الثلاثاء ١ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٥
بقلم حسام صبري

البيت النهائي

( )

انطلقت الطفلة فى مرح زائد، وفى قفزة واحدة تعلقت بعنق والدها الذى اعتدل فى بطئ رافعا إياها قبل أن يفلت الحقائب الثمينة من يده، وفى رشاقة كبييرة ترفع الطفلة ساقها اليمنى الصغيرة كى يعتلى كتف الأب الأيسر ثم تتشبث بشعر رأسه القليل كى ترتفع بجسمها وتعتلى كتف أبيها الذى لا يعترض ولا يحاول مساعدتها و إن كانت خلاياه العصبية تخبره أن البنت متوازنة تماما و أن يديه مستعدة للتدخل الفورى فى حالة وقوع أى خلل.

ولم تعلق زوجة أبيها فهى لا تحب أن تنهر البنت ولو كانت مخطئة فى
الفترة القصيرة التى يقضيها الأب معهما لعلمها بأن مجرد انتهار البنت يثير حنقه وسخطه..

و كأنها أصبحت جزءا من أبيها راح يتنقل فى أنحاء المنزل دون أن تنزل من على كتفه و دون أن يحاول هو إنزالها بل على العكس لقد جعل يثنى قدميه عند دخوله غرفة النوم كى لا ترتطم رأسها بحالق الباب العلوى.. وحين وقف أمام المرآة تأملها وقد اعتدلت تماما فوق كتفيه واحتضنت رأسه الكبير بذراعيها الصغيرتين..

كانت نظرات الأب تخترق ذراع البنت البض كى يرى أمامه فلا يتعثر فى إحدى التحف الثمينة التى ملأت المنزل وقد كاد بالفعل أن يتعثر فى منضدة صغيرة وقصيرة لولا أن أزاحتها الزوجة بسرعة طالبة منه أن ينتبه لخطواته فهناك سلمتين أمامه.. وقد كان ذاكرا لموضوع السلمتين فهو يعلم تصميم البيت جيدا منذ أن رآه و بهر بمساحته الكبيرة وموقعه المميز فى واحد من أرقى أحياء المدينة وخصوصا هذه المستويات داخل المنزل والتى تفصلها سلمتان أو ثلاث.. لقد
عزم على شراء هذا المنزل خصيصا كى تلعب فيه ابنته وتكسر أى شئ يحلو لها وكى يكون البيت النهائى بعد أن..انتقل كثيرا أثناء عمله ولم يكن له -من قبل -بيت ثابت..

لذلك فقد صرف الكثير فى إنهائه واستغل جميع خبراته فى أعمال البناء وخبرات أصدقائه لإنهاء تشطيب المنزل على أعلى و أفخم مستوى لا ليرضى نفسه وزوجته الثانية فحسب و لكن الأهم كى يعجب ابنته التى أشارت لبيت مماثل منذ سنوات متمنية أن يكون لها بيت كهذا وكانت بالكاد تتكلم، وقد أخذ هو على نفسه عهدا أن تسكن بنته فى بيت مثله أو أفضل..

علت وجهها ابتسامة مشرقة تحولت إلى ضحكة جالبة للحياة حين أخبرها أن تمسك جيدا لأن الخلاط سيعمل.. ثم راح يدور بسرعة فى مكانه فبدأت الغرفة تدور من حوله وبدلا من أن يقف مستجيبا لنصيحة زوجته عاندها ضاحكا وواصل الدوران بسرعة حتى شعر بانسحاب الدم من رأسه و رأى الغرفة تتمايل و الأرض ترتفع، وما كان يتوقع هذا الإجهاد السريع الذى ربما زاده إرهاق السفر الطويل، وبالتالى فقد خاف أن يصطدم بالبنت فى أحد الأركان ومن ثم ألقى بنفسه و حمولته فوق السرير متجنبا الإقتراب من الحواف الخشبية كى لا ترتطم رأسها فى إحداها..

لكنه لم يقدر الطول الحقيقى لابنته التى لم يرها منذ عدة أشهر وبالتالى ارتطمت رأسها بالجدار فى قوة حتى أنه لم يصدق للحظات أن هذا الصوت الشبيه بصوت ارتطام حجر ملفوف فى بطانية بالحائط هو صوت ارتطام رأس ابنته.

ولقد زاد اضطرابه حين وجد البنت وقد سكتت تماما ولم تند عنها سوى ارتعاشة خفيفة فى يدها اليسرى ولا أثر لنقطة دم واحدة..

( )

يجلس الآن فى ممر المستشفى الفخم تكاد تصيبه أزمة قلبية لفرط لهفته على ابنته و هو يحاول أن يستشف من الأطباء مدى خطورة الحالة

- ابنتك مصابة أساسا بسيولة الدم

- أعلم هذا منذ ولادتها

- لذلك فالإصابة قد نتج عنها نزيف داخلى بين غلاف المخ والطبقة الداخلية للجمجمة

- وهل هذا خطر ؟

- فى المعتاد يتم السيطرة عليه بالعقاقير و إذا زاد يتم تصفيته جراحيا أما فى
حالة ابنتك..

- ماذا ؟ ؟

- فى حالتها كان النزيف مريعا فزاد الضغط على المخ وبالتالى ماتت قبل أن
تصل المستشفى.

( )

يرى الجسد الصغير ملفوفا فى ثوب أبيض ذى رائحة قوية ثم يوضع فى حفرة ضيقة تنهال عليها التراب ثم تغطى المقبرة بألواح قاسية من الأسمنت الصلب تعلوها طبقة أخرى من التراب ثم يقفل باب المقبرة الحديدى وقد علاه صدأ كثير وتراب أكثر..

ولا يصدق أنه سيرحل عائدا إلى البيت تاركا حبة قلبه فى هذا البيت..
النهائى..

( انتهى )


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى