَ تُطْعِموُا لَحْمَ العُرُوبَةَ لِلْعَرَبْ
ضَاقَ الحِصَارْ...
طَالَ الحِصَارْ...
فَلْتَصْمِدُوا يَا أَيُّهَا الثُّوَارْ
َفلْتَصْمِدُوا يَا أَيُّهَاالَأحْرَارْ
البَحْرُ مِنْ أَمَامِكُمْ
وَ "العُرْبُ" مِنْ وَرائِكُمْ
فَلْتَصْمِدُوا... فَلْتَصْمِدُوا
****
بَيْرُوتُ تَخْلَعُ نَعْلَهَا
بَيْرُوتُ تَكْسِرُ قَيْدَهَا
وَ القَصْفُ يَغْزُرُ حَوْلَنَا
صَبْرَا وَ شَاتِيلا هُنَا:
لَيْلٌ مُخِيفْ
طَرْقٌ عَلى الأَبْوابِ
أَطْفَالٌ تَصِيحْ
وَ رَوَائِحُ المَوْتِ القَبِيح ِتَمُرُّ فِي أَعْتَابِنَا
لاَ تَفْزَعُوا...
صَبْرَا وَ شَاتِيلا هُنَا:
لَيْلٌ بَهيمْ
ذَبْحٌ مِنَ القَدَمَيْنِ
مَوْتٌ فَاغِرُ الشِّدْقَيْنْ
بَحْرٌ مِنَ الظُلُمَاتِ قَدْ لَفَّ البِلاَدْ
فَلْيَعْذُرِ الآتُونَ مِنْ مُدُنِ الرَّمَادْ
لَمْ نَسْتَطِِـعْ تَنْظِيفَ مَوْتَانَا
وَ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى جَمْع ِالحَصَادْ
****
بَيْرُوتُ... يَا بَيْرُوتْ
إِنِّي رَأَيْتُ المَوْتَ
يَبْـكي خَائِفاً بَيْنَ الجُثَثْ
وَ الـكَاذِبُونَ جَميعُهُمْ شَهـِدُوا الحَدَثْ
كَانُوا هُنَاكَ جَمِيعُهُمْ
حَضَرُوا المَزَادَ المُنْتَظَرْ
لَحْمٌ هُنَا...
لَحْمٌ هُنَاكَ...
تَقَدَّمُوا... مَنْ يَشْتَري لَحْمَ البَشَرْ ؟
مَنْ يَشْتَري لَحْماً طَرِيَّاً مُعْتَبَرْ :
طِفْلٌ رَضِيعْ
شَفَتاهُ دَامِيَتانِ يَبْحَثُ فِي الحُفَرْ
عَنْ صَدْرِ أُمٍّ يَحْتَويِهْ
قَطَعُوا يَدَيْهْ
خَطَفُوا مِنَ العَيْنِ البَصَرْ
مَنْ يَشْتَري لَحْمَ البَشَرْ ؟
لاَ تَخْجَلُوا...
حَسْنَاءُ فِي عُمْرِ الزَّهَرْ
قَصَّوُا جَدِيلَتَهَا
وَ شَقُّوا صَدْرَهَا
بَحَثُوا عَنِ الإِنْسَانِ فِي أَحْشَائِهَا
...زَالَ "الخَطَرْ"!
****
مَاذا أَقُولُ إِلَيْكِ يَا بَيْرُوتْ
يَا لَغْمَنَاالمَوْقُوتْ
يَا أَيُّهَا العِشْقُ المُحَلَّى بِالعَذَابْ
مَا كُنْتُ أَرْغَبُ أَنْ أَمُوتْ
مَا كُنْتُ أَرْغَبُ أَنْ أُغَادِرْ
إِنَّا قُتِلْنَا غِيلَةً
لَمْ يُمْهـِلُونَا
أَنْ نُعِدَّ لِبَعْضِ مَوْتَانَا المَقَابِرْ
لَمْ يُمْهـِلُونَا أَنْ نُغَطِّي عَوْرَةَ التَّأْرِيخ ِ
أَنْ نَبْـكي عَلى الأَمْواتْ
لَمْ يُمْهـِلُونَا أَنْ نَرُشَّ المِلْحَ فَوْقَ جِراحِنَا
أَنْ نَسْتُرَ العَوْرَاتْ
****
ضَاقَ القِنَاعْ
سَقَطَ القِنَاعْ
مَنْ كَانَ يَدْري يَا زَمَانَ الصَّمْتِ
أَنَّ الأَرْضَ تَصْغُرُ وَ البِقَاعْ ؟
مَنْ كَانَ يُخْفِي يَا زَمَانَ الذُّلِ
هَذا المَوْتَ فِي لَيْلِ الضَّيَاعْ ؟
إِنَّا طَلَبْنَا نَجْدَةً
لَمْ يُنْجِدُونَا...
أَخْبَرُوا أَنَّ "الخَليفَةَ" فِي القِلاعْ
مَا زَالَ يَبْحَثُ فِي أُصُولِ الفِقْهِ عَنْ حُـكْم ٍ
يُبِيحُ لِنَفْسِهِ لَحْمَ الجِيَاعْ
ضَاقَ القِنَاعْ
سَقَطَ القِنَاعْ
يَا أَيُّهَا الزَّمَنُ المُبَاعْ
يَا أَيُّها الزَّمَنُ المُضَاعْ
يَا أَيُّها الوَطَنُ الهُلاَمِيُّ المُزَخْرَفُ بِالخِدَاعْ
إِنِّي عَرَفْتُ حَقيقَتي
مَزَّقْتُ فِي كَفِّي الشِّرَاعْ
إِنِّي عَرَفْتُ حَقيقَتي
وَ حَقِيقَتي أَنْ أَسْتَمِرَّ بِلاَ انْقِطَاعْ.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى