الأحد ٨ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٠
بقلم نعمان إسماعيل عبد القادر

القمل والصيبان

في تلكَ البقاعِ النائيةِ، النّاسُ رؤوسهم مليئة بالقملِ والصّيبانِ؛ لأنَّهم لا يغتسلون حفاظًا على الماء النادر والمتبقّي في الآبار، لقلّة الأمطار. وهذا هو موضع واعتزاز. حتّى أنهم لا يغسلون ملابسهم المتّسخة بالتراب. ولا يأكلون سوى البطاطا والبندورة والخيار والسمسم. وإذا قيل لهم اغتسلوا بمياه البحرِ المالحة، قاموا وتيمَّمُوا بالتراب. لأنَّ الملح قد يلصقَ بالأجسام ولا يزول بسهولة، والتّراب صالح طاهر ولا ضير في ذلك. حاول أحدهم ذات يوم، ويدعى "طاهر" أن ينظّف رأسه بالماء، بعد أن ضاق ذرعًا من القمل والصّيبان، فقال له الجمع من غلاة القوم: "يا رجل! إنَّه لا يليق برجلٍ في سنّكَ وعاقلٌ مثلكَ أن تكون شاذًا أو أن تخرج عن قواعدنا! ينبغي لك أن تُطيع أُولي الأمر فينا أولا، وعليك أن تستشير الخبراء من المزارعين الّذين يزرعون البطاطا والبندورة والخيار والسمسم؛ لأنَّهم خير النّاس، وأعلم النّاس، وأكثرهم خبرة، وفضلهم على النّاس كبير. ولولاهم لمات النّاس جوعًا؛ لأنَّ النَّاس يعيشون من خيراتهم.

تهامس الناس فيما بينهم، وقالوا بصوتٍ خافتٍ: علينا أن نطهّر أنفسنا من هذا الدّنس. نظر "طاهر" في عيونهم نظرة استغرابٍ وتراءى له أنّه يحدّثُ نفسه قائلاً: "لا وألفُ لا.. لن أسمح لأحد من المزارعين الّذين يزرعون البطاطا والبندورة والخيار والسمسم، أن يقرِّرَ لي أين وكيف ومتى تُزرع الشجرةُ. ولا أريد أن يبقى رأسي قَمِلا ما دمت حيًّا. ثمّ تراءى له أنّه يبحر في مركب صيد خشبيٍّ وحيدًا ولا يلوي على شيء. ولذلك عبست في وجهه الدّنيا واقتيد إلى معسكر اعتقال بعيدٍ، ووُجّهت إليه تهمة محاولة سرقة بعض حبّات الزَّيتون الّتي يُصنع منها الصّابون من كروم الآخرين. وعاش مع المعتقَلين.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى