السبت ٢٨ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٦
بقلم محمد نجيب عبد الله

... و تتحــوّل الأشـيـــــاء ...

غريبة جداً طريقة تحـوّل الأشيـاء...

كيف أنها اليوم تكون على وضعية ما فيصير الغد فلا تكون كذلك...

الأمر – رغم بطئه أحياناً – لا يعدو كونه لحظة ... خط دقيق فاصل – وإن كان واهياً أو حتى غير مرئي – ما بين الحال السابق والحال الحالي ... ما بين الأول والتالي ...

كان يوماً عادياً ...
تماماً مثل تلك الأيام التي ينام المرء فيها فيستيقظ بالصباح ... يمارس متعة الدهشة الأولى ثم تعاوده الذاكرة سريعاً فيلقي بنفسه في خضم طقوس روتينية تصنع ضمنياً ما يسمى بالحياة ... ما هي إلا آلاف من نقاط متقاربة كلمات متلاحقة أشخاص مكرّرين – وإن اختلفت وجوههم – حركات متماثلة بل وأفكار متطابقة لكائنات متزامنة في عصر ما في يوم ما في ساعة ما ...

اصطدام خفيف لدى التوقف عند إشارة المرور الحمراء ...
اعتذار خفيف منّي عبر المرآة ... تقبّل لطيف من قائد السيارة التي خلفي ... فاخضرّ ضوء الإشارة وعاودنا الانطلاق ...

الاصطدام الثاني كان أشد وطأة ...
مما استلزمني الترجّل للإطمئنان – لا أكثر و لا أقل – على الفوانيس الخلفية وهي نفس اللحظة التي جاورني فيها قائد السيارة التي كانت خلفي و من أجل الغرض المشابه وهو الإطمئنان على فوانيس سيارته الأمامية ...

بدأ حوار قصير بيننا ...
هو يعتذر عن شروده و أنا أطالبه بالتركيز أكثر ...
ثم حمدنا للإله بالمشاركة والتأمين لأنه سلّم و لأنه كتب لنا النجاة ...
جسدياً ومادياً ...

ثم جاءتني الصاعقة ...

ولو أنه أصابتني صاعقة لكان وقع ذلك عليّ أهون ... بل لو أن الموت اختطفني في لحظتي تلك فغيّبني عن الحياة لكان أسهل ...

لطمة هائلة عالية الدويّ مؤلمة كالصرخة طاعنة غادرة كسيف مسموم فاجأتني على وجهي من راكب درّاجة مرّت بنا مصحوبة بقهقهة عالية منه ...

توقف الحديث ...
الدهشة شملت قائد السيارة التي صدمتني ... تماماً كما شملت كل الكائنات التي صدف تواجدها في هذا المكان في هذا التوقيت بالذات ...

هم شملتهم الدهشة وعقدت ألسنتهم ... ولكنها بالنسبة لهم كانت لحظة ... دورهم فيها دور المشاهدين ... لحظة بالنسبة لهم كأنها فيلم سينمائي ... الآن انتهى ... وبعد لحظة سيحين دورهم إما بالتعليق بعضهم لبعض أو بالرواية لأصدقاء لهم آخرين لم يصدف وجودهم هنا على سبيل التحسّر أو الطرافة أو للبعض الآخر سيكون الأمر عادياً فلن يعيروه انتباهاً ... بل أن الأغلبية سيظنون أن علاقة ما تجمعني وراكب الدرّاجة وسيعزون ما حدث إلى أنه نوع من المزاح لا أكثر ولا أقل ... لولا أنه لم يكن كذلك !!
لم يكن كذلك أبداً!!!
فراكب الدراجة ولطمته الهائلة هما الصاعقة التي ضربتني ...
هل تجمعكم علاقة ما بصاعقة قبل أن تضربكم؟!! هل اعتبر الناس ضرب صاعقة لأحدهم نوعاً من المزاح؟!!!

دوار أسود اكتنفني ... مصحوباً برعدة شاملة ... برودة تنسلّ من داخلي فتشملني رغم أني أحس بالدم يتفجّر من وجهي ويغلي داخل شراييني ... قهر بالغ وذلّ مقيت ... إحساس بشع بالوضاعة والمهانة ... اختفت كل المرئيات من أمامي وتكرّر إحساسي بالصفعة تلطم وجهي وبصوتها الهائل يصم أذناي ...

انسحب الرجل من أمامي ... ركب سيارته وانصرف ...
أبواق تنبيه وتعليقات لم أسمعها من سيارات أخرى تستحثني على الحركة ومواصلة الحياة ...

إلا أنني كنت لا زلت هناك ... مفصولاً عن كل ما يحيط بي ... في العالم الآخر ... ذلك الكون الذي ليس فيه سواي ... أقف طــويـــلاً جـــداً ... هامتي تناطح السحاب ... ثم تأتينياللطمة على وجهي من راكب دراجة تتبعها قهقهة ... فأتقزّم ... أنسحق فأصير نقطة ضئيلة غير مرئية في فضاء لا نهائي هو الكون الذي فيه أحيا و أعيش ... أبدأ في النمو ثانية ... كبذرة نبــات ... وحين يكتمل نموي ... وينتصب عودي لأستأنف الحياة ... يأتيني راكب الدراجة ثانية يلطمني ويقهقه ... فأختفي مرة أخرى ...

لا أعرف كم مرّ من الوقت حين تذكرت أن لديّ عملاً أذهب إليه فبدأت الحركة ... قيادتي مهتزة وسرعتي بطيئة ... وما بين لحظة وأخرى التفتّ وأحوّل رأسي في شدة وسرعة من الشباك المفتوح جنبي لأتأكد أن راكب الدراجة لن يلطمني هذه المرّة ... ولما وجدت أني لا أستطيع القيادة هكذا ... أغلقت الشباك تماماً ... يد راكب الدراجة لن تخترق الزجاج ... أليس كذلك؟!

استأنفت شرودي وأنا جالس على مكتبي ولما سألني الساعي عن كنه المشروب الذي أرغبه وانتزعني من شرودي كان رد فعلي مبالغاً فيه للغاية ... فقد تقلصت على نفسي ... وارتفعت ركبتاي لتواجها بطني ورفعت يداي أمام وجهي وتنحيّت بجسدي كله بعيداً عنه ... غمغمت أن لا شيء ... فانصرف الساعي معتذراً عن مفاجأتي هكذا ولم يخفى عليّ أمارات الدهشة والاستغراب الذين شملاه ...

خوف مبهم صار يشملني ... وإحساس مقبض بعدم الأمان ...

أمشي في ردهات الشركة حيث أعمل ... وجهي في الأرض ... رأسي مطرق منخفض ... كتفاي محنيان وجسدي كلّه مهزوم مندحر ...

لا صوت لي ... لا أتحدث مع أحد ...

التساؤل الرهيب ينهشني ... هل عرفوا ما حدث؟!
أحس ذلك في نظراتهم ... فـيـمَ يتهامسون هكذا إن لم يكن عني؟!!
أسمع قهقهة ذلك الساعي الأحمق ... ما أشبهها بقهقهة راكب الدراجة ؟!!!

يعاودني التقزّم والانسحاق و أكفّ عن القدرة على التنفس ...

أستأذن من رئيسي لأغادر مبكراً ...
ولأن الهزيمة التي تشملني قد حوّلت ملامحي إلى ما يشبه الإصابة بالمرض ... فقد أمّن على طلبي بل و أزاد عليه بأنه إذا رغبت في مد أجازتي ليومين أو ثلاثة فلأفعل و لا بد لي من مراجعة طبيب معالج ... فالمرض متمكّن مني كما يبدو عليّ ...

لم تكن زوجتي بالبيت حين عدت ... فهي لا زالت في عملها ...
جريت مسرعاً إلى غرفة النوم ... و دون الاكتراث يتغيير ملابسي اندفنت تحت أكوام الأغطية و الملاءات ... أغمض عيناي فيلطمني راكب الدراجة ... أفتحهما في ظلمة ما تحت الأغطية فأسمع قهقهته المجلجلة ...

نفضت عني الأغطية ... تذكرت علبة أقراص منومة اعتادت زوجتي تناول حبة أو نصف حبة منها عند الأرق ... قمت مسرعاً ... تناولت حبّتين – لا أذكر – أو ثلاثة ... نوم طويل هادئ كفيل بطرد هذا الكابوس المقيت الذي يطاردني كالموت ...

بالطبع فوجئت زوجتي بوجودي لدى عودتها ... أو هكذا أظن أنه حدث لها ... وبالطبع حاولت إيقاظي لسؤالي عن السبب أو لتناول الغذاء أو لتحكي لي شيئاً ما حدث لها تظن هي أنه من أهم الأحداث في العالم و لكنني لم أستجب لها ...

و أخـــيراً جـــداً في المـســـــاء اسـتـجـبــت ...

كانت زوجتي تهزّني هزّاً عنيفاً هستيرياً ... تصرخ في وجهي و تبكي ...
تضرب بقبضتين واهنتين أجزاءً متفرقة من جسدي ... تشدّني من قميصي في عنف كاد يمزّق أزراره ...

المسكيــنــة ظنـّــت أنّي مـــتّ .... لا أعرف لمـــاذا؟!
تثــاءبت في كـســل ... و بدأت أتحــرك في بــطء شــديــد ...
أحــس الآن بالجـــوع الـفـظــيــــع ...

وأنا في الحمّام أسمع تساؤلاتها وحكاياتها و شكاواها فلا أسمع أيّ منها ...
أنـظـر لوجـهـي في الـمـرآة فأبـتـسـم في مـــرارة ...
أتـنـخـّم مـخـاطـاً لـزجـاً كـثـيـفـاً و أبـصـق في قــوّة ...

أخرج لها في لا مـبـالاة ...
أتناول طعامي بـلا حــمــاس رغم جوعي ...
جلست أشاهد معها التليفزيون حتى نامت ...
و في هدوء أطفأت الجهاز و بروتينية و هدوء عجيب ذهبت لأنام بجوارها ...

كــان الــغــــد ...
يوماً عادياً جداً ...
تماماً مثل تلك الأيام التي ينام المرء فيها فيستيقظ بالصباح ...

اصطدام خفيف لدى التوقف عند إشارة المرور الحمراء ...
لم أعتذر ...
نزلت من سيارتي ...
إنه نفس مكان الأمس ...
دهشة بالغة على وجه قائد السيارة الذي اصطدم بي ... فالاصطدام كان أشبه باللمسة الحانية ... لذا كان نزولي من السيارة لا مبرر له ...

لم أتوجه لأعاين فوانيس سيارتي الخلفية ...
أو فوانيس سيارته الأمامية ...
توجهت له مباشرة ...

احتراماً لنزولي واقترابي ترجّل سائق السيارة و بادرني بالاعتذار الذي لم أسمعه ...

فقد كانت نفس الوهلة ...
حيث أمسكت به من ربطة عنقه الغالية مثبّتاً إياه ...
و بيدي الحـرّة الأخرى ...
ألـطـمـه ...
اللطمة تلو اللطمة على جانبي وجهه ...
و مـقـهـقـهـاً فـي جـنـــون !!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى