الخميس ٦ نيسان (أبريل) ٢٠٠٦
قصة للأطفال
بقلم سالم شاهين

مـــــــــــــــأزق

خرجت ذبابتان في نزهة ،و في الطريق رأتا بيتاً منيفاً ناصع البياض . تمنت ألأولى ألدخول إليه ، فحذرتها ألثانية من مغبة ألمجازفة قائلة :
ـ حذار من ألدخول .
قالت ألأولى :
ـ ولم ألحذر ؟ أنا جائعة .
قالت الثانية :
ـ تعالي نجلس عند حاوية ألأزبال تلك ،لأقص عليك ما جرى .
طارتا بإتجاه ألحاوية وهبطتا فوقها ، ثم بادرت ألثانية بألحديث مشيرة بخرطومها :

ـ إنظري ! حتى نفاياتهم يضعونها في أكياس خاصة ؛ ليحرمونا منها .
قالت ألأولى بلهفة :
ـ إنني أتصور ألآن ما يضعونه من صنوف ألطعام ألشهية على موائدهم.

قالت لها ألثانية بهدوء العارف المتزن:
ـ وهذا ما تصورته أنا أيضاً ، طرت بسرعة . دخلت فرحة . تلفتّ من حولي ، فلم أجد ما يأُكل . وقفت فوق طاولة مستديرة أعدت لتناول ألطعام مغطاة بشرشف من ألساتان ألأبيض . كدت أختنق من بقايا عطر ألصابون ألنفاذ.

طرتُ عالياً . إتجهت إلى ألمطبخ ، وأنا اُمنـّي نفسي بوجبة طعام شهية . كان ألمطبخ مزين بقطع من ألسيراميك ألمزخرف . جلتُ ببصري في أنحائه ، فلم أرّ ما يأكل . ألقدور مغطاة بإحكام . إقتربت من أحدها لأتبين ألأمر ، فلذعتني حرارته . طرتُ مرتبكة ، ثم هبطت بسرعة الى سلة ألنفايـات وجدتهـا هي ألأخرى مغطاة بأحكام .
إشتد بي ألجوع ولعنت ألساعة ألتي دخلت بها الى هذا ألبيت ، وقلت في نفسي:
ـ كل هذا الجمال والرفاهية لايقدران على إشباع ذبابة . يا للبخل.

ولشدة غضبي ؛ نفضت قوائمي ألواحدة تلو ألأخرى بخبث ، ثم أثنيـت علـى ألباعة ألمتجولين ، لأنهم يشركوننا فيما يبيعونه للأطفال من مأكل ومشرب . فكرتُ قليلا ، ثم طرتُ الى ألطاولة لأريح أجنحتي وأنتظرت أصحاب ألمنزل علّني أشاركهم وجبة طعامهم . بعدها جاءت سيدة جميلة وضعت ألأطباق ألفارغـة والملاعق بطريقة تنم عن ذوقها ألرفيع . مما زادني رغبة في ألأنتظار.

في غفلة منها تذوقت ألملاعق فلم أشعر إلا بطعم ألمعدن ألبارد.
جلست ألعائلة متحلقة حول ألمائدة , وألحبور يملأ نفوسهم . طلب ألأب من ألجميع ؛ ألأم وألأبن وألأبنة تلاوة ألبسملة . بعدها تفاجأ ألجميع عندما رؤوني أتنقل بين ألأطباق . صاحوا بصوت واحد ، وكأنهم إكتشفوا قنبلة موقوتة :
ـ ذبابة ذبابة .
لاحقتني أيديهم . فذعرتُ وكدتُ أسقط في صحن ألحساء ألحار . جمعتُ قوتي وتخلصت منهم بشق ألأنفس .

طرتُ عالياً ووضعت قوائمي على ألثريا ألعالية . إطمأنت نفسي وحمدت ألله على سلامتي .
رفعوا ألأطعمة وظلوا يرقبونني ،ويفكرون بألوصول إليّ بشتى ألطرق. رشوا ألصالة برذاذ نفاذ لم أعهده من قبل . صعقتني رائحته ، فهويت إلى أسفل .

حمل ألأبن مضرباً طويلاً صنع خصيصاً للقضاء على جنسنا ، و ظلّ يتابعني وأنا أزوغ عنه . أما ألأبنة فقد إستعملت منديلاً أبيضاً لاحقتني به .

ضيقوا علي ألخناق وأعلنوا نفيراً عاماً ؛ إضطرني إلى الهرب باتجاه ألمطبخ ومن خلال مفرغة ألهواء ألفاسد قذفت بجسدي خارجاً ، و وقعت بعدها مغشياً علي .

في ألمساء عدّتُ لوعيي ، وطرت بتثاقل مبتعدة عن ألبيت .
ردّت عليها ألأولى بقلق وهي تتصور ألمأزق ألذي وقعت فيه رفيقتها وقالت :
ـ لالا . ألجوع أهون من رائحة ألرذاذ ألنفاذ .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى