هي أمي… وإن قست
لم تكن سَحَر، ابنةُ الأعوام العشرة، سوى زهرةٍ نَدِيّة زرعها القدر في تربةٍ أكثر قسوة مما تحتمله جذور طفولة غضّة. كانت البكر في أسرةٍ ينخر العوز عظامها، خمسة إخوة يتوزّعون في الغرفة الضيقة كطيور (…)
لم تكن سَحَر، ابنةُ الأعوام العشرة، سوى زهرةٍ نَدِيّة زرعها القدر في تربةٍ أكثر قسوة مما تحتمله جذور طفولة غضّة. كانت البكر في أسرةٍ ينخر العوز عظامها، خمسة إخوة يتوزّعون في الغرفة الضيقة كطيور (…)
في مقرنا الجديد تجمعنا، وتفقد كل منا أحبابه، ولا أقول أقاربه، فنحن لا نفرق بين قريب أو جار آو صديق، تجمعنا عشوائيا في نسيج إجتماعي حميم، قوة ترابطنا صنعتها المحن التي توحدنا، وتزيد تماسكنا، كلنا (…)
على امتداد الكورنيش، حيث تتكئ المدينة على كتف البحر وتترك له همومها كل مساء، كانت المساطب الحجرية مصطفّةً كذاكرةٍ قديمة تعرف العابرين واحدًا واحدًا، تحفظ خطاهم، وتستعيد وجوههم كلما عادوا. هناك، (…)
لم يكن الصباح مختلفاً عن سابقيه حين خرج حسن من بيته في الحي الشعبي، إلا أنه شعر، وهو يغلق الباب الخشبي خلفه، بأن شيئاً غير مرئي يتحرك في الهواء. كان البرد يلسع أطراف أصابعه، لكنه لم يعره اهتماماً. (…)
في مساءٍ يشبه شرفةً تطلّ على آخر أنفاس العام، وفي الحادي عشر من كانون الأوّل تحديدًا، كان الشتاء يقترب ويعرف السرّ جيدًا، ها هو يزحف على الزجاج فيُعيد ترتيب الذاكرة، ويعيدني معه إلى قلمٍ صغيرٍ (…)
منذ اللحظة الأولى لتلك الليلة البحرية الثقيلة بدا البحرُ كأنه ينهض أمام الرجال، كائنًا يستيقظ من نومٍ محشوٍّ بالغضب. كان ينفض عن جسده ظلامًا كثيفًا، ويجرّ وراءه نفسًا كالحًا، كأنه قرّر أن يستعيد (…)
في تلك الليلة التي انحنى فيها القمرُ فوق المدينة كشيخٍ أنهكه الحنين، كانت الريح تمرُّ بين الأزقّة مرتجفة واجفة تبحث عن اسمٍ ضاع منها منذ الخريف. الليل باردٌ حتى أنفاس الزجاج تجمّدت، لكنّ نافذةً (…)